قضية تعامل الصحافة عموماً مع مؤسسات الاستخبارات والتقصي الخاصة تمهيداً لنشر المعلومات في الصحف أو وسائل الإعلام الأخرى، هي إحدى القضايا الرئيسية في عالم الإعلام في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ العالم.
الصحافيون والإعلاميون في وسائل النشر والبث العام والخاص يتهافتون على الحصول على ما يسمى «الخبطات» الصحافية (في اللغة الأجنبية (Scoops)) من أجل تكريس أنفسهم كإعلاميين مرموقين أو من أجل الربح المادي المتزايد والعمالة.
الصحافي الأمريكي باري مايير، الحائز على جائزة «بوليتزر» والعامل سابقاً في صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» الأمريكيتين أجرى مئة وثلاثين مقابلة خلال سنتين مع شخصيات عاملة في حقل الإعلام والتقصي الخاص قبل أن يُصدِر كتاباً العام الماضي، بعنوان: «أشباح تراقب: الصعود الخفي لجواسيس القطاع الخاص».
المقاربة الأساسية لهذا الكتاب تُحذر الصحافيين والإعلاميين النزهاء والجديين في العالم من الاعتماد على ما توفره لهم مؤسسات التقصي والاستخبارات الخاصة، خصوصاً في المجالين الاقتصادي والسياسي، من معلومات عموماً ليست مبنية على وقائع دامغة، بل هدفها التوصل إلى الربح المادي أو السياسي الرخيص.
ويستخدم مايير كنموذج لمثل هذه الممارسات ما قام به عميل الاستخبارات الخارجية البريطانية «إم.آي.ستّة» السابق كريستوفر ستيل، قبل وبعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية لعام 2016 بحيث ادّعى ستيل بان الدولة الروسية استخدمت شتى الوسائل لإيصال المرشح الرئاسي دونالد ترامب (الذي فاز لاحقاً بالرئاسة) إلى المركز القيادي الأول في أمريكا. وفعل ستيل ذلك عبر مؤسسات تقصّي خاصة تابعة له ولشركائه.
ويؤكد المؤلف ان ستيل وأعوانه اعتمدوا على تقارير غير مثبتة وغير موثّقة وفرها (لهم) عميل روسي لستيل ومؤسسة وبثّها الأخير في الصحافة والإعلام والنشر في البلدان الغربية وتسابقت وسائل الإعلام على نشرها من دون التأكد من صحتها بشكل معمق وموضوعي.
ويأسف مؤلف الكتاب بأن شخصاً في مستوى ستيل اعتمد ما كان يقدمه إليه من معلومات عميل شاب من أصل روسي اسمه ايغور دانتشينكو، اعتمد على وشوشات وإشاعات حصل عليها من خلال تنقله بين لندن وروسيا، وخصوصاً ما زودته به صديقة له في موسكو أولغا غالكينا، ليطلق نظريات حول تصرفات جنسية مشينة لدونالد ترامب مورست مع فتيات هوى في أحد فنادق روسيا أثناء وجوده في موسكو عام 2013.
ولد دانتشينكو في مدينة بيرم في منطقة استخراج المعادن في سيبيريا (روسيا) ولكنه تابع دراسته العليا في جامعات أمريكا، وعاش في واشنطن وعمِلَ لاحقاً في «مؤسسة بروكينغز» الأمريكية التي كان يديرها صديق ستيل المسؤول الأمريكي السابق ستروب تالبوت، كما عمل دانتشينكو مع المسؤولة السياسية الأمريكية فيونا هيل، الاختصاصية في الشؤون الروسية في «مؤسسة بروكينغز» الأمريكية (ص 284).
إذن، يتبين من هذه الوقائع أن الاستخبارات الروسية إما أرادت إيقاع كريستوفر ستيل في ورطة بعد انتشار معلوماته غير الموثقة بالوقائع بالفعل، أو أن جهات معارضة لوصول ترامب المرشح الجمهوري إلى الرئاسة الأمريكية يدعمهم أوليغارشيون روس معارضون لموسكو انتقلوا إلى معسكرات خاصة لمحاربة ترامب وبينهم الأوليغارشي الروسي الثري ذو النفوذ والعلاقة الخاصة مع ستيل اوليغ ديريباسكا، كانوا يدعمون بوسائلهم هذه العملية الفاشلة (ص 271). علماً أن ديريباسكا تعامل مع كريستوفر ستيل لخمس سنوات قبل انتشار هذه «الفضائح» المتعلقة بتعاون ترامب مع روسيا، حسب المؤلف.
ويفضح مايير مجموعة من مؤسسات الاستخبارات والتقصي الخاصة التي تعمل استهدافاً للربح المادي في درجة أولى وتدافع عن جهات رُفعت ضدها دعاوى، وبعد ذلك تدافع عن جهات أخرى، في جهة معاكسة لابتزاز الجهات الأولى مما يثبت فسادها.
ويسمي المؤلف في هذا المجال في الفصل الرابع عشر من كتابه مجموعة من هذه المؤسسات وبينها مؤسستا «فيوجن جي.بي.إسّ» و«اوربيس» المرتبطتان بستيل وغيرها التي اعتمدت هذا التصرف وبعضها تراجع عنه (ص 226).
وفي الفصل الثالث عشر، يؤكد أن النائب البريطاني السابق عن حزب المحافظين روبرت آلاسون، المتخصص في شؤون الاستخبارات، اعتبر بأن المصادر التي استخدمها كريستوفر ستيل «مشبوهة وربما مُختلقة، وقد تكون الدولة الروسية زودته بها لتحطيم موثوقيته وصدقية معلوماته» (ص 219).
ويطرح المؤلف سؤالاً هاماً في الفصل السابع عشر وهو: «من هي الجهة التي دفعت الأموال لكريستوفر ستيل لكي ينشر المعلومات حول التعاون بين روسيا ودونالد ترامب لإيصال الأخير إلى الرئاسة الأمريكية؟ (ص 259).
وفي قراءة ما وراء السطور في الكتاب يتبين ان جهات في الحزب الديمقراطي الأمريكي كانت لها مصلحة في تنفيذ مثل هذه الممارسات وقد دفعت ما يوازي المليون دولار في هذا المجال، ولكن أموالاً أخرى دُفعت حسب المؤلف، لإفشال هذا المشروع ولإظهار كريستوفر ستيل وأعوانه والذين تعاونوا معهم في الإعلام البريطاني والأمريكي بالانحياز وبالتسرع في نشر فضيحة ارتدّت ضدهم.
وهذه الأمور جرت بمعرفة تامة ومتابعة حثيثة لـ«جهاز التحقيق الفدرالي الأمريكي» (إف.بي.آي) حسب المؤلف، ومديره السابق جيمس كومي، وهذا أمر لم يدركه الرئيس الأمريكي السابق ترامب وقرر المواجهة مع كومي حول بعض المعلومات التي لم يزوده بها كومي بسبب سرية تحقيقه ونتيجة لحرفيته، وبينها ما نُسب إلى بعض كبار معاوني ترامب ومحاميه مايكل كوهن عن زيارات كوهن إلى أوكرانيا لأهداف سياسية ومالية التي يعتقد المؤلف انها كانت معلومات غير صحيحة.
من الواضح ان المؤلف هو من معارضي استخدام هذه المؤسسات الاستخبارية الخاصة لإزالة أو لدفع الاتهامات عن مرتكبين كبار في المجالات الإعلامية السياسية والاقتصادية والأخلاقية أو للتلفيق وللترويج لمثل تلك الاتهامات.
ويورد كمثل حي في هذا المجال ان مؤسسة الاستخبارات والتقصي الخاصة «بلاك كيوب» الإسرائيلية الهوية والانتماء، جهدت وكانت تعمل للحصول على معلومات قذرة عن الجهات المدعيّة على المنتج الهوليوودي هارفي واينستين، المعتدي جنسياً على الفتيات الساعيات للدخول إلى عالم السينما. وان واينستين تعاقد مع «بلاك كيوب» وغيرها من هذه المؤسسات لجمع المعلومات المغرضة المسيئة للفتيات الضحايا لإفشال شهاداتهن ضده في المحاكم (ص3).
إذن، فهذه المؤسسات الاستخبارية الخاصة، حسب المؤلف، هدفها الأساسي الربح المادي بصرف النظر عمن قد تسيء إليه أو عما قد تشوهه في أخلاقيات العالم، ومن المعيب على الصحافة العالمية في أي مكان التعامل معها لأن هذا الأمر ليس مسيئاً للصحافة المحترمة عموماً، بل للإنسانية جمعاء وللقيم الأخلاقية في عالمنا الحالي.
فمؤلف هذا الكتاب هو من هؤلاء الصحافيين والكتّاب الإنسانيين الذين ما زالوا يرون بأن الكتابة عموماً، والنشر في الإعلام لديهما مهمة إنسانية في الدرجة الأولى، وان هذا الأمر قد تم تجاوزه بفضل مؤسسات تسمي نفسها مؤسسات لتقصي المعلومات بينما هي بالفعل مؤسسات معروضة للبيع والشراء وانها في النهاية تغطي على الوقائع والحقائق في مجالات إنسانية وسياسية أساسية. ويتمنى الكاتب أن تستمر المؤسسات الأمنية الدولية في ملاحقة مثل هذه المؤسسات وإظهارها على حقيقتها كما حاولت مؤسسة «المكتب الفدرالي للتحقيقات» (اف.بي.اي).
ويضيف مايير قائلا إن مثل هذه المؤسسات الخاصة الساعية إلى الربح المادي أولاً والتي تضم عملاء وخبراء أمنيين سابقين ككريستوفر ستيل، تحاول دائماً الهروب من مراقبة المؤسسات الأمنية الحكومية الفعلية سعياً لاستقطاب الزبائن، وتستخدم أشخاصاً لديهم خبرات سابقة في هذا العمل الاستخباراتي الأمني، ولكن يجب وضع حد لذلك (ص 11).
مثل هذه المؤسسات، حسب المؤلف، تحمي الفاسدين والأوليغارشيين في العالم المادي من الملاحقة لانها تكوّن ملفات ضد ملاحقيهم وتحول الموضوع إلى عملية منافسة شبه موازية من الجهتين فيما يدفع الثمن عامة الشعب. وهذا الأمر خطير في هذه المرحلة من التاريخ حيث يدعم بعض أصحاب المليارات من الدولارات وأصحاب رؤوس الأموال الضخمة كثيراً من التجاوزات التي تجري في أوروبا ودول الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا والعالم.
فهل باستطاعة أي إنسان عادي في هذه الدول محاسبة هؤلاء الفاسدين ومواجهة دعمهم للقمع والتجاوزات السياسية والمالية والاقتصادية في العالم؟ هذا سؤال يطرحه الكاتب. الجواب هو أنه ليس من السهل فعل ذلك بوجود المؤسسات الاستخبارية الخاصة لدعمهم ولتذليل وتحطيم خصومهم بالإضافة إلى الإعلام العالمي المؤيد لمثل هذه التوجهات.
معظم دول العالم هذه الأيام يحكمها قادة فاسدون يتنافسون مع خصومهم، والإثنان مدعومان من جهات إعلامية تكتسب النفوذ والأموال على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة غير القادرة على التأثير الفعلي على مجرى الأمور مع جهة أو أخرى، بين هذه الجهات التي تمثل عُملة نقدية من وجهين مختلفين في الواجهة فقط ولكنها متحالفة بالفعل! لذلك فهذا الكتاب يكتسب أهمية خاصة، ليس فقط لكونه صادر عن شخصٍ أثبت نفسه في الحقل الإعلامي، وقام بمهمة جبارة في مجال الاستقصاء والجهد والعمل البحثي العلمي، بل لأنه يختصر ما يجري حالياً في أماكن مختلفة من العالم من مآس لعدم وجود أي محاسبة فعلية، ولأن السعي إلى المال والثروة المادية يطغي على جميع الدوافع الأخرى في مثل هذه الأماكن والدول التي تقمع شعوبها.
Barry Meir: «Spooked»
Sceptre, London 2021
323 Pages.