حياة عمر الشريف لا تزال مشروعاً درامياً على الورق فقط!

الحديث عن تحويل حياة النجم العالمي عمر الشريف تتردد أصداؤه منذ فترة، ومع ذلك لم نر ترجمة حقيقية على أرض الواقع، فما تم إعلانه بخصوص هذا المشروع لم يتعد حدود الاتفاق المبدئي بين طارق نجل الفنان الكبير والسيناريست الشاب هيثم دبور، الذي قيل إنه اشترى حق استغلال مذكرات الشريف ليقوم بتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني لم يتم الاستقرار حتى الآن على عنوانه أو أبطاله، ومع ذلك فقد صاحب خبر المسلسل المُحتمل ضجيج إعلامي يفوق في تأثيره أضخم الحملات الدعائية لأكبر عمل إبداعي تلفزيوني أو سينمائي تم الانتهاء منه بالفعل!
وكما كان عمر الشريف محظوظا في حياته الفنية، فهو محظوظ أيضاً بعد وفاته، ذلك لأن مسألة وصوله للعالمية، التي أدت لشهرته الواسعة خضعت بشكل كبير للصدفة، حيث لم يكن المخرج البريطاني دافيد لين الذي اكتشفه وقدمه وأسند إليه عدداً من البطولات الكبرى في أفلام عالمية مهمة يعرفه معرفه جيده، قبل أن يرشحه لبطولة فيلم «لورنس العرب» الذي أدى نجاحه إلى تكرار التجارب السينمائية العالمية معه، إذ قام الشريف ببطولة فيلم «دكتور زيفاجو» و»الفتاة المرحة» و»الرولز رويس الصفراء» و»الثلج الأخضر» و»بذور التمر هندي» و»النمر الوردي يضرب مجدداً» و»الوادي الأخير» و»سري للغاية» إلى آخر بطولاته المُطلقة قبل أن تتراجع جماهيريته ويشارك في أدوار ثانوية في أفلام مثل «المحارب الثالث عشر» ويظهر في بعض المُسلسلات كضيف شرف، بالإضافة إلى البرامج والسهرات وغيرها.
وبالطبع مثل هذا التنازل من جانب النجم الكبير مؤشر إلى هبوط أسهمه في بورصة النجوم العالميين، فعاد للقاهرة ليعيد أمجاده فيها بعد أن ابتعد عنها لسنوات طويلة، وبالفعل اعتبر المنتجون والمخرجون المصريون عودة عمر الشريف فتحاً سينمائياً مُبيناً، فأسندوا إليه عدة بطولات لمجموعة من الأفلام كان من أهمها «أيوب» و»المواطن مصري» و»الأراجوز» و»المسافر»، وقد حقق بعضها نجاحاً محدوداً، بينما فشل فيلمه الأخير «المسافر» فشلاً ذريعاً ولم يرض البطل نفسه عن مستواه وعاش بعدها في أزمة نفسية لم تستمر طويلاً، ولكن ظهرت أعراضها في ردود أفعاله العصبية تجاه بعض المواقف. وبالنظر ملياً في مسيرة الممثل الكبير والنجم العالمي، نرى أن هناك ما يستلزم الإشارة إليه خارج إطار التمجيد والمديح بحسب ما يحدث دائماً في الأعمال التي تتناول السير الذاتية لكبار الشخصيات، التي يتجنب كُتابها مساوئ الرموز وعيوبهم ونقاط ضعفهم ويركزون فقط على محاسنهم ومآثرهم، وما يزين صورتهم أمام جماهيرهم العريضة، وهو ما يؤخذ عادة على المسلسل أو الفيلم، ويُقلل من مصداقيته ويُضعف من قيمته الفنية. وهي المنعطفات الخطرة التي تواجه من يتصدون لكتابة حياة المشاهير لتوثيقها درامياً وفنياً، إذا ما أصروا على إبراز الصورة الإيجابية فقط، وتجاهلوا العيوب والسقطات من باب المُحافظة على شكل الشخصية وتاريخها وسمعتها.
والغالبية العظمى من مسلسلات وأفلام السير الذاتية وقع كُتابها في المحظور نفسه باستثناء مُسلسل «أسمهان» الذي لعبت بطولته الفنانة سلاف فواخرجي، فهو الوحيد الذي عرض الشخصية من الزوايا كافة بلا أدنى تحفظ فنجح وحقق مُعدلات غير مسبوقة من المشاهدة. والدرس المُستفاد من الأعمال الناجحة والفاشلة، لا بد أن يؤخذ في الحُسبان كي تخرج سيرة عمر الشريف الدرامية كما كانت في الواقع لتُحقق المُستهدف منها فلا تُصبح مجرد تسجيل مُفرغ من محتواه للإنجازات والنجاحات والجوائز وعلاقته بفاتن حمامة وزواجه وطلاقه منها وحسب، لاسيما أن حكاية النجم ومشواره أكبر وأعمق من ذلك بكثير، فهي حلقات مُتصلة مُنفصلة مليئة بالمواقف والمُغامرات والتفاصيل الشائكة، وفيها ما هو مُعلن وما هو سري وما هو شخصي وهذا من دلائل ثرائها وأهميتها.
وللإشارة فقط نذكر منها علاقته بالرئيس السادات ودوره في مبادرة كامب ديفيد وزيارة القدس الشريف، فقد كان النجم العالمي الكبير وسيطاً بين إسرائيل والرئيس ومُنسقاً دبلوماسياً للزيارة، وأحد حلقات الاتفاق القوية، غير أنه كان مُقرباً بشكل كبير من الرئاسة حينئذ وهذه جوانب مهمة في حياته، فضلاً عن تكوينه التلقائي البسيط كفنان يُحب المُغامرة ومولع بالشهرة ومُبذر وله نقاط ضعف واضحة كهواية لعب القمار، التي استبدت به وعرضته للإفلاس في مراحل مهمة من حياته، ما أدى به إلى العمل في مجال الإعلانات، وكان ذلك غير معهود بالنسبة لكبار النجوم قبل أن تتحول الإعلانات إلى مصدر دخل قوي بعد ذلك، ناهيك من توتر علاقته بالنظام الناصري في فترة الستينيات وأسباب التوتر ودواعيه.
كل هذه المحطات لا بد من أن يتم تضمينها طالما أن هناك مشروعا دراميا يوثق لحياته ومشواره وإلا ستتحول سيرته إلى مجرد تحية ودعاية لاسمه وتاريخه الفني وعندها ستفقد بريقها وأهميتها وجدواها.

كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية