بيونة
أقلب الفضائيات الجزائرية، عقب الإفطار، بحثاً عن برامج تسلية أو مسلسلات كوميدية. أصادف وجوه ممثلين معروفين من كثرة التكرار، وليس بفضل موهبتهم، والقليل جداً من الشباب. ألاحظ أن عدد الرجال يغلب على عدد النساء، ومشاهد الريف أو الأحياء الفقيرة تتفوق على مشاهد المدينة أو الأحياء الميسورة.
ما يزال المخرجون يحاولون إضحاك الناس بالإصرار على صورة البدوي الساذج. إخراج تلك الأعمال سيئ في بعض المرات، كما لو أنها صورت بكاميرا موبايل، مع صور باهتة، كادرات مستعجلة وشارات بداية غير مبتكرة. دون أن نغفل هذا الاجترار غير المعلن من مسلسلات مشرقية أو تركية. فالخصوصية المحلية تكاد تكون غائبة. أراهن على أداء الممثلين، أقول في نفسي: «صبراً» من المحتمل أن نعثر على شيء يسلي المشاهد، وينسينا ضعف المخرج ومن رافقه من تقنيين.
أتابع حلقة أولى من مسلسل ثم ثانية فثالثة ورابعة، ثم حلقة أخرى من مسلسل آخر وما تلاها من حلقات، أحاول ربط الخيوط فلا أجد لهما سيناريو. هل اختفى كتاب السيناريو في الجزائر؟ الارتجال بات صفة مهيمنة، كل ممثل عليه أن يتكل على نفسه، على سمعته، على قدرته في الإضحاك والإقناع، مع ذلك يفشل. بعد أسبوع من المتابعة لا أعثر على شيء يستحق الضحك أو ينسينا ضغط الأعمال اليومية، فتلك المسلسلات لا تحمل من الكوميديا سوى عنوانها، يغلب عليها الصراخ لا التمثيل، بينما مضمونها يستحق الإشفاق، أن نشفق على الممثلين والمخرجين والمنتجين أيضاً، الذي صاروا أنفسهم مادة للتنكيت.
سيناريو اللحظة الأخيرة
في كل مرة أركز نظري في شارات البداية، في مطالعة الأسماء، من ممثلين إلى مخرج، وكل عام أكتشف كاتب سيناريو جديدا، هل باتت الجزائر مزرعة كتاب سيناريو هواة؟ في العادة كتابة سيناريو سلسلة تلفزيونية تحتاج شخصاً ملماً بمهنته، يدرك صياغة أبعاد الشخصية، ويتقن شحنها بمقوماتها النفسية، وهو عمل يقدر عليه عدد قليل من أهل الاختصاص، لكن في الجزائر من السهل أن يتجاوز عدد كتاب السيناريو عدد المتفرجين، كل عام يزيد عددهم، وكل عام ندور في حلقة الفشل ذاتها. سيناريوهات تغلب عليها صرخات وصيحات ومشاجرات لا سبب لها، فقط من أجل التمويه والتغطية على ضعف الحوارات (التي نشعر بأنها مترجمة ولم تكتب بلغة دارجة) الموسيقى التصويرية تطغى أكثر من الأداء، كما لو أن تلك السيناريوهات كتبت في اللحظة الأخيرة، وذلك هو الغالب، فالقنوات الفضائية لا تضبط ميزانية رمضان، ولا توقع تعاقدات مع منتجين سوى في الأسابيع الأخيرة قبل العرض، ما يحتم على المنتجين الإسراع في إتمام مسلسلاتهم، دون الحاجة إلى إرضاء الناس، المهم تسليم المادة وقبض مقابل مادي عنها، وإن بادر أحد بانتقاد أعمالهم فسوف يرجمونه بتهمة الغيرة، أو أنه لا يفهم في الانتاجات التلفزيونية.
في خضم هذه الفوضى الرمضانية، ليس مهماً أن يضحك الناس، المهم أن تملأ القناة أجندتها بالبرامج، أن تستفيد من ومضات إعلانية، تراكم أرباحاً على حساب الفن، منذ متى كان الفن مهماً في الجزائر؟
بعض المنتجين صاروا كتاب سيناريو أيضاً، فالباب مفتوح للجميع دون غربلة، بل قد نجد الشخص عينه هو المنتج والمخرج وكاتب السيناريو والممثل الرئيسي في السلسلة. في خضم هذه الفوضى الرمضانية، ليس مهماً أن يضحك الناس، المهم أن تملأ القناة أجندتها بالبرامج، أن تستفيد من ومضات إعلانية، تراكم أرباحاً على حساب الفن، منذ متى كان الفن مهماً في الجزائر؟ بإمكان الجميع أن يصير ممثلاً، لاسيما في رمضان، فالناشطون على السوشيال ميديا صاروا ممثلين، أبناء المنتجين أو المخرجين صاروا ممثلين، وأقارب الممثلين صاروا ممثلين أيضاً، وليذهب معهد فنون العرض، الذي يختص في تكوين الممثلين إلى غياهب النسيان. ليس مهماً أن تحمل شهادة في المجال كي تظهر في الشاشة، فالوقت يضغط ورمضان يسارع خطاه كل عام، بالتالي فإن الممثلين الحقيقيين، الذين يفرضون ظروف عمل حسنة ويشترطون مكافأة مالية، لا مكان لهم، وينوب عنهم أشخاص آخرون، يتمتعون بقدرة عجيبة على الضحك دون إضحاك الآخر، ولهم خصلة أساسية أن لديهم عددا من المتابعين بالآلاف على الأنستغرام، ما يسمح بترويج العمل، والترويج للشركة التجارية التي تدعم ذلك المسلسل، قد تكون شركة دواجن أو شركة استيراد قهوة، لا يهم، فالفرق بين داعم أو آخر يتحدد في قيمة الشيك الذي سيدفعه للمنتج.
الفنجان الفارغ والفنجان الممتلئ
هناك تجربة ينحاز إليها أهل التلفزيون، في التمييز بين الممثل الجيد ونقيضه. تتمثل في إتاحة فنجان قهوة فارغ للممثل، فإن أقنع المتفرج بأنه ممتلئ فيمكن التعويل عليه، وإن حصل العكس فقد فشل. لكن في الكوميديا الجزائرية ندرك بسهولة أن غالبية الفناجين فارغة، أو الممثل يبتذل الدور، أنه لا يفرق بين شخصيته الحقيقية، في الحياة العادية، والشخصية التي يتقمص دورها، لا يحوز كاريزما، ولا قدرة له على تجديد نفسه، وهذا لا يعني أن الجزائر لا تتوافر على ممثلين جيدين، يكفي أن نذكر اسم «بيونة» التي كان بوسعها أن تملأ الشاشة وحدها، أن تنقذ موسما رمضانياً بأكمله، لكن الممثل الجيد له شروط وإملاءات، ومن حقه المطالبة بالعمل في ظروف جيدة، وهو ما لا يوافق عليه المنتجون في الغالب، يريدون نصف ممثل سريع التأقلم ويتقبل ما يملى عليه، ممثلا قد يشتغل 12 ساعة في اليوم كما يفعل بعض الهواة قصد الإسراع في إتمام العمل. كما يجب أن نتوقف عند لغة المسلسلات الكوميدية، الجزائري بطبعه لا يضحك إلا قليلاً، وهو ميال للجدية والاكتئاب، وأكثر شيء يبعث في قلبه الضحك هو مقالب وحكايات مقتبسة من حياته اليومية، من لغته اليومية، حيث الكلام الشائن يطغى على غيره من كلام، بينما المسلسلات تصر على كلام نقي، مستوحى من الكتاب المدرسي، كما لو أنها تخاطب مشاهداً آخر لا جمهورها المحلي، الذي يجد نفسه كل رمضان مجبراً على الذهاب إلى «يوتيوب»، في إعادة مشاهدة مسلسلات قديمة، تذكره بأيام الضحك، بدل ما يعرض اليوم، من أعمال تبتلع مالاً دون أن يُشاهدها أحد.
كاتب جزائري