تونس ـ «القدس العربي»: تقف تونس اليوم على مفترق طرق مع قرب نهاية هذا الوضع الاستثنائي الذي تعيشه منذ أن أطاح رئيس الجهورية قيس سعيد بالبرلمان، وحلّ الحكومة يوم 25 تموز/يوليو 2021 وأعلن عن دخول البلاد في مرحلة استثنائية يتم تسيير دواليب الدولة فيها بالمراسيم الرئاسية. فخريطة الطريق التي أعلن عنها ساكن قرطاج لم يبق لنهايتها سوى ستة أشهر باعتبارها تنتهي بإجراء الانتخابات التشريعية يوم 17 كانون الأول/ديسمبر من هذا العام، كما أن الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد سيكون بعد شهرين تقريبا في حين سيعرض للعموم يوم 30 حزيران/يونيو المقبل.
ولم تعد هذه المواعيد مجرد تصوّر في خطاب رئيس الجمهورية للمرحلة المقبلة، بل أصبحت مواعيد رسمية بعد أن تمّ تضمينها في مراسيم صدرت بالجرائد الرسمية للجمهورية التونسية، وبدأ الاستعداد لها جديا وعلى قدم وساق. وذلك من دون ان ينتظر موافقة كبرى المنظمات الوطنية الوازنة مثل «اتحاد الشغل» على المشاركة في «الحوار الوطني» المزمع والذي كان من المفترض ان تتباحث فيه هذه المنظمات الفاعلة في البلاد، في كيفية الخروج من الوضع الاستثنائي وحالة الاستعصاء السياسي والاقتصادي والمجتمعي المتفاقم. فقد زاد من تأزم الوضع وضبابية المشهد الراهن، إعلانُ المنظمة الشغيلة رفضها الانخراط في الحوار الوطني الذي أعلن عنه الرئيس قيس سعيد بصيغته الحالية، في حين مضى الرئيس قدما في الإعلان رسميا عن لجانه للحوار وتركيبتها متجاهلا أكبر وأهم منظمة وطنية في البلاد.
ويرى الرئيس أن تمثيلية الاتحاد في الحوار الوطني تقتصر على ممثل في لجنة الإصلاحات الاقتصادية والاجتماعية، والذي يكون ممثلا أيضا في لجنة الحوار الوطني، وأن هذه اللجان تعمل على بلورة تصورات للإصلاحات الممكنة وذلك بالاستئناس بمخرجات الاستشارة الوطنية. بينما يرى الاتحاد أن الحوار يجب أن يكون من دون شروط مسبقة ولا إملاءات وأن المشاركين فيه يجب أن يكونوا فاعلين أكثر باعتبار أن اللجان التي أعلن عنها رئيس الجمهورية كإطار للحوار دورها استشاري وقراراتها غير ملزمة.
ومن المؤكد أن هذا الخلاف بين ساكن قرطاج وكبرى المنظمات الوطنية التونسية ليس في مصلحة البلد بأي حال من الأحوال ولن يؤدي إلا إلى مزيد تأزيم الأوضاع سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وهي التي وصلت إلى حد لم يعد بالإمكان أن تتدهور أكثر. فالرئيس بدفعه مباشرة إلى الإعلان عن تركيبة اللجان التي ستتولى الحوار الوطني، وعن موعد جهوزية الدستور الجديد للإطلاع عليه من قبل العموم، وعن موعد الاستفتاء من خلال المراسيم، وذلك مباشرة بعد إعلان الهيئة المديرة للاتحاد عن رفضها للحوار الوطني بصيغته الحالية، يكون قد اختار التصعيد مع المنظمة الشغيلة.
وبدوره فإن الاتحاد بتجديد تأكيده على رفضه للحوار الوطني بصيغته الحالية يكون قد اختار التصعيد أيضا ووضع نفسه على مسافة من الفرقاء السياسيين جميعا. فلا هو تخندق مع ساكن قرطاج وحلفائه، ولا هو في صف معارضيه. فقد وجه في بيانه لوما صريحا لهؤلاء المعارضين على استقوائهم بالأجنبي وتخابرهم مع جهات خارجية، وهو يرفض أيضا العودة إلى ما قبل 25 تموز/يوليو 2021 أي تاريخ ما يسميه معارضو رئيس الجمهورية بالانقلاب على البرلمان.
كما ان هناك اشكالات أخرى تطال مواعيد هذه الاستحقاقات بحد ذاتها، منها ما يتعلق باقتراب موعدها وباستحالة إجرائها في أفضل الظروف وفق ما هو متعارف عليه، وذلك بسبب ضيق الوقت الذي لن يمكن الهيئة العليا المستقلة للانتخابات من مراجعة القوائم الانتخابية ومن تسجيل جميع الناخبين الجدد الذين أدركوا السن القانونية للتصويت.
كما أن المدة المخصصة لاطلاع المواطنين على مشروع الدستور الجديد قبل الاستفتاء عليه لا تبدو كافية للبعض لسبر أغوار هذا النص الذي من المفروض أن ينظّم حياة التونسيين لسنوات مقبلة خاصة وأن الأمر يتعلق باستفتاء بنعم أو لا على دستور جديد برمته وليس على بعض التعديلات في أبواب الدستور القديم. وفي هذا الإطار كان من المحبذّ لدى الكثيرين لو تمّ تعديل شكل النظام السياسي في دستور سنة 2014 فقط، مع المحافظة على باقي الأبواب، ويتم الاستفتاء على شكل النظام دون غيره. لكن ساكن قرطاج والفريق المحيط به كان لهم رأي آخر واتجهوا نحو كتابة دستور جديد للبلاد لا يعرف التونسيون إلى اليوم مضامينه وأهم ما جاء فيه أو التوجهات العامة التي سترد به.
كما أن يوم 25 تموز/يوليو الذي سيتمّ فيه استفتاء التونسيين على دستورهم الجديد والذي يتوافق مع ذكرى إعلان الجمهورية التونسية سنة 1957 من قبل الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، مؤسس الجمهورية بمعية رفاقه في الحزب الدستوري وذلك بعد إطاحتهم بالنظام الملكي والعرش الحسيني الذي حكم المملكة التونسية طيلة قرنين ونصف، هو يوم من أيام العطلة الصيفية التي تشهد عادة تحوّل التونسيين إلى الشواطئ والمنتجعات السياحية في بلد سياحي تتواجد به بكثرة أماكن الترفيه. كما أن الطلبة سيعودون إلى بيوتهم في مختلف جهات البلاد وهم المسجلون للتصويت بمكاتب اقتراع قريبة من أماكن دراستهم الجامعية، ناهيك عن التونسيين المهاجرين الذين سيعودون صيفا إلى الخضراء، ولن يتمكنوا بالتالي من التصويت في بلدان إقامتهم حيث قاموا بتسجيل أنفسهم لدى البعثات الدبلوماسية والقنصلية التونسية بالخارج، وهو ما سيؤثر سلبا على نسبة الإقبال على الاستفتاء وبالتالي على مدى استجابة نتائج هذا الاستفتاء لإرادة التونسيين ولما يريدونه ويرونه لمستقبل بلدهم في ظل الأزمة المستفحلة.
ويرى البعض أنه كان على الرئيس أن ينهي المرحلة الاستثنائية ليس فقط بإجراء انتخابات تشريعية يوم 17 كانون الأول/ديسمبر، وإنما لا بد من انتخاب ساكن جديد لقصر قرطاج، فإما أن يخلف سعيد نفسه أو يتم انتخاب رئيس جديد للبلاد وفق الدستور الجديد. فبعد كل تلك الأحداث التي شهدتها تونس بات الجميع بحاجة إلى شرعية جديدة يسكت بها خصومه المشككين في شعبيته، ولن يحسم هذا الأمر إلا الشعب صاحب السلطة الأصلية وذلك من خلال صناديق الاقتراع وليس من خلال حشد الناس في الطرقات والشوارع والتي أصبحت موضة التونسيين المقتبسة من الثورات الملونة.
فالشعب هو الحكم دون سواه بين مختلف الفرقاء السياسيين عبر آلية الانتخابات لا سواها، والرئيس سعيد منتخب وفق الدستور القديم بصلاحيات محدودة جدا، والدستور القديم لا بد أن تنتهي آثاره مع اعتماد الدستور الجديد رسميا. وبالتالي، ومن باب الحرص على الشرعية وعلى احترام الدساتير، يبدو للبعض أنه كان من المفروض أن يقع تنظيم انتخابات رئاسية على أساس الدستور الجديد لا يمكن على إثرها لأحد أن يشكك في شرعية الرئيس الجديد سواء أكان سعيد أو غيره.
ومن الاشكاليات التي تطرح بالنسبة إلى استفتاء يوم 25 تموز/يوليو والانتخابات التشريعية ليوم 17 كانون الأول/ديسمبر، مدى استقلالية الهيئة التي ستشرف عليها خاصة وأن أعضاءها تم تعيينهم من قبل الرئيس. فالرئيس قيس سعيد جعل نفسه الخصم والحكم في الآن نفسه خاصة ان هناك مرشحين للانتخابات التشريعية مقرّبون منه رغم أنه لا يترأس أي حزب سياسي. ومن المعلوم أيضا أن مشروع الدستور الذي سيتمّ الاستفتاء عليه هو مشروعه ومشروع أساتذة القانون المقربين منه، وبالتالي فإن كل ذلك يضع مدى استجابة هذه الهيئة للمعايير الدولية للانتخابات الحرة والنزيهة – والتي تقتضي استقلالية الجهاز المشرف على الانتخابات عن المتنافسين في السباق الانتخابي- موضع شك من قبل عديد الأطراف سواء المناوئة للرئيس سعيد أو المستقلة.
بين المأزق السياسي والتخبط الاقتصادي
يدخل التونسيون منعرجهم السياسي الحاسم في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية حادة نتيجة تعطل الإنتاج والتصدير في مختلف القطاعات خلال العشرية الثورية الماضية، وزادت الأوضاع سوءا أزمة جائحة كورونا العالمية التي أتت طيلة سنتين على الأخضر واليابس، وكذلك ارتفاع أسعار المحروقات والمواد الغذائية الأساسية نتيجة للحرب الروسية على أوكرانيا. كما زاد تأخر صندوق النقد الدولي في الموافقة على صرف القسط البنكي الذي طلبته تونس نتيجة تعطل المفاوضات، من صعوبة الأوضاع الاقتصادية في البلاد والتي تنعكس بدورها على الأوضاع المعيشية فتزيد من نسب الفقر والبطالة وغيرها من الآفات الاجتماعية المدمرة.
ورغم عودة البلاد، ولأول مرة منذ الثورة، إلى تصدير الفوسفات، الذي تضاعف سعره ثلاث مرات في الأسواق العالمية بسبب الحاجة إليه في إنتاج الأسمدة الفلاحية جراء أزمة الغذاء الناتجة عن الحرب الروسية الأوكرانية، ورغم تطور المداخيل المتأتية من القطاع السياحي في هذا الموسم الواعد الذي شهد عودة السفن العملاقة للرحلات السياحية البحرية العالمية للرسو في الموانئ التونسية، وعودة سياح الأسواق التقليدية الأوروبية، إلا أن المؤشرات الاقتصادية لم تتحسن كثيرا خلال الثلاثي الثاني من هذا العام. ولعل تطور بعض الصناعات على غرار صناعة قطع غيار السيارات والطائرات وبعض المنتجات الإلكترونية والصناعات المتعلقة بالطاقات البديلة، مع المداخيل المتأتية من تصدير المنتوجات الفلاحية منها زيت الزيتون والتمور والأسماك والخضراوات والغلال، قد يحسن من المؤشرات الاقتصادية خلال الثلاثي الثالث من هذا العام وذلك بالتزامن مع الاستحقاقات السياسية التي تنتظر البلد.
لكن تلويح الاتحاد العام التونسي للشغل بالإضراب العام خلال الشهر المقبل احتجاجا على عدم استجابة الحكومة إلى مطالبه المتعلقة بالزيادة في أجور عمال وموظفي القطاع العام، قد يزيد الأوضاع الاقتصادية تعقيدا ويسقط كل الحسابات في الماء، خاصة وأن العلاقة بين الاتحاد ورئيس الجمهورية هي في أسوأ حالاتها.
فهل يستمر الخلاف بين الاتحاد العام التونسي للشغل والرئيس قيس سعيد وتشهد تونس صيفا ساخنا فيه إضراب عام وإضرابات قطاعية تطال قطاعات اقتصادية هامة وتعيد البلاد إلى المربع الأول اقتصاديا وتزيد من تأزيم الأوضاع الاجتماعية المتدهورة؟ أم أن هناك تنازلا ما سيحصل من أحد الطرفين يساهم في تهدئة الأوضاع ويمهد لحصول الاستحقاقات السياسية المقبلة في أفضل الظروف؟
فالخوف اليوم هو ان تشهد تونس انتكاسة جديدة لهذه الديمقراطية الناشئة الفريدة من نوعها في محيطها الإقليمي وان تمرّ هذه الاستحقاقات من دون ان تنجح في المرور بالبلد إلى برّ الأمان.