اندرو لاوني في «الملك الخائن»: هل تخلى ادوارد الثامن عن عرش بريطانيا بسبب الحب أو الخيانة؟

سمير ناصيف
حجم الخط
0

مهما يحاول كتّاب التاريخ في سعيهم لتجنب الانحياز واعتماد الموضوعية والتركيز على الأبحاث والوقائع والمستندات الموثوق بها، ففي النهاية لا بد وان تصدر أعمالهم وفيها بعض الدرجة من الانحياز للجهة القريبة من أفكارهم ومعتقداتهم على حساب الآخرين.
هذا الأمر ينطبق إلى حد ما على كتاب صدر مؤخراً «الملك الخائن» يتناول تنازل الملك البريطاني ادوارد الثامن عن عرشه في عام 1936 لأن الأوساط الدينية والعائلية الفاعلة في بريطانيا رفضت زواجه بالمطلّقة الأمريكية (من زوجين سابقين) واليس سيمبسون والتي أقامت علاقات خاصة وعامة مع شخصيات عديدة قبل وبعد علاقتها بادوارد.
مؤلف الكتاب اندرو لاوني دَرسَ في جامعتي كيمبردج وادنبرة العريقتين وأصبح زميلاً باحثاً في الجامعة الأولى وترأس جمعيات فكرية وإعلامية وكتب في صحف كـ»التايمز» والـ»ديلي تلغراف» والـ»غارديان» وخصوصاً في مواضيع دقيقة متعلقة بالمملكة البريطانية وأجهزتها الأمنية.
هناك نظريات عديدة حول الأسباب التي دفعت الملك ادوارد الثامن إلى التخلي عن عرشه في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1936 بعد أن احتل المنصب السياسي والملكي الأول لمدة عام، من 20 كانون الثاني (يناير) مطلع عام 1937 حتى نهاية تلك السنة، حيث أطلق عليه لقب دوق وندسور، وغادر البلاد إلى جزر الباهاما ومن بعدها استقر في فرنسا، وحل في مكانه على العرش الملكي شقيقه الملك جورج السادس، والد الملكة اليزابيث الثانية الملكة الحالية لبريطانيا التي بلغت السادسة والتسعين من عمرها.
السبب الأول، والذي يكتسب شعبية لدى الرومنطقيين عموماً، والانكليز منهم خصوصاً، هو ان الحب يأتي قبل أي شيء آخر، حتى منصب ملك بريطانيا. وفي الواقع بقي الملك ادوارد متعلقاً عاطفياً بزوجته واليس سيمبسون دوقة وندسور، حتى وفاته عام 1972. أما السبب الثاني الذي دفع ادوارد إلى الاعتكاف فهو انه حاول بشتى الوسائل تجنب خوض بريطانيا حرباً ضد ألمانيا بقيادة ادولف هتلر وذلك لاعتقاده بان مثل هذه الحرب ستؤدي إلى انتشار الشيوعية في ألمانيا والعالم وانه بالامكان حل الخلافات مع هتلر سياسياً. وقد أصر ادوارد على هذا الموقف حتى بعد تخليه عن عرشه فزار ألمانيا عام 1937 حيث استُقبِل استقبالاً حافلاً من قبل هتلر وأعوانه وخصوصاً يواكيم فون ريبينتروم، الوزير في نظام هتلر للشؤون الخارجية والذي تمتع بقرابة عائلية بالعائلة المالكة البريطانية وبصداقة وثيقة مع واليس سيمبسون.
النظرية الثالثة التي يعتنقها الكاتب والتي تظهُر جليّةً في الفصل الخامس والعشرين من الفصول الختامية للكتاب وفي بعض فصوله الأولى، هي أن هتلر ربما حاول استغلال ادوارد دوق وندسور وتشجيعه للعودة إلى عرشه البريطاني لاستخدامه سياسياً كما استخدمت النازية الماريشال بيتان الفرنسي. ويظهر هذا التوجه للمؤلف بين الصفحة 366 و372.
كما يقول (أو يدّعي) لاوني بانه من غير الصحيح القول بان ادوارد وواليس كانا غبيين وسطحيين وأنهما لعبا اللعبة لهذا السبب، بل لإنهما كانا يعتنقان المبادئ والعقائد النازية ولكونهما زارا مصانع عسكرية وأجريا اتصالات مع مسؤولين عسكريين ألمان خلال زيارتهما لألمانيا عام 1937 حسب متابعة أجهزة الاستخبارات البريطانية لتحركاتهما ولقاءاتهما خلال تلك الزيارة. وهذا يعني بان الأمير ادوارد دوق وندسور، ربما كان ينوي استعادة العرش من شقيقه جورج السادس.
وتصل نظرية المؤلف إلى أقصى حدودها لدى قوله في الصفحة 370 من الكتاب بان «الجميع أدركوا بان دوق وندسور كان خائناً، بما فيهم المسؤول ونستون تشرتشل، الذي دافع عن الدوق ادوارد علناً ولكنه ساهم في إخفاء وتمزيق الوثائق التي تثبت خيانته من أجل عدم إثارة الفضائح الكبيرة والمسيئة إلى بريطانيا».
وبما انه ولدى عرض مثل هذه النظريات حول نازية ادوارد يشمل في العادة مقاطع حول كرهه لليهود، ففي الصفحة 372 يقول الكاتب إن الدوق خاطب إحدى السيدات واضعاً كفه على أصابعها قائلاً لها أن «اليهود يمسكون ألمانيا بأصابعهم الممتدة وان ما فعله هتلر كان لتحرير ألمانيا من تلك الأصابع» ثم رفع كفه عن أصابعها.
وفي الصفحة نفسها يؤكد الكاتب انه لو لم يترك ادوارد العرش الملكي لكان سيوقع على اتفاقية سلام مع هتلر في عام 1940.
بيد ان الكاتب يطرح سؤالاً ذا أهمية وهو لو كان دوق وندسور سيتخذ مثل هذه المواقف المؤيدة لألمانيا هتلر لو لم يرتبط بواليس سيمبسون منذ مطلع عام 1931 وإلى أي حد شجعته سيمبسون على المواقف المتخاذلة واللاسامية (بحسب المنطق السائد آنذاك حول اللاسامية والمستمر حاليا).
وفي المقطع الأخير من الكتاب، يؤكد المؤلف ان تخليّ ادوارد الثامن عن عرش بريطانيا كان كارثياً وان بريطانيا كانت محظوظة بان هذه الأزمة أدت إلى صعود وجلوس جورج السادس شقيق ادوارد على العرش ومن بعده ابنته اليزابيث الثانية حيث واجها التحدي بنجاح. وبدلاً من تقلص دور وأهمية العرش البريطاني عزز جورج السادس وابنته اليزابيث الثانية هذا العرش وأبقوه حصناً منيعاً.
ويذكر الكاتب في صفحة لشكر داعميه أن الملكة اليزابيث الثانية سمحت له بالاطلاع على وثائق في حوزة أرشيف المملكة ما ساهم في رفع مستوى أبحاثه بالنسبة لهذا الكتاب.
ويعتبر بان العائلة المالكة بقيادة الملكة اليزابيث الثانية قامت بواجباتها تجاه (الملك ـ الأمير) ادوارد الثامن وساهمت في تقديم الدعم المادي له ولزوجته طوال حياته. كما قامت بدعم زوجته بعد وفاته، ولكنها حسب قول المؤلف لم تغفر له خياره التخلي عن عرشه لكون منصبه يتجاوز القضايا العاطفية والشخصية ويرتبط بآمال وتطلعات الشعب البريطاني إزاء الملكية والقيادة.
الكتاب يضم تفاصيل عن أمكنة إقامة دوق وندسور المختلفة بعد تخليه عن العرش، وخصوصاً في فرنسا، حيث ساهمت الحكومة الفرنسية بالإضافة إلى المملكة البريطانية بدعمه وتوفير القصور والفيلات الفخمة التي كان بامكانه هو وزوجته إقامة اللقاءات والحفلات الاجتماعية فيها والاختلاط مع كبار مشاهير العالم من مختلف القطاعات. وهذا أمر جدير بالاحترام لانه يصور المنحى الإيجابي في شخصية الملكة اليزابيث الثانية التي رفضت هي وولي العهد نجلها الأمير تشارلز، إلا ان يبقى عمها في موقع مرموق ومحترم حتى آخر يوم من حياته. وقد حضرت جنازته وأشرفت على تعاملها معه كملك سابق وكقريب. ولكن دوق وندسور ادوارد كان يرفض حضور أي مناسبات اجتماعية أو ملكية بريطانية من دون زوجته، وشدد على إعطائها لقب دوقة وندسور، مع أن بعض أركان الملكية تحفظوا في هذا الشأن.
وهنا قد يكون من المناسب طرح السؤال: أليس من المجدي التركيز على أهمية الحب حتى في حياة الملوك وكبار الشخصيات أكثر من التركيز على خيانتهم لشعبهم وللإنسانية لكونهم تعاملوا سياسياً مع نظام اعتبروا بانه يمكن التعاون معه لتفادي حرب ومواجهة عسكرية قد تودي بحياة عشرات آلاف الجنود والسكان الأبرياء؟
قد يكون الملك ادوارد الثامن خائناً بنظر المؤلف، ولكن لو حدث الأمر حالياً في عهد استخدام القنابل الذرية والهيدروجينية لربما قال البعض: طوبى لصانعي السلام وللمشجعين على الحب بدلاً من الشماتة بإنسان تخلى عن أحد أهم مناصب النفوذ في العالم في تلك الفترة، في سبيل حبه لأمرأة رافقته كزوجة وحبيبة حتى آخر أيام حياته.
في الصفحة 9 من الفصل الثاني، يتهم الكاتب دوقة وندسور بانها خانت زوجها دوق وندسور على يختهما منذ السنة الأولى لزواجهما، وأنها لم تكن صالحة لأن تكون ملكة بسبب مواقفها السياسية. ويستند في ذلك على أقوال شخصيات وسيدات قد يكون لهم انحياز شخصي ضدها.
ويعتبر بان تأييد السير اوزوالد موزلي رئيس مجموعة فاشية بريطانية، لدوق وندسور وطلبه إجراء استفتاء شعبي حول موضوع تخليه عن العرش يعتبر برهاناً على نازية وندسور. وتؤكد الناشطة الصهيونية بلانش دوغدال ان مؤرخاً أبلغها بان «الوزير النازي ريبينتروم استخدم واليس وأقام علاقة معها بهدف تحقيق غايات سياسية» ص 11.
ويستشهد المؤلف بقول لأحد معاوني وندسور السابقين بان الدوق «ليس لديه أي أصدقاء في بريطانيا وانه لم يكترث أبداً لإنكلترا أو للانكليز» ص 12.
هذا يعني ان المؤلف يستخدم أقوال أشخاص لا يعرف القارئ خلفياتهم لتوجيه الانتقاد والتشهير بوندسور.
ويصل مستوى الانتقاد للدوق في الصفحة 13 للقول أن وندسور كان يقضي وقته بحضور أفلام ميكي ماوس، وممارسة الرياضة ولعب الورق واحتساء الكحول ثم إرسال فواتير نفقاته إلى أصدقائه في عائلة آل روتشيلد.
ويصف المؤلف دوق وندسور في مرحلة مبكرة من علاقته بواليس بان هيامه بها وصل إلى درجة «البارانويا» وان واليس شاركته في هذا التوجه المرضي إذ اتهمته باقامة علاقة عاطفية بكيتي روتشيلد. ص 14.
ويثني لاوني على قدرة آل روتشيلد تحمل تصرفات دوق ودوقة وندسور خلال علاقتهما مع العائلة. ص 16.
أما المقطع الذي يظهر مبالغة الكاتب في وصف نازية ادوارد الثامن فورد في الفصل الرابع حيث يقول: «دوق وندسور كان مؤيداً لألمانيا هتلر واعتبر نفسه إلمانياً، وقال لديانا موزلي ان كل نقطة دم في جسده ألمانية. وكان يتكلم الألمانية بطلاقة وقال في إحدى المناسبات ان الألمانية هي لغته الأم وكان مرتبطاً باقربائه الألمان في أوروبا وأراد الانتقام من البولشفيين الشيوعيين الروس الذين قتلوا أقرباءه في العائلة المالكة الروسية ـ الألمانية الأصل في عام 1918 بحيث اعتبر الشيوعيين خطراً على مصالح بريطانيا والامبراطورية البريطانية» ص 39.
إذن، تواجدت دوافع غير الخيانة لتوجهات دوق وندسور نحو ألمانيا ومحاولته التفاعل معها، ولم يكن من المفيد ان يحوله هذا الكتاب إلى مراهق مشوه التفكير وخائن لبلده لا يعرف إلى أين يذهب. فهذا المنهج التحليلي فيه بعض عدم الموضوعية والانحياز برغم جدية مصادره.

Andrew Loenig: «Traitor King»
Blink Publishing, London 2021
422 Pages.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية