هذا الكتاب «رسائل إلى العابر بحر البين بين» وعنوانه مأخوذ من قصيدة لحسب الشيخ جعفر في رحيل سعدي يوسف، شهادة حيّة لهذا الشاعر الاستثنائي في تاريخ الشعر العربي، الذي أغنى القصيدة منذ بواكير أعماله، إلى آخرها وهو يحتفل بموته هازئا بمرور الزمن وحدثان الدهر كما يقول صديقه ضياء خضير، وهو الذي أشرف بالاشتراك مع الشاعر العراقي حميد سعيد، على إعداد هذا الكتاب الوثيقة، الصادر حديثا عن دار خطوط وظلال/ الأردن 2022 (تصميم الفنّان علاء بشير). وهو يضمّ قصائد لشعراء عراقيّين وعرب من أصدقاء سعدي، وليس لي أن أقف عليها في هذا المقال، خاصّة أنّ بعضها منشور في«القدس العربي»مثل قصيدتي وقصيدة علي جعفر العلاق؛ وإنّما أقف ها هنا على التقديم الذي يفتتح الكتاب، وهو عمل ضياء خضير. فقد شدّني بلغته المفهوميّة الرصينة المأنوسة (من المفهوم) وإضاءاته النقدية الذكيّة التي تفتتح روافد لمسالك غير مطروقة في قراءة شعريّة سعدي. وليس هذا بمستغرب من باحث وكاتب مثل ضياء خضير، وهو المطّلع لا على مدوّنة سعدي وحسب، وإنّما على سيرته بشتّى تفاصيلها وشواردها ولطائفها بما فيها «أقواله الطائشة» وهي مثل «حماقات» أيّ شاعر «هوامش» لا قيمة لها ما تعلّق الأمر بمتنه الشعري.
وهذا المتن هو الذي يحسن أن نعنى به، عسى أن نكتشف قوّة نصّ سعدي ومصادرها وفتوحاتها. وهي ترجع في جانب كبير منها، إلى طريقة الشاعر الخاصّة في ملامسة مفردات اللغة وتحسّسها كما لو كانت أشياء حقيقيّة، وإلى تركيزه القول في الجملة الخبريّة أكثر من الإنشائيّة، وتخيّره الاسم الجامد أكثر من «المشتقّ» أو «السائل» تأسّيا بشعر ما قبل الإسلام، وهو أعظم ما ترك العرب. فلم تكن لسعدي ادّعاءات ومزاعم وأوهام تتّصل بضرورة «تفجير اللغة» كما نجد عند شعراء غير قليلين عديمي الموهبة، لم يرزقوا حظّا من خيال؛ فشغلوا أنفسهم بمثل هذا «التنظير» الأجوف الذي أفسد الشعر والنقد كليهما. إنّما كان سعدي يعرف كيف يجتنب البلاغة الفائضة عن الحاجة، ويترك الأشياء تحيا وهي تنزل غضّة لحما وعظما في طريّ عجينة الكلمات. وهذا وجه من أوجه حداثة سعدي المرتبطة بجغرافيّتها المكانيّة؛ وهي بعبارة ضياء خضير «خلطة سحريّة غير قابلة للتقليد».

وسعدي نفسه كان يدرك هذا، فهو يقول في أحد حواراته إنّه يضع نفسه في زمن مطلق؛ وأنّه من الذين حاولوا إدامة الخيط السحري في الشعر، ذاك الممتدّ من امرئ القيس إلى اليوم، بل إنّ سعدي يميّز بذكاء لافت بين الشاعر الذي يشتغل داخل الاستعارة والشاعر الذي يشتغل داخل الكناية؛ لكن من غير تفضيل هذا على ذاك. يقول: «السيّاب يشتغل داخل الاستعارة، ويقيم علائق النصّ والحياة داخلها. لكنّني لا أعمد إلى استخدام المجازات الكبرى مثلما يفعل السيّاب…» وأقدّر أنّ مزيّة سعدي هي في التعبيريّة الكنائيّة أو الرمزيّة، وفي الكيفيّة التي يتولّد بها المعنى الحافّ دونما حاجة إلى العبور من المدلول، لاستيحائه؛ إذ يكفي أن يذكر كلمة حتّى يقع في الوهم ويسبق إلى الخاطر مدلول آخر غير ما استتبّ لها. وفي هذا ما يعزّز رأي القائلين إنّ المعاني الحافّة تعبّر عن علاقة بين الدالّ والمتكلّم أكثر ممّا تعبّر عن علاقة بين الدالّ والمدلول، فلا نملك إلاّ أن نكبح من غلوائنا، وأن نتوسّط بين حالين: فالمعنى الحاف مفعول ظواهر لغويّة جماعيّة على قدر ما هو مفعول ظواهر لغويّة فرديّة؛ لأنّ الفرد كثيرا ما ينتج معانيه الحافّة أي تلك التي يستوحيها من خواصّ علاقته بالأشياء أو من ذكرى طفولته البعيدة، كما هو الشأن في تجربة سعدي، حيث ظلّ العراق خاصّة جنوبه (حمدان وأبو الخصيب والبصرة) أعمق ما كان يحمله في نفسه من قوّة وطاقة، كما جاء في التقديم. وإذا ما دفعنا بالمعاني الحافّة قُدُما، ونحن نتملّى مدوّنة سعدي، ندرك أنّ الشعريّة الأقوى إنّما هي في كيفيّة القول الذي يديره الشاعر على ما يجري في عالم الواقع وما يدخل في عالم الحسّ والمشاهدة؛ بل على أشياء معهودة، لكنّه يعرف كيف يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج النّادر. والحقّ أنّ هذا يحتاج إلى قدر من التدقيق والتفصيل والإبانة، ودرس الصّورة عند سعدي من حيث هي حقيقة لغويّة مدارها على «المعانم» باصطلاحنا الحديث أو الوحدات الدّلالة المشتركة بين المفردات؛ وهو ما لا يتّسع له هذا العرض.
وربّما وهب النصّ معنى، وجاء المتلقّي وأضفى عليه دلالة، خاصّة ما تعلّق الأمر بمجاز، أو كناية، لكن ينبغي أن لا نستنتج من ذلك أنّ الدّلالة هي عمل المتلقّي وحده، فالصّورة الرمزيّة عند سعدي تدلّ على عكس ذلك، لأنّ من مقاصد صاحبها، صرف النّظر عن دلالة وضعيّة أو دلالة مطابقة إلى معنى حافّ، أو عن ظاهر إلى باطن أو مضمر.
ودون هذا التفصيل، قد يتعذّر على القارئ غير المتمرّس بهذا الشعر أن ينفذ إلى النصّ، ومن ثمّة فقد لا ينال إلاّ القليل من الصّورة الكليّة المتعالية الحصينة في مدوّنة سعدي، حيث تترابط المفردات في علائق مجازيّة كنائيّة أو رمزيّة بعبارتنا اليوم، وفي هالة من المعاني الحافّة التي تطفو حولها.
لكن لا يذهبنّ في الظّنّ أنّ المعنى الأوّل المباشر عند سعدي هو البيّن أو الواضح الجليّ، وأنّ المعنى الحافّ هو الخفيّ أو المضمر الكامن. والأقرب إلى الصواب أنّهما قطبان لمعنى واحد، وأنّ صياغة المعنى الخفيّ هي كشف المعنى الجليّ نفسه، بل هما قد يعقدان علاقات هي في الأقلّ غير متوقّعة. ونادرا ما يعبّر الخفيّ عن نقيض الجليّ، أو يكون بعيد المأخذ، وقرينه قريبه. فالقرب والبعد مسألتان نسبيّتان في النصوص وفي قراءاتها. ولا محيص لنا عن أن نشير إلى صفة واضحة فيها هي صفة التّفاوت، حيث الأخذ أي المنهج والمسلك، أو موضع الأخذ وزمانه وطريقته، محكوم بالموقع الذي يتّخذه القارئ من نصّ سعدي، فقد يسلك إلى الصّورة الخلافيّة من معنى معجميّ مباشر (سياسي عادة أو أيديولوجي) أو من ظاهر اللّفظ ويتدرّج إلى المعنى الحافّ، على أساس أنّ الأوّل هو الأصل، والثّاني هو الفرع. وقد يسلك إليها من المعنى الحافّ الذي يستغويه ويكون له وقع من نفسه، خاصّ، حتّى ليحلّ لديه محلّ الأصل، ويعتاض به عنه. والنّقد إنّما يتركّز أكثره في المعاني الحافّة التي تغتذي من التّجارب الفرديّة الخاصّة والتّجارب الجماعيّة العامّة المرتبطة عادة بتعلّم اللّغة حيث يكون للكلمة وقع عند بعض، هو غيره عند بعض. ونقدّر أنّ أكثر صور سعدي وكناياته ترجع إلى معان حافّة خاصّة به أو إلى «فضل معنى» في المقول، قد يتقبّله قارئ، وقد يشيح عنه آخر. وهذا الفضل « فضل المعنى» هو ما نسمّيه الدّلالة التي هي عمل المتلقّي أكثر منها عمل المنشئ.
وربّما وهب النصّ معنى، وجاء المتلقّي وأضفى عليه دلالة، خاصّة ما تعلّق الأمر بمجاز، أو كناية، لكن ينبغي أن لا نستنتج من ذلك أنّ الدّلالة هي عمل المتلقّي وحده، فالصّورة الرمزيّة عند سعدي تدلّ على عكس ذلك، لأنّ من مقاصد صاحبها، صرف النّظر عن دلالة وضعيّة أو دلالة مطابقة إلى معنى حافّ، أو عن ظاهر إلى باطن أو مضمر. على أنّه ليس بميسور القارئ أن يدرك مقصد الشّاعر، في كلّ هذه النصوص، وبخاصّة ما يغتذي منها بمعان حافّة قد تكون وقفا على الشّاعر وعلى بيئته العراقيّة وتجربته في المنفى. وهذه صعوبة تضاف إليها صعوبة أخرى فـ»المقصد» لا يعاد إنتاجه في القراءة إلاّ إذا اتّخذ في النصّ هيئة موضوعيّة، أو أضاءته نصوص مصاحبة قد تتّخذ أشكالا خاصّة بها في السجلاّت المنطوقة أو المكتوبة.
ومهما يكن فالمقصد في الشّعر محفوف بغموض غير يسير، ومن الصّعوبة أن ندركه في نصوص تعلق فيها الشّعريّة بـ»شكل المعنى» أكثر ممّا تعلق بالمعنى في ذاته، بل قد تكون طريقة من طرائق محو المعنى والعبور بالقارئ من المتصوّر إلى اللاّمتصوّر أو المحال المحض. وفي هذا الحيّز يراوح المقصد دون أن يثبت على حال، ويختلف باختلاف القراءة ومواقيتها.
ومن المفيد ما تعلّق الأمر بمدوّنة سعدي أن نقرأها في سياق شعريّة «المدرسة العراقيّة» المتنوّعة (بدءا بالسيّاب والبيّاتي ونازك والحيدري والصائغ وسامي مهدي وحميد سعيد وعلي جعفر العلاّق وغيرهم) فشعريّة المحدث في البلاد العربيّة (مصر وبلاد الشام خاصّة وفلسطين) حتّى لا يطوّحنّ بنا الظنّ بعيدا، فنحملها وهي المحكومة بتباعد منطقيّ خاصّ على نوع من التّباعد الاعتباطيّ. وشتّان بين صورة تتمثّل أعلى درجة من الاعتباطيّة أو المصادفة التي تتعارض والقصد أو النيّة، وتضع طريقة جديدة في تدبّر العلاقات بين اللّغة والذّات، وبين اللّغة والمجتمع، كما هو الشّأن في السّرياليّة، وصورة رمزيّة حيّة في جلّ نصوص سعدي؛ يتسمّى فيها الشّيء باسمه وباسم شيء آخر أو هو يصبح شيئا لغويّا، وتتحوّل الكلمة في العالم وعنه، إلى خيال تتجاوب فيه وبه الأشياء والكائنات.
كاتب وشاعر تونسي