سر ريال مدريد في دوري الأبطال!

أشعل ريال مدريد مدرجات «سانتياغو بيرنابو» ليلة الأربعاء الماضي، في اثارة غير مسبوفة في تاريخ منافسات دوري أبطال أوروبا عندما عاد من تحت الرماد ليستفيق ويتعملق مثل طائر الفينيق بتسجيله هدفين في غضون دقيقتين في نهاية المباراة ليعادل بهما مجموع أهدافه مع مانشستر سيتي قبل ان يسجل هدف الحسم في الوقت الأضافي الأول ويتأهل الى المباراة النهائية.
هو لم يفعلها مرة، ولا حتى مرتين فقط، بل ثلاث مرات على التوالي، بدءاً من دور الـ16 أمام باريس سان جيرمان ومن ثم أمام تشلسي حامل اللقب في ربع النهائي واخيراً أمام السيتي في نصف النهائي، لتثور ثائرة جماهيره وتعيد سبب الانتصارات الى «شخصية بطل» و«حنكة» و«خبرة»، في حين امتعض مشجعو منافسيه واعتبر بعضهم ان السبب هو «الحظ» وقال آخرون انهم «اشتروا الحكام».
طبعاً في العمل الاعلامي والصحافي المحترف لا تطلق الأوصاف جزافاً كـ»شخصية بطل» على فريق كان الاسوأ في المباريات الست التي لعبها في أدوار خروج المغلوب، من جهة الاحصاءات والارقام ونسب الاستحواذ والفرص على المرمى، مثلما حدث مع الريال، بل حتى انتصاره في «ستامفورد بريدج» على تشلسي 3/1، سنحت فيه للبلوز 20 فرصة 5 منها على المرمى، في مقابل 8 فرص للريال 5 منها على المرمى مع نسبة استحواذ 57% للبلوز، وهي أرقام مشابهة لكل مبارياته الخمس الأخرى، بل أسوأها ما حصل في باريس عندما لم يسدد أي كرة على المرمى من 3 فرص، في مقابل 21 فرصة منها 8 على المرمى لسان جيرمان، اذ ان هذا المصطلح (شخصية البطل) يطلق على فريق يتسيد المباريات ويسيطر على خصومه وتكون له الأفضلية بالأرقام، حتى ان لم يحرز اللقب، يبقى أنه اظهر هذه الشخصية، لكن لا يمكن اطلاقها على عكس ذلك. وأيضاً لا يمكن اعتبار عامل «الحظ» هو السبب، في أكثر من مناسبة، لأن تفسير كلمة الحظ في قاموس كرة القدم هو عبارة عن أحداث تقع خلال المباريات تأتي لمصلحتك بفضل مثابرتك وعزيمتك واصرارك، ان كان بعدم استقبال هدف أو بتسجيل هدف، أي انت من يصنع هذا الحظ. أما ما يخص «الحكام» فأنا ابتعد عن نظرية شراء الذمم وتخاذل الحكام، لان ببساطة لو درسنا كل مباراة سنجد أخطاء من الحكام لكلا الفريقين، ولكن طبعاً ضمن هامش مقبول يسمح بالقول انه كان بامكان الفريق الخاسر ان يسجل أهدافاً أكثر بدل التعلل بخطأ الحكم، وطبعاً ضمن النطاق المسموح به.
لكن فعلا «الحنكة» و«الخبرة» لعبتا دوراً حاسماً في عودة الريال من الموت وقلب الخسائر المحققة الى انتصارات، خصوصاً انه حتى أشد المتفائلين من جماهيره كان يؤمن بان النهاية باتت محتومة في كل من المواجهات الثلاث خلال المباريات الست في الادوار الاقصائية، بل أصبح الريال، ومنذ إدخال دور الـ16 الى المسابقة في موسم 2003-2004، أول فريق يخسر مباراة في ثمن وربع ونصف النهائي وينجح في بلوغ المباراة النهائية. لكن ما هو السر الحقيقي خلف العودة من بعد فقدان الأمل في كل المواجهات الثلاث بعد تأخر او اقصاء أكيد في غالبية أوقات المباريات؟
السر يكمن في المدرب الايطالي كارلو أنشيلوتي، ونظرية «اثارة الفوضى العشوائية عند الخصوم». فبعد التأهل على حساب باريس سان جيرمان علقت بالقول، ان هذا التأهل لم يكن بـ«الحظ» مثلما ادعى الكثيرون، حتى منهم من هو من أنصار الريال، بل قلت انها «عبقرية» من أنشيلوتي في اختيار التوقيت المناسب في ادخال أصحاب الجهد والطاقة على حساب أصحاب الخبرة، ليثير الذعر في نفوس دفاعات الخصم ما قاد الى الارتباك وبالتالي الى ارتكاب بعض الأخطاء الساذجة خصوصا من الحارس دوناروما. لكن بعد هذا التعليق لم أقرأ لا عربياً ولا أجنبياً من يشاطرني الرأي، واعتقدت انني بالغت في هذا الرأي، رغم أنني لا أنجرف خلف العواطف الكروية ولست مشجعاً لا للريال ولا لأنشيلوتي الى درجة تقودني الى هذه الاشادة او «المجاملة»، خصوصا انه بعدها بأيام بدأت الصحافة المدريدية تتحدث عن حتمية اقالته، بل زادت الوتيرة بعد الخسارة القاسية في «بيرنابيو» برباعية نظيفة أمام برشلونة. لكن ما رأيناه بعد ذلك أمام تشلسي عزز شكوكي، بل قادني الى البحث التحليلي لمبارياته الست، خصوصاً مباريات الاياب الثلاث، لأكتشف انه فعلا كلما شارك رودريغو وكامافينغا والى حد أقل فازكيز، وهم أصحاب الطاقة، في أوقات محددة من المباراة يبدأ الضغط والارتباك عند الخصوم، وسيكولوجياً تصبح الوتيرة التصاعدية لمصلحة الريال، وتزيد فرص فوزه بالمباراة والمواجهة، رغم التوقيت القاتل مثلما حدث في المباراة الأخيرة، وهو ما قاد الى اعتباري ان هذا «الثعلب» الايطالي يدرك ان ليس لديه المواهب ما يكفي لمجاراة الفرق المدججة بالنجوم لكنه يملك ما يكفي من الحنكة والدهاء للفتك بهم في الأوقات القاتلة، وهذا هو السر بكل بساطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية