بذلت جهداً في غير موضعه، لإثبات العلاقة «العضوية» بين مسلسل الاختيار وأهل الحكم، فاذا بالجنرال بذات نفسه يعترف بهذه العلاقة، ويؤكد أن «كل كلمة» فيه صحيحة، وحدثت بالفعل!
ما قلته، وكتبته، أن الجهة القائمة على هذا العمل «الاختيار» هي شركة تتبع الأجهزة السيادية، التي وضعت يدها على الصحافة والإعلام، واحتكرت الإنتاج الدرامي، فضلاً عن أن التسريبات التي تذاع في هذا المسلسل هي في حوزة هذه الأجهزة، فمن يملك تسجيل لقاءات تمت بين قيادات من الإخوان، وقيادات في المجلس الأعلى للقوات المسلحة، سواء في وزارة الدفاع، أو المخابرات الحربية؟ إلا هذه الأجهزة، ومن يملك سلطة بثها في عمل درامي، إلا إذا كانت السلطة هي التي تقف بكل امكانياتها خلف هذا العمل!
وفي مداخلة على «الجزيرة مباشر» بذلت جهداً في اثبات هذه العلاقة، بالقرائن التي ترتقي لمرتبة الدليل، وليس بالدليل نفسه، ولم أكن أعلم أن عبد الفتاح السيسي سيأتي في اليوم التالي ليوفر على الكثير من الجهد بالاعتراف بهذه العلاقة، فيما سمي بإفطار الأسرة المصرية، غير مكترث بما يترتب على هذا من أثار، ليس أخصها سؤال التمويل!
فلأن العقلية العسكرية، هي التي تدير الدراما، فلا نعرف إلى الآن قيمة انتاج مسلسل «الاخيتار3» لكي ينقل رواية الجنرال، عن أحداث جرت، لم يكن طرفاً محايداً فيها، ومن يتحمل فاتورة هذا العمل؟ الذي لم نعلم إلى الآن أن قناة تلفزيونية واحدة خارج القطر المصري، قد اشترته، ودائماً فان الدراما مشروع استثماري مربح، إلا في الوضع المصري الحالي، مع الدراما التي تنتجها السلطة، لأنها غير صالحة للبيع أو الشراء، مع أنهم أعلنوا قبل ذلك أن هذا المسلسل سيترجم إلى ثلاث لغات حية، ولا نعرف السبب في ذلك، ما دام غير صالح للتصدير، وغير قابل لجذب المشاهدين الفرنجة، الذين لا يشاهدون القنوات التلفزيونية المصرية، ما ظهر منها وما بطن!
نعلم بطبيعة الحال، أن الحكم العسكري يعتمد نظرية «من ذقنه وافتل له» ويقصد بالذقن اللحية، والفتل مرتبط بصناعة الحبال من ليف النخيل وسعفه. فهذه الإعلانات المكثفة للشركات أثناء عرض المسلسل وغيره، هي للتمويل، وليس تمويل الدراما الحكومية فقط، لكن للإنفاق على هذه القنوات التي وضع أهل الحكم أيديهم عليها، فلم يتبق من القنوات الخاصة في يد الأفراد سوى «صدى البلد» أما قناة «تن» فهي قناة إماراتية تأسست في مصر بالتواطؤ، كما لم يتبق من الصحف بعيداً عن هذه الملكية سوى «الشروق»!
إعلانات هيئة البريد:
ومن هنا يمكن لنا أن نفهم لماذا تقوم هيئة عامة، مثل «البريد المصري» بالإعلانات المكثفة في شهر رمضان الفضيل، وهي لا تقدم خدمة تحتاج إلى دعاية، وليس لديها منتجاً يحتاج ترويجه إلى اعلان، وإن كانت هناك وجهة نظر معتبرة، تقول إن هذه الإعلانات، ووجود نجم فيها كعمرو دياب تقاضى خمسة وعشرون مليون جنيه عداً ونقداً، هي للفت انتباه «المستثمر الإماراتي» إلى «هيئة البريد» فيعمل على شرائها وضمها إلى «الاقطاعيات» التي اشتراها من أهل الحكم. فلا نزال الى الآن نتعامل مع الخليجي على نفس القواعد التي كنا نتعامل معه بها عقب طفرة النفط، فعندهم «رز بالهبل» ولا بد من القيام بمخاطبة وجدانه ولو بالخداع البصري، الذي يمثله مثل هذا الإعلان، ولا شك أن هيئة البريد لا تنقصها الأهمية للشراء، لكن الإعلان الذي يشارك فيه نجم معروف من شأنه أن يمثل تشويقاً لدفع أعلى سعر!
لم يسأل أحد السيسي عن صحة ما جاء في مسلسل «الاختيار3» ليجيب، لكنه تطوع بالإجابة بدون سؤال مطروح، فسأل وأجاب، وكان السؤال بعد تعريبه: «كثير منا يسأل ما الهدف من هذا المسلسل»؟ ثم يجيب نصاً: «الهدف منه أن نسجل بأمانة وإخلاص وشرف ما حدث في وقت ينعدم فيه الشرف والصدق!
ثم يضيف: «احنا بنزايد كتير» قبل أن يستدرك «لكن احنا كنا حريصين… « ولم يكمل العبارة، لكنه قفز إلى تأكيد: «وأنا أقدر أؤكد لكم أنه على الأقل كل كلمة قيلت في هذا الوقت مع الناس الكبار..» مرة أخرى لم يكمل العبارة فلم نعرف من هم «الناس الكبار»!
لكن ما يعنينا هو تأكيده بعد ذلك على أنهم سجلوا بمنتهى الدقة والأمانة ما حدث بالفعل، الأمر الذي يؤكد أن المسلسل هو «رواية السيسي» ومن الواضح إنه راجعه بالكلمة، بل وأنه كاتب العمل، وقد يكون هناك من تدخل من أجل المعالجة الدرامية، لنكون أمام نوعاً من الدراما غير كل القوالب التي تمت دراستها في معاهد وأكاديميات الفنون، وكان من الأفضل والأكثر توفيراً للإنفاق في بلد يعاني أزمات اقتصادية هائلة اعترف بها السيسي في خطابه، أن تذكر هذه الرواية في كتاب، على طريقة كتاب السادات «البحث عن الذات» لمن يريد أن يطالعها.
لقد بدا السيسي غاضباً، وهو يذكر هذه العلاقة العضوية، ويذكر إن المسلسل سجل بأمانة وإخلاص وشرف ما حدث بالضبط، ثم أخذ الغضب مداه وهو يشير إلى أن هذا تم «في وقت ينعدم فيه الشرف والصدق» وكأنه يواجه برواية مضادة، مع أن الإخوان الشهود على هذه الوقائع، والذين سافروا للخارج، بعد تجربة السجن أو هروباً قبلها، يحجمون عن ذكر روايتهم، ومن فتح فمه بشطر كلمة في السابق، استباحه الإخوان عبر رجالهم ولجانهم الإلكترونية، فهم يريدون طي هذه الصفحة، كما طووا صفحة العلاقة مع جمال عبد الناصر وحركة الضباط الاحرار في سنة 1952، فاتهم أن الزمن لم يعد هو الزمن، وإن الجماعة ستتعرض إن عاجلاً أو آجلاً لمحاكمات داخلية على ما جرى، لن يشفع للقادة ما شفع للقادة السابقين تعرضهم للتعذيب أو للتنكيل!
تسجيلات الشاطر:
وبعيداً عما أنفق على هذا المسلسل لتسويق رواية عبد الفتاح السيسي، فإن هذا الاعتراف لا بد وأن تكون له تبعات ستقلق الجنرال، على النحو الذي يجعل من هذا الاعتراف بالعلاقة العضوية، ليس في صالح السيسي نفسه!
فالعمل يقوم على أن جماعة الإخوان كانت دائماً تتآمر على الدولة، وتعمل على بيع سيناء للأجانب، ووصل الأمر إلى ذروته والشاطر يهدد السيسي، فيرد عليه بطرده من مكتبه فقائد الجيش لا يقبل بالتهديدات!
وإذا كان ليس من اللائق إذاعة تسجيلات عن اجتماعات داخل مقر الجماعة أو في بيت الرئيس محمد مرسي تثبت هذه المؤامرة على الدولة المصرية والضالع فيها بشكل كبير خيرت الشاطر، حتى لا يقال إن الجيش والأجهزة الأمنية كانوا يتجسسون على الرئيس وجماعته، فلماذا لم تذع التسجيلات الخاصة بتهديد الشاطر، والتي جرت في مقر وزارة الدفاع، والتسريبات أكدت أن اللقاءات هناك كانت مسجلة، وقد تم بث جانب منها في المسلسل ومصداقيته تستدعي بث هذا اللقاء، الذي هدد فيه خيرت الشاطر وزير الدفاع والذي أنهاه بطرد القيادي الإخواني المتمكن، ولا يجوز هنا الاكتفاء بالتعبير بالتمثيل عن ما جرى ما دامت اللقاءات موجودة!
وإذا كان الدور المحوري لهذا العمل يقوم على تآمر الجماعة على مصر، وهناك لقاءات سابقة بين الشاطر ووزير الدفاع عبد الفتاح السيسي، كان فيها الأخير حاسماً وواضحاً، ومنها اللقاء الذي انتهى بقول الوزير قدموا الأكل لخيرت الشاطر، أما هو فسيتناول الطعام مع أولاده الضباط والعساكر، ومع التشكيك في الوقائع التي جاءت في المسلسل، في زمن وصفه السيسي غاضباً «ينعدم فيه الشرف والصدق» فقد كان لا بد من افحام هؤلاء بتسجيل حقيقي لهذه اللقاءات!
لقد قام «الاختيار3» على قاعدة أن السيسي كان قوياً، وحاسماً، وناصحاً، وجازماً، في مواجهة الإخوان، بل وفي مواجهة الرئيس ذاته، والذي بدا كما لو كان قليل الحيلة ومكسور الجناح في مواجهته هذا الحسم العسكري، وهي صورة تخالف ليس فقط ما هو شائع، من روايات، لكن ما كان ينقل للرأي العام عبر وسائل الإعلام ومن خلال الصور التي هي خير من الكلام، وقد اعترف الجنرال بارتباط المسلسل به، فكان لا بد من دعم روايته في هذا الجانب، بتسجيلات حية، وهو يدرك أننا «في وقت ينعدم فيه الشرف والصدق»!
المكان محاصر!
٭ صحافي من مصر