الأرجح بقاء ميقاتي الذي يحظى بتأييد فرنسي وعدم ممانعة خليجية وعربية إضافة إلى رغبة لدى الثنائي الشيعي بالإبقاء عليه خلافاً لباسيل الذي يحدد دفتر شروط لنيل أقصى ما يطلبه.
بيروت ـ «القدس العربي»: ظنّ كثيرون أن انتخابات رئيس مجلس النواب ونائبه وهيئة مكتب المجلس أطاحت بنتائج الانتخابات النيابية العامة في 15 ايار/مايو التي أنتجت أكثرية جديدة ولو غير وازنة خلافاً لما كان يراهن عليه حزب الله وحلفاؤه. إلا أن هذا الاعتقاد ليس سليماً بالضرورة ولو أن هناك مخاوف من أن يكون بين النواب التغييريين ودائع للفريق الممانع فوّتوا مع بعض المستقلين من قدامى «تيار المستقبل» في أول جلسة فرصة الفوز وتسجيل هدف حقيقي في مرمى فريق 8 آذار لأن الممارسة داخل مجلس النواب تختلف عن الاستعراضات في الشارع وتفترض تنسيقاً مع كتل نيابية تُعتبر الأقرب إلى نهج التغيير الذي لا يمكن حصره بالنواب الجدد وتصنيف غيرهم نواباً تقليديين.
وإذا بقي النواب التغييريون على تمايزهم ولم يحسنوا التنسيق مع الكتل السيادية فلن يحظوا بفرصة التمثّل في اللجان النيابية حيث يطمح بعضهم للدخول إلى لجان المال والموازنة والإدارة والعدل والبيئة والتربية، بل في المقابل، فإن فريق حزب الله والتيار الوطني الحر سيحاول تكرار ما فعله في مجلس النواب في موضوع الاستشارات النيابية لتسمية رئيس جديد للحكومة وفي موضوع تأليف الحكومة ولاسيما أن بعض النواب السنّة والمسيحيين يتوددون من حزب الله علّهم يستفيدون من نفوذه ليحجزوا لأنفسهم مواقع في رئاسة الحكومة وفي رئاسة الجمهورية نظراً لقدرته على الضغط والتحكّم بمسار الاستحقاقات الدستورية كما حصل لدى تعطيل انتخابات الرئاسة الأولى أكثر من سنتين إلى حين التوافق على العماد ميشال عون.
وإلى حين تحديد موعد للاستشارات النيابية الملزمة لتكليف رئيس جديد بتشكيل الحكومة ما زال صعباً التكهّن بما ستؤول إليه هذه الاستشارات ولو أن الأرجحية تبقى للرئيس نجيب ميقاتي الذي يحظى بتأييد فرنسي وعدم ممانعة خليجية وعربية اضافة إلى رغبة لدى الثنائي الشيعي بالإبقاء على ميقاتي خلافاً لرئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل الذي كعادته يرفع سقفه السياسي ويحدد دفتر شروط لنيل أقصى ما يطلبه وتحديداً حقيبتي الخارجية والطاقة اللتين أثبتتا فشلاً ذريعاً على مدى سنوات سواء في تأمين الكهرباء أو في الحفاظ على علاقات لبنان العربية وتحديداً الخليجية وعدم الإساءة إلى الأشقاء العرب وعلاقات لبنان الدولية إضافة إلى الشوائب التي اعترت عملية اقتراع المغتربين في الدول التي ينتشر فيها معارضون للتيار العوني والعهد. وبدأ باسيل يطرح أسماء جديدة لرئاسة الحكومة من بينها صاحب «الدولية للمعلومات» جواد عدرا والخبير الاقتصادي صالح النصولي.
هذا الابتزاز العوني المبكّر يقتضي من النواب السياديين والتغييريين عدم السماح بحصول نكسة كتلك التي حصلت في البرلمان بل تحصين الموقف في الاستحقاق الحكومي على الرغم من أن الكثير من هذه القوى يميل إلى عدم المشاركة في حكومة انتقالية في ظل العهد الحالي أو في حكومة يشارك فيها حزب الله ويدرس بعضهم فكرة مقاطعة الاستشارات التي سيدعو إليها عون.
ويعتقد الفريق السيادي أن الحكومات المسمّاة حكومات وفاق وطني خصوصاً تلك التي تشكّلت برئاسة الرئيس سعد الحريري تحمل في داخلها بذور تفجيرها ولم تحم الوحدة الوطنية بل شكّلت غطاء للسلاح غير الشرعي وتمدده تحت ستار حماية السلم الأهلي ومنع الفتنة وخصوصاً السنية الشيعية ما أدى إلى تنازل تلو التنازل وإلى رضوخ للشروط وعلى رأسها إسناد وزارة المال إلى الطائفة الشيعية بدل تحقيق المداورة في الحقائب بين الطوائف، الأمر الذي شكّل تعطيلاً للدستور وانقلاباً على المؤسسات لصالح التسويات.
من جهته، فإن الرئيس ميقاتي يرفض الخضوع لأي ابتزاز مسبق في عملية التكليف والتأليف وخصوصاً من قبل باسيل، وفي حال تسميته رئيساً مكلفاً يرغب في تشكيل حكومة شبيهة في تركيبتها وطبيعتها بالحكومة الحالية مع إدخال بعض التعديلات عليها في الأسماء وتوزيع الحقائب بما يؤمن التوازن المطلوب استناداً إلى نتائج الانتخابات النيابية، ويرفض تأليف حكومة سياسية في مرحلة يحتاج فيها البلد إلى فريق عمل اختصاصي متجانس ينكبّ على معالجة الملفات الحيوية بعيداً عن أي حسابات سياسية وخصوصاً ملف الكهرباء، ويطلب ضمانات مسبقة بتسهيل مهمة التأليف وعدم وضع العراقيل أمام مهمته.
ولا يبدي ميقاتي حماسة للعودة إلى رئاسة الحكومة كمرشح لفريق 8 آذار فقط انطلاقاً من رفضه الاصطفافات ومعرفته بمحاذير أن يكون محسوباً على هذا الفريق. ومعلوم أن ميقاتي يقصد برفض الابتزاز رئيس التيار العوني الذي لم يستطع فرض التعيينات التي يريدها سواء في حاكمية مصرف لبنان أو قيادة الجيش وغيرها من المواقع الأساسية ويسعى لتمريرها في الحكومة الجديدة قبل نهاية العهد كي يضمن وضع اليد على المواقع الرئيسية لستة أعوام مقبلة. وإن مغادرة ميقاتي قصر بعبدا بعد لقائه رئيس الجمهورية من دون تصريح يدل على عدم توافق بينه وبين عون مع ميل ميقاتي إلى خيار تعويم حكومة تصريف الأعمال في الفترة الانتقالية حتى نهاية العهد ولاسيما مع قوله السابق إنه يمكن للحكومة عقد جلسات لتسيير أمور هامة.
وعلى مقلب القوات اللبنانية فهي مع تشكيل حكومة أكثرية وليست مع تشكيل حكومة توافقية انطلاقاً من أن لبنان لا يُحكَم إلا بالديمقراطية. وتقول إذا كنا فعلاً 67 نائباً فلنذهب ونسمّي رئيساً سيادياً لتشكيل الحكومة ولنشكّل حكومة أكثرية ونتحمّل المسؤولية وإلا فليشكّل فريق حزب الله الحكومة وليحكم ونحن نعارض. ويبدو أن القوات تتمايز بهذا الموقف عن الحزب التقدمي الاشتراكي الذي لن يخلي الساحة لسواه لوضع اليد على المقاعد الوزارية في الحكومة.
ومن الأسماء السنية المطروحة خارج تحالف حزب الله السفير نواف سلام، فيما بعض المستقلين والتغييريين يتجه لتسمية النائب الصيداوي عبد الرحمن البزري، مع العلم أن البزري اقترع بورقة بيضاء في انتخابات نائب رئيس مجلس النواب وأفقد المرشح غسان سكاف الفرصة للفوز لحساب المرشح الياس بو صعب المدعوم من حزب الله.
وانطلاقاً من هذه المعطيات لا يظهر أن هناك قدرة لدى القوى السيادية والتغييرية لفرض واقع جديد في الملف الحكومي وهي تنظر إلى المرحلة المقبلة كمرحلة تقطيع وقت في انتظار تظهير هوية العهد المقبل وإجراء انتخابات رئاسية تعيد إنتاج السلطة من جديد وتسحب من يد التيار العوني ورقة التوقيع على مراسيم الحكومة مع عدم استبعاد الوقوع في فراغ رئاسي نتيجة الكباش السياسي الحاد.