تونس-«القدس العربي»: هي ربما حادثة نادرة ان يتوج فريقك المفضل بطلا وفي القلب حرقة وفي الحلق غصّة! هذا ما حدث لجماهير باريس سان جيرمان في مباراة فريقها ضد لانس السبت الفائت ضمن الجولة الرابعة والثلاثين التي انتهت بالتعادل 1/1، والتي شهدت حدثا غير عادي في المدرجات حيث غادرت مجموعة “الالتراس” الملعب قبل ربع ساعة من نهاية المباراة التي توج فيها فريقها بطلا للدوري الفرنسي قبل نهايته بأربع جولات!
اللقب العاشر للفريق الباريسي اقترن بشيء من المرارة التي عادة تختفي مع نشوة التتويج، ليس في الأمر سرّ، فمشهد “الريمونتادا المدريدية” ما زال يشكل كابوسا يقض مضاجع جماهير النادي لاعتقادها أكثر من أي وقت مضى أن فريقها المدجج بكتيبة من النجوم سينهي الخصام مع اللقب القاري وينزل الآلاف الى شارع الشانزيليزيه للاحتفال أسوة بكبار القارة العجوز. هذه الجماهير شبعت ألقابا محلية منذ انتقلت ملكية النادي لجهاز قطر للاستثمارات الرياضية في 30 يونيو/حزيران 2011. وفي ظرف عشر سنوات استقرت 28 بطولة في الخزانة الذهبية للنادي، حيث فاز الفريق 8 مرات بلقب الدوري وست مرات بالكأس ومثلها بكأس الرابطة وحصد كأس الأبطال (السوبر) في ثماني مناسبات. هذه الحصيلة الرائعة تعد الأفضل في تاريخ الكرة الفرنسية وشكلت نقلة نوعية لسان جيرمان رفعته الى مصاف الكبار. ورغم ذلك لم تشف غليل الجماهير التي لم تكن تحلم في يوم ما بهكذا انجازات، لكنها الآن لم تعد ترضى بغير لقب دوري الأبطال الذي وعد به ناصر الخليفي رئيس النادي حين تولى المسؤولية في 2011 قائلا إن الهدف الأول للإدارة الفوز باللقب القاري خلال السنوات الخمس التالية!
لكن بعد عشرية كاملة لم تتجه “ذات الأذنين الكبيرتين” الى عاصمة النور، علما أن الفريق خاض 95 مباراة في دوري الأبطال، وفاز في 54 وتعادل 18 مرة وتلقى 23 خسارة مسجلا 204 أهداف واستقبل 162، وأدرك نصف النهائي مرتين والنهائي مرة واحدة. الى جانب معاناتهم من “الألم الأوروبي”، يعيش مشجعو الفريق الباريسي حالة من “القلق المحلي” سببه لا يخفى على أحد وهو الغموض الذي يكتنف مصير الجوهرة مبابي، لكونه يحتل مكانة كبيرة في قلوبهم ولم يشمله غضبهم بعد الخروج الاوروبي المرير، وما رفع من قيمته ثبات أدائه من مباراة لأخرى محليا وأوروبيا (الوحيد الذي أرهق ريال مدريد ذهابا وايابا) مقابل انزعاجهم من “شطحات” نيمار والميركاتو الرمادي لميسي. حصيلة مبابي هذا الموسم تؤكد إنه الأفضل بدون منازع حيث بات مؤثرا جدا في مردود الفريق ونتائجه، مظهرا قوة شخصية نادرة للاعب في سنه (23 عاما)، حيث لم ينل من أدائه كل الصخب القائم حول انتقاله الى النادي الملكي، فهو النجم الاول للفريق والاحصائيات تؤكد ذلك بتسجيله 22 هدفا و14 تمريرة حاسمة قبل نهاية الدوري بأربع جولات.
كل ذلك، يجعل من “الصمت” الذي يمارسه مبابي حول تجديد العقد من عدمه، عقوبة قاسية لمشاعر المشجعين، رغم يقينهم ان ملاك النادي على استعداد لكتابة أعلى الأرقام في صفحات تاريخ انتقالات اللاعبين لبقاء مبابي، فسبق ان مارسوا ذلك في صفقة انتقاله من موناكو عام 2017 مقابل 145 مليون يورو أو حين التعاقد مع البرازيلي نيمار نظير 222 مليون يورو. الانتظار الثاني للجمهور الباريسي، يبدو أقل وطأة لكنه لا يخلو من الأهمية لحرصه على معرفة من الذي سيقود السفينة في بحر المعارك المنتظرة الموسم القادم. هل سيستمر ماوريسيو بوتشيتينو، أم سيرحل هو وطاقمه المدلل؟ أصحاب القرار تعاملوا بهدوء مع الخيبة الأوروبية بعدم اللجوء الى “العقوبة الفورية” بانهاء المهام، لكن حجم المرارة كان كبيرا وترك وجعا عميقا، لذلك فالرأي السائد أنها مسألة وقت لا غير، وأن بوتشيتينو لن يظل باريسياً لغاية نهاية عقده في يونيو/حزيران 2023، لكنه لن يرحل حزينا، فالسنة المتبقية من عقده تضمن له على الاقل 15 مليون يورو (راتبه الشهري 1,1 مليون يورو)، علما ان ادارة النادي ستصدر صكوكا أخرى “مغرية” لبقية الجهاز الفني المكوّن من المساعد الأول خيسوس بيريز الذي يتقاضى شهريا 800 ألف يورو (رقم يليق بمدرب أول في أي ناد كبير)، و50 ألف لزميله ميغيل داغوستينو وبالمثل لمدرب الحراس طوني خيمينيز و20 ألف يورو لمدرب اللياقة سيباستيانو بوتشيتينو ابن الوالد ماوريسيو.
الكلام عن الرحيل يقود بدون شك للحديث عن البديل، والمرشح الأول لم يعد زيدان الذي يطمح لقيادة الديكة بعد مونديال 2022، بل هناك اسمان ايطاليان: أنطونيو كونتي، يبدو الاولوية الاولى للنادي الباريسي رغم ارتباطه حاليا بتوتنهام. كونتي لا يمانع في الانتقال من لندن الى باريس لرغبته في العمل مع فريق له القدرة التنافسية قاريا، طالبا 30 مليون يورو راتبا سنويا لقبول المهمة علما ان راتبه الحالي في توتنهام 17 مليون يورو! المرشح الثاني ماسيميليانو أليغري مدرب يوفنتوس الحالي والمرتبط معه لغاية 2025. أليغري سبق ان تردد اسمه عند اختيار مدرب جديد لسان جيرمان. وما أعلنه مؤخرا انه ينوي إكمال المشروع مع “اليوفي” رغم متاعب الموسم الحالي! ولا يبدو ان الغموض سيستمر طويلا حول بديل بوتشيتينو، ولعل الجمهور الذي رفض عدد كبير منه الاحتفال مع الفريق بالتتويج الجديد، لن يصبر كثيرا لمعرفة اسم الربان القادم، وقبل ذلك، حرصه شديد لمعرفة مستقبل نجمه المفضل مبابي.
هذا ما يدركه جيدا ملاك النادي الذين يرون في اللقب العاشر فرصة جديدة أو محاولة أخرى جادة في الموسم المقبل للمراهنة على المشروع الأكبر لهم، الفوز بدوري الأبطال، وهو هدف لو تحقق سيكون بدون شك الأغلى والأعلى تكلفة في تاريخ البطولة مقارنة بكل الأندية التي توجت بدرّة بطولات الأندية القارية، ويكفي أن نجمع حجم الصفقات التي تمت لاستقطاب كبار النجوم والمدربين لاعتلاء السقف الأوروبي لنعلم كم هو “عزيز” هذا اللقب على ادارة باريس سان جيرمان.