كتاب الناقدة العراقية خالدة حامد «من قلب الجحيم»: ماهية الشعر وتجارب الترجمة

سارة سليم
حجم الخط
0

إذا كانت الترجمة بشكل عام خيانة للنص الأصل فترجمة الشِّعر هي خيّانة موصوفة للشِّعر ولا يمكنُ أن تمنح للنصّ وجوده بلغة أخرى ما لم تنقل على يد شاعر، ليعيد إنتاج نصّ شعريّ جديد فيه شيءٌ من الأصل من جهة، وإبداع الشاعر في اللغة الوصل من جهة أخرى. فمترجم الشّعر يجبُ أن يكونَ شاعرا، فهو الأقدر على فهم وإحياء تلك الروابط غير الواضحة للعيان لأنّها وحدها ما يُشكّل ماهية الشّعر. وأيضاً وكما تقول الكاتبة والمُترجِمة العراقية خالدة حامد في «من قلب الجحيم ــ في ماهيّة الشِّعر» إن: «ثمة من يتفق مع الرأي القائل أن الشاعر يترجم لشاعر آخر في محاولة منه للعثور على ذاته في نص آخر، فيسعى جاهداً لاختراق حجابات الشاعر الآخر، وانتزاع قشرة النصّ، والدخول إلى لبّه».
إذ تشرح في الكتاب ماهيّة الشّعر الّذي «يوقظ وهمَ اللّاواقعي والحلم، في مقابل واقعٍ ملموس صاخب، نصدِّق أنفسنا فيه بأننا في موطننا، على حدِّ تعبيرها، كما أنها حاولت أن توضح تلك العلاقة بين الشعر وترجمته، وكيف يمكن للشِّعر أن يُنقَل دون أن يضيع. وفي الوقتِ ذاته قدّمت العديد من الأسماء الشّعرية في العالم، ولم تأت على ذكرهم لمجرد الذكر، بل لتستكشف الشعر والترجمة من وجهة نظرها.
يقول رسول حمزاتوف واصفاً الشُعراء: «نحن الشعراء مسؤولون بالطبع عن العالم كلّه. فوحده الشّعر برأيي يمكن أن يعبّر ويشرح كلّ ما استعصى شرحه، إنّه طريقة البعض للتعبير عن تساؤلاته إزاء كل ما يحدث».
يقول الكتاب: «فَمَنْ هو الإنسان؟ إنه الوحيد الذي ينبغي أن يكون شاهداً على ما هو عليه. أن تشهد يعني أنك تبرهن، لكنه يعني أيضاً أن تكون مسؤولاً عمّا برهنتَ عليه في شهادتك، الإنسان هو الذي يكون، على وجه التحديد، الشاهد على وجوده الخاص».
كلّما كان الشّعر حقيقيّاً صادقاً، كان صاحبه مقلاً في نتاجه، فالشِّعر لا يُقاس بالوفرة بقدر ما يقاس بكثافة الصور الشعرية التي تبقى عالقة بالمخيّلة. ما يُحيلني إلى عبارة دقيقة للشاعر الإيطالي مونتالي يعتبرُ فيها أنّ «فقط الشّاعر المزيّف مَن يتكلّم»، وطبعاً إذا ما تحدّثنا عن الشعر، سنتناول الترجمة لأنها السّبيل الوحيد لنقله إلى لغات أُخرى، لكن ليس كل ما يُترجم يمكن أن ينطوي ضمن الشعر، ما لم تترجم الصور الشعرية، المعاني المتوارية خلف الكلمات.
إذاً مترجم الشعر وكما تقول خالدة حامد في كتابها: «لم يعد محض وسيط وناقل، بل هو الوحيد الذي يُتاح له التواجد في عالمين مختلفين، ويمارس دورين في اللحظة عينها، فهو ناقدٌ وكاتبٌ من جهة، وكاتب وقارئ من جهة أخرى. لكنّه هنا كاتب من نوع خاص، تبرز براعته في تأويله لما يقوم بترجمته، وقارئ موهوب يحظى بفرصة استكشاف مجاهلِ النّص، بثرائه وغُموضه».
تعود خالدة حامد بالقارئ في «من قلب الجحيم» إلى من يسمّون بشعراء الصورة العميقة مثل روبرت بلاي وجيمس رايت، كما تتحدّث عنِ الشّاعرة الأمريكية إليزابيت بيتشوب التي لم تُعرفْ بحياتها كما اشتهرتْ بمماتها، إذ ترى أن: «الشّعر عندها طريقةٌ يلجأُ إليها الشّاعر ليتفكّر في مشاعره الخاصّة شريطة أن تكون هذه المشاعر مُبهمة، متوارية، أو مكتوبة من منظور مُغاير». وهذا ما يُسمّى بشِعر الكِتمان.
في حين يُعبّر الناقد الأمريكي هارولد بلوم عن شعرها بقوله إنه: «يقفُ على شفير موضع، يكونُ فيه ما ينبغي قوله، هو بالضّبط ما يصعبُ قوله.»
تتناول المؤلفة كذلك علاقة الحبّ القويّة والغريبة التي جمعتْ كلّ من بيشوب والشاعر روبرت لويل إذ «كان أحدهما يمنحُ للآخر شعوراً بالاكتمال».
تذهبُ بعد ذلك إلى نوعٍ آخر من الشّعر، وهو شعر الاعتراف وأهم رواده الأمريكية سليفيا بلاث والإيرانية فروغ فرخزاد، إذ تكتُبان الشّعر الخارج عن القواعد المُتعارف عليها لتعبّرا عن تجارب الحياة المريرة بكلّ ما تحمله من سوداوية، كما أنّهما تمتلكان «البراعة في التقاط تفاصيل الحياة الخاصة». تقول سليفيا بلاث: «الموت فنّ، مثل كلّ شيء آخر وأنا أجيدُه بامتياز.»
تتناول خالدة حامد أيضاً تجربة هيدغر الّذي يرى أن: «الشِّعر الحقيقي هو الّذي يفكّر عبر اللغة ويكتشف ماهية الوجود».
وتبرزُ في الكتاب ذاته علاقة هيدغر بهولدرلين الّذي سمّاه بشاعر الشِّعر، فهودرلين يخلق تزاوجاً رهيباً بين الشِّعر والفلسفة، إذ عبَّر هيدغر عن رأيه به قائلًا: «أنا لا أنظر إلى هولدرلين بوصفه شاعراً يدرسه مؤرخو الأدب مثل غيره مِن الشُعراء، هولدرلين بالنسبة إلى هو الشّاعر الذي يُشير إلى المستقبل الّذي ينتظره الإله».
أما في ما يتعلق بتجربة ت. س. إليوت والترجمة ترى الكاتبة أن «ثمّة من يتّفق مع الرأي القائل أنّ الشاعرَ يترجمُ إلى شاعرٍ آخر في محاولة منه للعثور على ذاته في نصٍّ آخر، فيسعى جاهداً لاختراق حجابات الشّاعر الآخر، وانتزاع قشرة النّص، والدخول إلى لُبّه».
لا تقتفي خالدة حامد في كتابها ماهية الشّعر وحسب، بل تتّبع سيرته في حياة الشعراء، وجدوى الشّعر في الحياة، كما أنها تتناول مسار شعراء كان لهم بصمَتهم وتأثيرهم حتى الآن، كما أنها قدّمت في الكتاب ذاته نماذج شِعرية مترجمة مع تعريف موجز بها.
يجمع بين المختارات الشعرية الموجودة في الكتاب: «الشّعر وإن فرّق بينها الزمن والاتجاه، فقد صنَّف النقادُ شعراءَها ضمن مدارس أو حركات أدبية مختلفة».
نقلت المؤلفة هذه المختارات الشعرية بحرفية، إذ حين نقرأها لا نشعر أنها مترجمة، بل وكأنها كُتبت بلغتها الأصل، وهذا ما يؤكد لنا حرص المترجمة ودقتها في تجويد مادتها، كما لم يكن تواجدها في الكتاب كمترجمة وحسب بل ناقدة وباحثة وشاعرة أيضاً. فالشعر كما تراه: «ليس محض زخرفة تصاحب الوجود، ولا حماسة مؤقتة، وبالتأكيد ليس إثارة أو لهوا؛ الشعر هو الأساس الذي يديم التاريخ، وبالتالي فهو ليس مظهراً من مظاهر الثقافة وحسب والأهم من ذلك كله أنه ليس محض تعبير عن الثقافة».
وقد جاء في مقدمة الكتاب قصيدة عن الترجمة للشاعر العراقي أحمد عبد الحسين نذكر منها:
«افتح الباب لترى الحقيقة؛
الحقيقة مأهولة بالتراجم
فإذا ما أصغيت إلى نفسك
كنت إلى لسان الغرباء تصغي
وبكلماتهم تتكلّم».
«في ماهيّة الشِّعر» دليل القارئ والشّاعر، والمُترجِم الشَغوف بالشّعر. إنّه مدخلٌ إلى الشّعر من كلّ أبوابه، فنحن نقرأ تبعا لوصية بيار لرتوما الذي يرى: «أن القارئ المثالي هو الذي يوجد في داخله شاعر».

«من قلب الجحيم ــ في ماهية الشعر»
إعداد وترجمة: خالدة حامد
منشورات المتوسط، ميلانو 2021
192 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية