رغم انني مثل الكثير من الجزائريين غير متأكد من محتوى ما سمي رسميا وإعلاميا حتى الآن بمبادرة لم الشمل، التي قد يكون الرئيس تبون وراءها، كل ما نعرفه عنها بشكل ملموس حتى الآن، هي برقية وكالة الأنباء الرسمية الغامضة، التي تكلمت عن لم شمل، وانطلاق نوع من اللقاءات لاحقا بين رئيس الجمهورية وبعض الأحزاب والشخصيات السياسية القريبة في أغلبيتها من السلطة. غموض البرقية التي يمكن ان يفسر بأكثر من تفسير، قد يكون غموضا مقصودا، الغرض منه السماح للسلطة ان تعرف اتجاهات الرأي العام والموقف من هذه المبادرة، بدون ان تتورط في اقتراحات مسبقة حولها. بمعنى ترك موازين القوى على الأرض هي التي تحدد المحتوى النهائي لهذه الفكرة للتعامل معها لاحقا، حسب موازين القوى الفعلية، ما جعل البعض يفهم ان هذه المبادرة تتوجه أساسا إلى بعض الوجوه المعارضة المقيمة في الخارج، تحولت إلى مصدر ازعاج للسلطة في بعض دول أوروبا بواسطة الحضور الذي ميزها على مستوى الوسائط الاجتماعية، سمح لها وجودها في الخارج بحرية نقد وصلت عند البعض إلى التجريح في الأعراض والأشخاص على حساب الفكرة السياسية.
الاحتمال الثاني ان يكون هذا الغموض انعكاسا لصراع بين أجنحة السلطة من الداخل وعدم اتفاق على المطلوب من هذا الاقتراح، كما كان سائدا على الدوام داخل مؤسسات النظام السياسي الذي لم تحسم الأمور داخله بين من يدعو إلى الإصلاح، على قلته ومن يرفضه، كما حصل أثناء فترة الحراك التي تغلب في نهايتها الجناح العسكري الذي مثله قائد الأركان قايد صالح وهو يحسم الأمور لصالح تغيير شكلي للواجهة الخارجية، تاركا النظام كما هو من دون تغيير. جناح رفض الحديث عن مرحلة انتقال وعن تغييرات جوهرية داخل مؤسسات النظام السياسي وفيما بينها، مفضلا التوجه نحو انتخابات شكلية قاطعها المواطنون بشكل ملفت، أنتجت مؤسسات هشة، كما يظهر من حالة البرلمان على سبيل المثال، فشل في ان يتحول إلى مكان للنقاش السياسي الفعلي يسمح له بإنجاز دوره الرقابي والتشريعي الذي لم تتمكن التجربة الجزائرية من إنجازه منذ الاستقلال، ليستمر تغول السلطة التنفيذية المعروف عن النظام الجزائري.
خوف بل رعب من التغيير الذي كانت قد طالبت به قوى فاعلة داخل الحراك ومن جزء من الطبقة السياسية تبين لاحقا ان العصب المتحكمة داخل السلطة كانت ترفضه وخائفة منه لدرجة انها سوته بالفوضى وتهديد الدولة الوطنية ذاتها، اعتمادا على تجربتها السابقة التي فشلت فيها في انجاز تغييرات سياسية نوعية تنقل النظام السياسي إلى مرحلة تسيير جديدة أكثر توافقا وفاعلية، فشل مرتبط بمحطات الأزمات العميقة التي عاشها النظام السياسي وكادت ان تعصف به، كما كان الحال في بداية التسعينيات، عصب فضلت التعامل مع الحراك كوجوه سياسية منافسة لها، بدل التعامل معه كلحظة تاريخية للتجنيد الشعبي لم تعرفها الجزائر منذ الاستقلال، كان يمكن الارتكاز عليها لإنجاز نقلة سياسية نوعية للوصول إلى علاقة جديدة بين المواطن ودولته الوطنية بدل هذا الجمود الذي تكرسه الانتخابات المفرغة من محتواها السياسي التنافسي، التي تعودت النخب الحاكمة اللجوء لها كل مرة.
إصلاحات جوهرية
على العكس الجزائر في حاجة كمرحلة أولى إلى إصلاحات جوهرية تنطلق في بدايتها على الأقل وبشكل مستعجل من ثلاثة مستويات أساسية، لما تتميز به من اجماع عبر عن نفسه بين النخب السياسية تم تبنيه من جزء كبير منه الحراك الشعبي الذي استمر لسنوات، رفعها كشعارات ونصوص تم التوافق عليها بين مختلف مكوناته، رغم التشويش الذي تعرضت من داخل الحراك في بعض الأحيان ومن خارجه من قبل أبواق السلطة التي رأت ان من مصلحتها ان يتم إفشال هذا المسعى الذي ضيع على الجزائر فرصة كبيرة كانت بين يديها للتغير حتى لا تبقى في حالة هذا الجمود الذي أصبحت ملتصقة بها على المستوى الدولي بكل تبعاتها على فعالية دور البلد على الساحة الدولية الذي تقلص في السنوات الأخيرة بشكل ملفت.
الجانب الأول من هذه الإصلاحات، يتعلق بالمجال الإعلامي الذي تعيشه الجزائر في الوقت الحالي والذي لم تعرف ما يشبهه حتى في أحلك فترات حكم الرئيس السابق. فرغم التعددية الشكلية والمؤسساتية بين قطاع عام وخاص، إذاعات وتلفون وصحافة مكتوبة، إلا ان الساحة الإعلامية الوطنية ما زالت تعيش اختناقا كبيرا. لا أعتقد انه يمكن الكلام عن تحول سياسي من دون فتحه على أرض الواقع وليس على مستوى النص القانوني غير القابل للتطبيق، كما تعودنا ذلك لمدة عقود، إجراءات سريعة وفي متناول السلطة يمكن ان تتخذها، تكون بداية فتح نقاش وطني يملأ الفراغ الذي تعانيه الساحة السياسية والإعلامية التي بينت الكثير من الأحداث انها أصبح التحكم فيها يتم من الخارج وبواسطة مؤسسات إعلامية لا تحب الخير دائما للجزائر والجزائريين.
المستوى الثاني المرتبط بالأول، يتعلق بفتح الساحة السياسية والسماح للجزائريين بالنقاش والاقتراح بكل حرية لحل مشاكل بلدهم المتراكمة وبناء مؤسسات سياسية وحزبية فاعلة تملأ الفراغ السياسي الذي لم تستطع الوجوه والمؤسسات المدافعة عن الركود ان تملأه، كما يبرز من خلال الصورة المشوهة التي تظهر بها الكثير من أحزاب السلطة ومؤسسات النظام التي تحولت إلى خطر فعلي على الدولة الوطنية ذاتها، كما حصل في المدة الأخيرة ونحن نشاهد كيف وصل أحد قدماء عناصر اللفيف الأجنبي إلى قبة البرلمان، وحتى لا تتحول الهجرة إلى الخارج إلى الوسيلة الوحيدة الباقية أمام الجزائريين للنقاش بحرية من خارج بلدهم.
المستوى الثالث ضمن هذه الإجراءات المقدور عليها والمستعجلة يتعلق بالمستوى القانوني وتسيير مؤسسات العدالة التي يجب ان تتحرر عمليا من الاستعمال السياسي اليومي، كما يظهر في الكثير من قراراتها التي يكتوي بها الجزائريون يوميا، كما هو حاصل مع الإفراط في اللجوء إلى الحبس المؤقت كمثال. ملف يمكن منح عربون مصداقية للجزائريين فيه من خلال إطلاق سراح جميع الشباب الموقوفين بتهم تتعلق أساسا بحرية الرأي والتعبير بالكتابة في الوسائط الاجتماعية، التي لم يتعود عليها الجيل الحاكم الكبير في السن وهو يمنح بعض خصائصه للمؤسسات التي سيطر عليها لمدة طويلة في مجتمع شاب ومتعلم مهما كان تقييمنا لنوعية هذا التعليم.
بالطبع الانطلاق من هذه المستويات بما تفترضه من قرارات مستعجلة لا يعني السكوت على الكثير من الملفات الأخرى كتلك المتعلقة بالجوانب الاقتصادية وتسيير المال العام، بما هو مرتبط بالفساد المستشري والتحرر من الطابع الريعي للاقتصاد، المطلوب تنويعه بالخروج من سيطرة طابعه، مسائل رغم مظهرها الاقتصادي الظاهر للعيان إلا ان عمقها السياسي يبقى هو السائد، فلا إصلاح اقتصاديا في الجزائر من دون النجاح في الإصلاح السياسي الذي بينته التجربة منذ عقود.
ملفات أخرى مهمة يمكن ان تطرح للنقاش للبت فيها داخل هذا الجو السياسي الذي يمكنه ان يظهر بعد الانطلاق في المستويات الثلاثة الأولى المستعجلة، كما هو حال ملف إصلاح المنظومة التعليمة التي تتطلب اجماعا وطنيا وتوافقا للانطلاق فيها، لم تعد الجزائر قادرة على تأخير المبادرة بها، كبداية حل لأزمة النخب ونزعتها القوية إلى الهجرة إلى الخارج بعد يئسها من التغيير داخل البلد.
ملفات تؤكد ان الجزائر قد تكون في حاجة أكبر إلى خلق جو من الصدق مع أبنائها قد تكون البداية فيه الانطلاق من هذه الفكرة القديمة المعروفة ان الحيلة هي في ترك الحيلة.