ترحيب من المنظمات النسوية ورفض أزهري: «فاتن أمل حربي» يخترق المسكوت عنه في قضايا الأحوال الشخصية في مصر

تامر هنداوي
حجم الخط
2

القاهرة ـ «القدس العربي»: بين من رآه أشبه بإلقاء حجر في مياه أزمة قوانين الأحوال الشخصية الراكدة في مصر، ومن اتهم المشاركين فيه بإثارة جدل ديني والإساءة للإسلام، يقف مسلسل «فاتن أمل حربي» من تأليف الكاتب الصحافي المصري إبراهيم عيسى بين فريقين أحدهم يرفع راية الإشادة، وآخر يعتبره جزءا من مخطط لهدم الدين.

يتناول المسلسل الذي تلعب دور البطولة فيه الفنانة نيللي كريم، قضايا الولاية التعليمية للأطفال في حال الطلاق، وحضانة الأم للأبناء في حال زواجها مرة أخرى.
وحسب قانون الأحوال الشخصية المصري، تفقد المطلقة حقها في حضانة أطفالها بمجرد الزواج مجدداً.
مركز الأزهر العالمي للفتوى، في أول تعليق له على الجدل المثار على المسلسل، خرج ليؤكد أنه يدعم الإبداع المُستنير الواعي، لكنه في الوقت نفسه يحذر من الاستهزاء بآيات القرآن الكريم، وهدم مكانة السُّنة النبوية، وإذكاء الأفكار المتطرفة، وتشويه صورة عالِم الدّين في المجتمع.
اعتبر المركز في بيان، أن تشويه المفاهيم الدِّينية، والقِيم الأخلاقية؛ بهدف إثارة الجَدَل، وزيادة الشُّهرة والمُشاهدات؛ أنانيَّة ونفعيَّة بغيضة، تعود آثارها السَّلبية على استقامة المُجتمع، وانضباطه.
ورفض البيان ما وصفه بتعمُّد تقديم عالِم الدّين الإسلامي بعمامته الأزهرية البيضاء في صورة الجاهل، الإمّعة، معدوم المروءة، دنيء النَّفس، عَيِيّ اللسان – في بعض الأعمال الفنيّة-؛ تنمُّرٌ مُستنكَر، وتشويه مقصود مرفوض، لا ينال من العلماء بقدر ما ينال من مُنتقصيهم، ولا يتناسب وتوقير شعب مصر العظيم لعلماء الدِّين ورجاله.
لكن المركز في الوقت نفسه، أكد انه لا كهنوتية في الإسلام لافتا إلى أن الأئمة والفقهاء لم يدعوا العِصمة لأنفسهم على مرِّ العصور، بل كلهم بيَّن ما رآه حقًّا وَفق أدوات العلم ومعايير التخصُّص على وجه الإيضاح، لا الإلزام، ونسبة هذه الأوصاف الشائنة للعلماء تدليسٌ، ووصِاية، وخلطٌ مُتعمَّد؛ يهدف إلى تشويههم، وإسقاط مكانتهم ومقامهم، كما يهدف إلى تشويه مفاهيم الدين الحنيف، وتفريغه من مُحتواه.
وتابع البيان: الاستهزاء بآيات القرآن الكريم، وتحريف معانيها عمّا وُضِعت له عمدًا، وعَرْض تفسيرات خاطئة لها على أنها صحيحة بهدف إثارة الجدل؛ جريمة كُبرى بكل معايير الدين والعلم والمهنية، وتَنكّرٌ صارخ للمُسلَّمات.
وأكد أن السنة النّبويّة الصّحيحة ثاني مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، وهي التطبيق العملي له، وأُولَى أدوات فهمه واستنباط أحكامه، التي دلَّ القرآن على اعتبارها وحيًا إلهيًّا من قول النبي محمد وفعله وتقريراته، ومحاولة تهميشها وتنحيتها؛ محاولةٌ لهدم عِماد من عُمُد الدين، واعتداءٌ مرفوض على مكانة صاحب السُّنة.
وتابع البيان: إجماع العلماء المُتخصصين المُجتهدين في أحد العصور على حكم شرعي حُجَّة مُعتبرة، لا يجوز مخالفتها، لا لكون آحاد هؤلاء العلماء معصومًا كما يُزعَم، بل لاستحالة خطئهم مُجتمِعين في فهم نصٍّ، دلَّت على صِحَّته أدوات العلم والاستنباط، التي تخصَّصوا فيها وأتقنوها، وشريعة الإسلام شريعة مُتكاملة معصومة تُصلِح كلَّ زمان ومكان، واجتهادات الفقهاء على مَرّ العصور رسَّخت منهجًا للفهم والتطبيق يستفاد منه في استخراج آراء جديدة تُناسب تطوّر الواقع ومُستجداته، وتراعي مصالح النّاس.
وعن تجديد الخطاب الديني، قال المركز في بيانه: تجديد الفكر وعلوم الإسلام حِرفة دقيقة يُحسنها العلماء الرَّاسخون في المحاضن العلمية المُتخصّصة، قبل نشره على الشاشات أو بين غير المُتخصّصين، والفكر المُتطرف في أقصى جهتيه جامد يرفض التجديد بالكلية في جِهة، أو يُحوِّله إلى تبديد للشَّرع وأحكامه في الجِهة الأخرى.
وفيما يخص حضانة الأطفال، قال المركز، إن الإسلام أعطى الأمَ حقَّ حضانة أولادها عند وقوع الانفصال حتى يستغنوا عنها إذا لم يكن عارض أو مانع من الحضانة، ولا ينبغي مطلقًا أن يكون الطفل بين يدي والديه أداة ضغط أو دليلَ انتصارٍ مُتوَهَّم.
واعتبر البيان، أن المسلسل يطرح القضايا الدينية والمُجتمعية العادلة في قوالب مشبوهة، قائلا، لإن مثل هذا الطرح يظلم هذه القضايا، ويستخدم المنهج الانتقائي الموجه في عرض مشكلة مجتمعية، لا يعرضها من جميع جوانبها، ولا يُساهم في حلها، بل يُفاقمها، ويزيد الاستقطاب حولها، ويعكِّر السِّلم المُجتمعيّ، ويُصدّر للعالم صورة مُجتزأة وسلبية عن المجتمع المصري على غير الحقيقة والواقع.
واتهم البيان المسلسل، بانه يمارس الشَّحن السَّلبي المُمنهج في بعض الأعمال الفنيّة تجاه الدّين؛ بنسبة كل المعاناة والإشكالات المُجتمعية إلى تعاليمه ونُصوصه؛ تحيزٌ واضح ضدّه، واتهام له بضيق الأفق والقُصور، ونذير خطر يؤذن بتطرف بغيض فيه أو ضدّه، ويهدّد الأمن الفكري والسِّلم المجتمعي.

أوصياء الدين

إلى ذلك قال الدكتور سعد الدين هلالي أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، إن مسلسل «فاتن أمل حربي» أظهر معدن الأغلبية المصرية الطيبة التي تجتمع بفطرتها السوية لحماية الضعيف، وجبر خاطر المكلوم، والشد من أزر المظلوم، وإكرام الضيف والتواصي به خيرا.
وأضاف في منشور له على صفحته على فيسبوك، أن المسلسل فضح شرذمة أوصياء الدين وجهلهم بفقههم المتجدد، وكشف أعدادهم المحدودة التي فرضت نفسها بغليظ القول وعسر الرأي وتشدد الفتوى، واصطادت ضحاياها بالجعجعة والغيبة والنميمة وافتراء الكذب وهتك أعراض مخالفيهم وبكاء التماسيح وادعاء المظلومية تحت ستار نصرة الدين لإنفاذ ظلمهم بهدم الكرامة الإنسانية للعامة، وإضاعة حقوق المرأة الفطرية، والافتئات على الآخرين.
وتابع: «كل ذلك تسبب في تشويه صورة الدين البريئة التي تأخذ بيد الإنسان وتخدمه وترفع قدره بحرية الاختيار، دون الطبقية المقيتة بين عوام المؤمنين وبين أوصيائهم».
كان الدكتور سعد الدين هلالي، أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، قال إنه راجع الموضوعات الفقهية التي طرحها مسلسل «فاتن أمل حربي» بتدقيق شديد، مضيفًا أن «كل كلمة جاءت فيه مدروسة بعناية».
في المقابل رد محمد إبراهيم العشماوي أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف، على الهلالي.
وكتب العشماوي: ليته لم يقله؛ فإنه يغض من قيمته، وقد عهدنا رجال الأزهر يراجعون المسلسلات الدينية والتاريخية، دون هذه المسلسلات التي تروج لأفكار مسمومة ضد الدين، ولو لم يقل إنه راجعه لكنا نستدل بمحتواه على أنه راجعه؛ فإن المسلسل يحوم حول نفس المشروع الذي يتبناه الدكتور الهلالي، وهو نسبية الدين، وهي نظرية كارثية بكل المقاييس.
وأضاف، أننا قمنا بالرد عليه بناء على أمنيته بأن يخرج أحد لينتقد المسلسل نقدا موضوعيا؛ ليرد عليه بالحجج والبراهين، وجاء ردنا على بعض ما شاهدناه، ووصل إلينا علمه، وهو المشهد الذي تقول فيه الممثلة للشيخ: (أنا مش عايزة تفسيركم أنتم، أنا عايزة كلام ربنا) وهذه الجملة هي محور المشروع الهلالي، وقد ناقشناه مرارا على صفحتنا، وخلاصة المناقشات أنه كما يدعي الدكتور الهلالي أن كلام الفقهاء يحتمل الخطأ والصواب؛ فكلامه أيضا يحتمل الخطأ والصواب، فلماذا يطالبنا باتباع كلامه، دون اتباع كلام الفقهاء؟ ومطالبته بالتحرر من سلطة الفقهاء، والرجوع إلى ما يستريح إليه الإنسان؛ يفضي إلى أن تكون هناك أديان شتى، بل أهواء شتى، ويجعل العوام بمنزلة الفقهاء، ويبطل المنهج العلمي؛ لتتحول الأمور إلى فوضى لا نهاية لها، وهو إلحاد صريح.

مشروع قانون جديد

كشفت مؤسسة قضايا المرأة المصرية وهي مؤسسة حقوقية معنية بقضايا المرأة مشاركتها في إعداد مشروع القانون الجديد المقدم من النائبة نشوى الديب.
وقالت المؤسسة، إنه على مدار 20 عاما ماضية، حرصت على وضع وصياغة مقترح القانون تحت شعار «قانون أسرة أكثر عدالة» وأقامت حوارات ومناقشات عليه في مختلف محافظات الجمهورية للحصول على رأي وتوافق مجتمعي حوله.
وتضمن مشروع القانون عدة بنود جديدة كان أبرزها المادة السادسة عشرة والتي تنص على حق الزوجة في حالة رغبة زوجها الزواج عليها أن تقوم المحكمة بمراجعتها والحصول منها على الموافقة، فإذا رفضت يحق للمحكمة أن تتدخل وتحاول الصلح بينهما.
ونصت المادة على أنه في حالة إذا ما أصر الزوج على التعدد يحق للزوجة طلب الطلاق والحصول على كافة حقوقها المترتبة خلال شهر من تاريخ الطلاق، مشيرة إلى أنه في حالة موافقة الزوجة على زواج زوجها بأخرى أن تطلب منه الالتزام بتوفير كافة نفقاتها ونفقات أولادها وكذلك حقوقها الشرعية ومتابعة تربية الأبناء، وهنا تقر المحكمة للزوج بالتعدد، وفي حالة تقصيره أو تقاعسه يحق لها التطليق وتحصل أيضا على كافة حقوقها كمطلقة. ونصت الماده 19 من القانون الجديد، على شروط مناصفة الثروة عند الطلاق، حيث تضمنت على أنه يجوز كتابة نص عند الزواج على اقتسام ما يتم تكوينه من ثروات وممتلكات وأموال خلال فترة الزوجية وفي حالة الطلاق يتم تقسيمها مناصفة أو بشكل نسبي وحسب الاتفاق، وهذا بخلاف الحقوق الأخرى للزوجة المترتبة على الطلاق مؤكدة أنه لا يدخل في الاتفاق العائد المادي أو الميراث أو الهبة التي تؤول لأحد الزوجين، أو تم تكوينه قبل الزواج.

حضانة الأطفال

وعن حضانة الأطفال، نص مشروع القانون على ألا تسقط الحضانة عن الأرمل أو الأرملة في حال الزواج مرة أخرى إلا إذا ثبت عدم صلاحية أو عدم أمانة زوج الأم أو زوجة الأب، ولا تسقط الحضانة عن الأم بزواجها من آخر ما لم يقرر القاضي خلاف ذلك لمصلحة المحضون وفقاً لتقرير اجتماعي ونفسي لحالة الطفل/ة- وفي هذه الحالة لا تستحق أجر مسكن وحضانة. وجاء ترتيب الحضانة بحسب مشروع القانون، للأم ثم للأب ثم للمحارم من النساء مقدماً فيه من يدلي بالأم على من يدلي بالأب ومعتبراً فيه الأقرب من الجهتين.
ويأتي الأب في المشروع الساري في مرحلة متأخرة في حضانة الأطفال، بعد الأم والجدات وشقيقات الأم.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية