في الذكرى الـ73 لرحيله: «عرار» ودوره في تجديد الشعر العربي

تصادف هذه الأيام، أي في الرابع والعشرين من شهر أيار/مايو، الذكرى الثالثة والسبعون لرحيل الشاعر الأردني الإحيائي مصطفى وهبي التل المعروف بلقبه عرار، والذكرى الثالثة والعشرون بعد المئة لميلاده. فقد ولد في 25 مايو 1899 خلافا لما ذكره البدوي الملثم في كتابه «عرار شاعر الأردن « وجاراه فيه آخرون زعموا أن ولادته كانت عام 1897.
درس عرار في مسقط رأسه إربد، وفي حلب، وبيروت، وإسطنبول. وتخللت دراسته سنوات انقطاع عمل في بعضها في التدريس.
بعد عودته من حلب عام 1920 انتظم في دراسة الحقوق في دمشق، ونال الإجازة في هذا التخصص عام 1930 وشَغَل في حياته عددا من الوظائف، إلا أنه لم يثبت في واحدةٍ منها، ولم يستقر في منصب معين، وعن هذا يقول، مشيرا لتنقله من موقع لآخر، ومن وظيفة لوظيفة أخرى:
فمن سجن إلى منفـى
ومن منفى إلى غـربة
ومن كـرٍّ إلى فــــرٍ
ومن بلوى إلى رهبه
وبي من كلّ معركةٍ
أثرتُ عجاجَها نُدبة

وفي أواخر سنوات حياته، أي من 1942 إلى وفاته في 24 مايو 1949 زاول مهنة المحاماة.
عُرف الشاعر عرار بهذا اللقب جريا على عادة القدماء الذين كانوا يطلقون على الشاعر لقبا لاستخدامه لفظا معينا يشتقون منه اللقب. وهكذا سموا أحدهم المثقب العبدي لاستخدامه «وثقَّبْن الوصاوص للعيون، وسموا أحدهم المسيب بن علس لاستخدامه كلمة سيَّب. ولقب هذا الشاعر بعرار لقوله:
أرادت عِرارا بالهوان ومن يُرد … لعمــــري عِرارا بالهوان فقد ظلمْ

وهو بيتٌ لعمرو بن شأس الأسدي، تمثل به الشاعر في موقف عرض له مع امرأة أبيه. وعِرار بكسر العين نوع من النبت، ذي أزهار صفر، طيبة الرائحة، زكية الأريج، عبقة الفوح. يقول أحد القدماء:
تمتع من شميم عِرار نجدٍ
فما بعد العشية من عِرار

وفي ثقافته أسهمت عوامل متعددة أولها العصر، فقد نشأ في أواخر العصر العثماني، متزامنا مع ظهور الاستعمار الغربي، وما يتصل به من صراعات سياسية، سواءٌ منها ما يتصل بالأوضاع الداخلية، أو ما يتصل بالعلاقة مع المستعمر، وما يتطلبه من نضال شرسٍ للتحرر والاستقلال. في الأثناء بدأ الصهاينة، والإنكليز، تنفيذ مشروعهم الصهيوني المشترك في فلسطين، وهذا عامل مهم تجلى أثره في شعره لهذا يشير قائلا:
رباهُ إن بلفور أنفذ وعده
كم مسلم يبقى وكم نصراني

والعامل الثاني معرفته، وإتقانه عددا من اللغات، منها الفارسية التي ترجم عنها رباعيات الخيام والتركية. والعامل الثالث تجاربه في الحياة، وخبراته في الصحافة، وعلاقاته المتشابكة بعدد من الإعلاميين، والأدباء، منهم على سبيل المثال إبراهيم طوقان، وأبو سلمى، وفؤاد نصار، صاحب جريدة «الكرمل، ومحمد صبحي أبو غنيمة الكاتب القصصي المعروف، والمحامي محمود المطلق جامع أشعاره، وناشر الطبعة الأولى من ديوانه «عشيات وادي اليابس» 1954.
ولعل أول من عُني بشعره، وبدراسته، هو الكاتب الراحل غالب هلسا الذي نشر في مجلة «الآداب البيروتية» ع 4 نيسان/ إبريل عام 1957 مقالا بعنوان « شاعرٌ في المعركة» دعا فيه لإعادة النظر في آثاره من شعر، ومن نثر، لما تتضمنه أشعاره – بصفة خاصة – من مواقف سياسية واجتماعية ووطنية تتوافق مع قضايا المثقفين، واهتمامات المبدعين. في تلك الأثناء شاطره هذا الاهتمام، والتنبيه على مكانة عرار، المرحوم ناصر الدين الأسد الذي تطرق لشعره في الاتجاهات الأدبية الحديثة في فلسطين والأردن (1957) واستأنف النظر في آثاره في سفره القيم «محاضرات في الشعر الحديث في فلسطين والأردن» (1961) وحذا حذوهما الشاعر المرحوم فايز صياغ الذي نشر عن شعره مقالا في العدد الأول من مجلة «الأفق الجديد» في مجلدها الخامس (1966) ثم تتابعت الدراسات. فحذا حذو هؤلاء المرحوم هاشم ياغي في كتاب صدر عام 1972 بعنوان «ثقافتنا في 50 عاما». وعرض لشعره محمود السمرة في موقعين، أولهما: تقديمه للطبعة الجديدة من ديوانه «عشيات وادي اليابس» 1973 والثاني في مقالة توقف فيها إزاء اللغة والأسلوب في شعره نشرت في مجلة «مجمع اللغة العربية الأردني» في العدد المزدوج 5/6 الصادر في كانون الأول/ديسمبر 1979. وعني بشعره أحمد أبو مطر – رحمه الله – في دراسة نشرها في كتاب مستقل بعنوان «عرار الشاعر اللامنتمي» 1977 ونظن الكتاب رسالة جامعية حصل بمقتضاها المؤلف على درجة الدكتوراه. وتلاه كمال فحماوي – رحمه الله – فنشر كتابا آخر عنه بعنوان «مصطفى وهبي التل حياته وشعره». وتوالت بعد ذلك الدراسات والاهتمامات فنشر محمد كعوش «أوراق عرار السياسية» 1980وتوقف عند شعره تركي المغيض في دراسته عن الشعر في بلاط الملك عبدالله بن الحسين، وحيا الرواشده في كتابه عن الحركة الشعرية في بلاد الشام الجنوبية. وعبد الفتاح النجار في كتاب نشره بعنوان «التجديد في الشعر الأردني».
ومهما يكن من أمر، فإن هذا الشاعر الذي شغل به الدارسون الأردنيون ابتداءً من البدوي الملثم، مرورا بغالب هلسا وناصر الدين الأسد ومحمود السمرة وآخرين.. يكاد يكون مجهولا في غير الأردن وفلسطين. وقد وجه إليَّ عام 1988 حبيب الصايغ – الشاعر الإماراتي الراحل – سؤالا عمن يكون عرار، وسبب السؤال هو اختيار لجنة مهرجان جرش في ذلك العام لعرار شاعرا، عقدت حول شعره حلقة دراسية قدمت فيها أوراق وبحوث. وقال لي: إنه يصدر مجلة باسم «أوراق» ويريد أن يكتب شيئا عن هذا الشاعر، وهو لا يعرف عنه إلا أنه عرار فقط. وقد أعياني إقناعه بالمنزلة السنية التي يجدها فيه الدراسون الأردنيون، وشبهته له بالشاعر الخليجي فهد العسكر، وباللبناني بشارة الخوري، وبالسوريين بدوي الجبل، وسليمان العيسى، وبالمصري حافظ إبراهيم، إلا أن جل هذه الموازنات لم تكن كافية لإقناعة بأهمية الشاعر عرار. وبعيد ذلك بسنوات أيْ في عام 1999 نُظم مؤتمر دولي إحياءً لمرور 100 عام على ميلاده في 25 مايو 1899 وقد شارك فيه عدد من الدارسين الذين اثبتوا أن له يدا طولى في تجديد الشعر العربي، بعد أن ران عليه زمن طويل اكتفى فيه الشعراء بالترديد والتقليد. فقد نبه رشيد عناني وهو أحد الأساتذة العاملين في تدريس الأدب العربي في الجامعات البريطانية، لما في عطائه الشعري من جدة تضعه على قدم المساواة فنيا مع شعراء مدرسة الإحياء، التي تتمثل في كلّ من حافظ إبراهيم وأحمد شوقي وخليل مطران والزهاوي والرصافي والجواهري وغيرهم ممن أسهموا بشعرهم في إعادة البريق إلى الشعر العربي بعد خموده، وإيقاظ دواعي الإبداع فيه بعد خموله وركوده. والحق أن هذا الدارس لم يبتعد عن الحقيقة في تقييمه لشعر عرار من هذه الزاوية، ونستطيع أن نحدد الأسباب التي تجعل منه شاعرا إحيائيا في الآتي:
وقف من الاجترار والتقليد موقفا حاسما، فالشاعر المقلد المحاكي للقدماء لفظا، أو معنى، وإن أجاد، وأتقن النظم، فإن إتقانه ليس بشيء، كونه لا يعبر عن الشيء الذي يحس به ويشعر، بل يعبر عما أحسَّ بها القدماء وشعروا، ولهذا يقول مخاطبا أحد المقلدين ممن تهجموا على شِعره، ونعتوه بالافتقار للأصالة:
هذا هو الشعر، لا نظمٌ يطالعنا
به عجـوزٌ أخــو ستين هذاءُ
يقول، وهو الذي ما اجتاز مرحلةً
على جـوادٍ، ولا لفته بيداءُ
ولا رأى العيسَ يحدوها أخو رجزٍ:
ياحادي العيسِ، إن الركــْب أنْضــاءُ

فهو يسخر من هذا الشعر، وينعته بالنظم الذي لا حياة فيه، ويستخدمُ – من باب السخرية – أيضا ألفاظا مثل المرحلة، والبيداء، والعيس، والرجز، والركب، والأنضاء جمع نضو؛ وهو الهزيل النحيل من كثرة الأسفار والترحال. وهو بالطبع يقول ذلك لأنَّ الشعر في نظره ينبغي أن يصدر عن إحساس داخليٍّ مرّ به الشاعر، وعن تجربة تهز كيانه، فتجعل من شعره بوْحا يصور المعاني الباطنية، والدفينة، لا الانطباعات الخارجية السطحيّة.
والأمر الثاني أنّ هذا الشاعر يثورُ في بعض شعره على القواعد التقليدية، بلاغة كانت أم عروضا أم نحوا. فالمعنى عنده، أو تصويره للشعور، والإحساس، أولى من الالتزام بالقاعدة اللغوية، فعندما انتقدَهُ بعضهم بسبب تسامحه في هذا، قال رادا:
دعني برب السكاكي من بلاغته
وقوله مقتضى حـالٍ وإنشاءُ
أما فراهيدُ فاستغفر لصاحبها
وقوله من عيوب الشعْر إقواء
فجيد السبْك في الأقلام موهبةٌ
ورائع الشعر كالتنزيل إيحاءُ

والأمر الثالثُ الذي كان فيه رائدا أيضا، الاقتراب بلغة الشعر من لغة الحياة اليومية، باستخدامه المفردة الشائعة بدلا من المهجورة، ولو كانت هي الأفصح. وفلسفته في هذا السياق تقوم على تفضيله استخدام مفردة السكين، مثلا، لا المدية، مع أنّ هذه أكثر فصاحة، وأظهر جزالة، وأقل ابتذالا، وذلك لأنَّ لفظة السكين متكررة الاستعمال، والشيوع، في حياتنا اليوميّة؛ فهي لذلك أعمق أثرا في المتلقي من المدية. كذلك ترتبط بعض الكلمات العامية التي شاعت في شعره ببعض المفارقات، والطرائف، التي تستدعي إيحاءاتٍ خاصة بها لا تستدعيها الكلمة غير العاميّة. وهذا ما تراءى لمحمود السمرة في دراسته الموسومة باللغة والأسلوب في شعره. وإلى هذا تعزى شعبية شعره، وسيرورته، لدى القراء من الطبقة الشعبية، والفئات المهمّشة، إذ لم يقتصر تداول شعره على المثقفين، والمتعلمين.

كاتب وأكاديمي أردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية