هل القلق من جمال مبارك في محله؟!

حجم الخط
11

بدا جمال مبارك، وكأنه يستهدف من لا تصلح في مخاطبتهم سوى لغة الإشارة، فلم يكد يحك لهم أنفه، حتى أثارهم إثارة عظيمة، وقد سألت ناجي زكارنة، مترجم لغة الإشارة في قناة “الجزيرة”، إن كان المعتمد في المجتمعات التقليدية من أن حك الأنف للصم والبكم، يعني توجيه الإهانة، على النحو الذي يجعلهم يغضبون ويخرجون عن شعورهم، فأكد صحة ذلك، وإن خفف من الأمر لأن منهم من يتعاملون معها على أنها تصرف قديم، يقابلونه بالاستخفاف وربما عدم المبالاة، فالمقطوع به، أن أهل الحكم في مصر، لم يتجاوزوا ذلك، ولهذا اندفعوا في غضب هستيري ضد هذا الذي حك لهم في أنفه!
وكان نجل الرئيس الراحل، قد ظهر يقدم العزاء في أبو ظبي، لمحمد بن زايد، في وفاة شقيقه الشيخ خليفة بن زايد، وسهر الناس عبر السوشيال ميديا، وقد استدعوا للمقارنة صورة الجنرال وهذه الصورة، وانتهوا منها بأن جمال مبارك كان شامخاً على النحو الذي يجعله يتصرف كما لو كان رئيس دولة، وأي مقارنات من هذه الزاوية لن تصب في صالح عبد الفتاح السيسي، لذا فقد عوض الفقد في هيئته، في مسلسل الاختيار3، وبالممثل ياسر جلال، طولاً، وصرامة!
وفي اليوم التالي كان جمال مبارك يلقي بياناً، تم تحديد موعده سلفاً قبلها بيوم وبأنه سيكون في السابعة مساء، فهل سجله في أبو ظبي، أم قبل سفره؟ لم يُعلن عن هذا، ورغم أنه خطاب، يبدو في الجانب الأكبر ليس موجهاً للمصريين، لأنه كان باللغة الإنكليزية، وفي جانب آخر، كان خطاب الابن البار بوالده، لكن الرسالة ذهبت في الاتجاه الآخر، هل كان اتجاهاً آخر فعلا؟!
حضرت المقارنات مرة أخرى، وبصورة أوضح هنا، الأمر الذي اعتبره كثيرون خطاباً رئاسياً، أو على الأقل فانه يؤكد أن حلم الرئاسة لم يغب عن ذهنه، وقد اختار الوقت المناسب لإعلان هذا البيان، فالنظام مأزوم، ويريد الخروج من أزمته بحركة بهلوانية مثل الدعوة للحوار الوطني، ومن خلال أشخاص محددين سلفاً، يستدعيهم لمثل هذه المهام، وقد فقدوا صلاحيتهم للاستهلاك الأدمي، فضلاً عن أن حجم الغضب في مصر غير مسبوق!
ولو كان النظام في لياقته الذهنية، لتجاوز الأمر، وكأنه لم يعنيه، والظاهر من الخطاب لا يشي بشيء من هذه التصورات، ليظل ما دون ذلك في بطن القائل، وفي الصباح كان التريند هو هاشتاغ على تويتر، يستهدف إهانة جمال مبارك، وقد عودنا القوم على مثل هذه العناوين المبتذلة لمنشوراتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، يكاد المريب أن يقول خذوني!

الطلعة الجوية لإبراهيم عيسى

لقد اكتمل رد الفعل بحلقة برنامج إبراهيم عيسى على قناة الأجهزة الأمنية “القاهرة والناس”، هذا ناهيك عن أن الصحف المملوكة للسلطة والقنوات التلفزيونية تجاهلت البيان، وهو يستحق الاهتمام من الناحية المهنية، كما أن هذا الاهتمام كان سيبطل مفعوله، لا سيما وأنه يتحدث عن تبرئة والده والعائلة من الفساد، وهو اتهام لم يوجهه النظام الحالي لهم، والأصل أن السيسي ليس معادياً لمبارك ونظامه، لكن افتقاد القوم للرشاقة السياسية، جعل من الرعونة سيدة الموقف في التعامل، والتي صبت في بطن جمال مبارك، وفهمه الناس، فاندفعوا يطرحونه بديلاً، بل إن هناك من اعتبروه بديلاً جاداً فذهبوا يذكرون الرأي العام بتاريخ والده في الحكم، حتى لا يكون اختيار المصريين بين السيىء والأسوأ!
وإذ اختص من يديرون الإعلام في مصر إبراهيم عيسى بهذه الطلعة الجوية، فكان في أزمة، فقد سبق له أن أدلى بشهادة في المحكمة التي تحاكم مبارك بعد الثورة، وإذ أدهش هذا كثيرين كانوا ينظرون اليه كصقر من صقور المعارضة، فلم يفاجئني لأني لم أره يوماً جديراً بالتعامل بجدية، والذين كانوا يتابعون هذه الزاوية قبل الثورة، سيقفون على موقفنا من معارضته الشكلية، التي جعلته مستمراً في الوجود، ويحصل على العفو من مبارك فلا يسجن، رغم أن صحافيين دخلوا السجن، وصحافيين تم الاعتداء البدني عليهم، فضلاً عن أن صحفاً أغلقت بقرار من السلطة، وبالمخالفة للقانون وبالتحدي لأحكام القضاء!
ولأن على رأسه بطحة، فقد انشغل بتبرئة ساحته، باستدعاء شهادته التي قال إنها استمرت سبع ساعات، وإن ما نشر منها لم يكن صحيحاً، مع أن بإمكانه أن يرد على ذلك بنشرها كاملة على الشبكة العنكبوتية، مع نفيه أن تكون هذه الشهادة سبباً في براءة مبارك من القضية، وإذ ثبتت فكرة إن السلطة تستشعر القلق من هذا الحضور لجمال مبارك، فذهب إبراهيم يسأل عن أسباب ظهوره بعد الاختفاء الطوعي، وكان الظهور الأول بالسفر لأبو ظبي للعزاء، وهو لا يحمل صفة رسمية!
وكأن العزاء يستدعي هذه الصفة، مع أنه في جانب منه هو ضمن “الواجبات الاجتماعية”، لكن المتحدث باسم السلطة في مصر، أشار إلى نقطة جوهرية، يمكن أن تبرر هذا القلق والارتباك!
فإبراهيم في قناة الأجهزة الأمنية “القاهرة والناس”، انطلق من سؤال الصفة الرسمية، ليسأل عن السبب في نشر الصور على نطاق واسع، لشخص لا يحمل صفة رسمية، كما لو كان شخصية عامة، وهنا نكون قد وصلنا لبيت القصيد!
فالمؤكد أن جمال مبارك لم يحمل كاميرا معه، ولم يصطحب مصوراً، والتقاط الصور واذاعتها من اختصاص أهل المتوفى، ومن الواضح أن نشر الصور في القنوات التلفزيونية والصحافة الإماراتية هو ما أقلق القوم في القاهرة، فتسبب في هذا الانفلات في رد الفعل، وكان من الأفضل لهم تجاهله، حتى لا يكون ما فهمه الرأي العام في محله!

الاختفاء غير الطوعي

سأل مذيع “القاهرة والناس” عن التوقيت والدلالة، في هذا الخروج بعد سنوات من “الاختفاء الطوعي” ولماذا البيان باللغة الانكليزية، والرد ببساطة يمكن أن التوقيت هو حالة الوفاة، ودلالته أن جمال مبارك يفهم في الأصول، بمعنى أن الشيخ خليفة لم يمت قبل ذلك، وفي خصوص البيان، فمناسبته هو حكم المحكمة الأوروبية، والبيان بالإنكليزية هو لمخاطبة الفرنجة بلغتهم!
بيد أن القلق دفع للاعتقاد أن حديثه بالإنكليزية هو لعقد مقارنة بين من انكليزيته سليمة، ومن لا يعرفها، وإنما السؤال الذي أدهشنا لطرحه هو لماذا خاطب والده بهذه القدر من العاطفة؟
لكن إبراهيم لا يمكنه الدخول على الرفض، بناء على التحريم، وهي المهمة التي قام بها الشيخ التلفزيوني مبروك عطية في فيديو له!
يعلم إبراهيم عيسى أن اختفاء جمال مبارك لم يكن بإرادته الحرة، ولكن بعد مقال عنيف للراحل ياسر رزق، قال فيه إن عليه أن يلزم داره، حيث كان وشقيقه الأكبر ينزلون للأحياء الشعبية ويستقبلان هناك بحفاوة، لتعقد المقارنات بين عهدين، الخاسر فيها بكل يقين هو العهد الحالي، ويومئذ قلت إن رزق ينقل تحذيرا من السيسي نفسه، وقد التزم جمال مبارك بالتحذير لمعرفته بالجهة التي أصدرته. لقد علمنا منطق القوم! اللافت هنا في سؤال عيسى، هل حصل جمال مبارك على موافقة من الدولة بالسفر أو إذاعة بيانه؟ وقبل الدهشة من طرح السؤال عقب بأننا لسنا في دولة تقبل بالتعدد وبحرية الرأي، ليتصرف من تلقاء نفسه؟ وماذا قال من آراء تتطلب موافقة الدولة، وهل يستدعي السفر لتأدية واجب العزاء تصريحا رسميا من الدولة؟!
ولفهم مذيع “القاهرة والناس” بطبيعة الدولة، فهل يمكن لنا أن نفهم أن هذا الرأي الذي أبداه ضد جمال مبارك، ليس بعيداً عن الدولة؟ لا سيما وأنه يعمل في واحدة من قنواتها التلفزيونية؟ وكثيراً ما تدخلت وأوقفت هذا المذيع أو ذاك، وقد تم وقف برنامج إبراهيم عيسى، بعد فترة من بيع قناة “أون تي في”، وعاد بعد فاصل زمني طويل نسبياً، بعد أن استقر في وجدانه تغير الكفيل، من ساويرس، إلى حضرة الضابط النابتشي؟! هل القلق من جمال مبارك في محله؟!

٭ صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية