عبد السلام جلود في «الملحمة»: القذافي انحرف عن مبادئ ثورة الفاتح فانفصلتُ عنه سياسيا

سمير ناصيف
حجم الخط
0

قد يُطرحُ سؤال ذو أهمية فكرية وتحليلية حول طبيعة قيادة الأنظمة الثورية في العالم العربي وخصوصاً خلال الانقلابات العسكرية التي بدأت في تلك المنطقة في نهاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي واستمرت لعقود بعد ذلك، وربما ما تزال مستمرة. والسؤال هو عن طبيعة قيادتها الثنائية.
ففي مصر، كان هناك الرئيس جمال عبدالناصر ونائبه عبدالحكيم عامر، ومن بعدهما الرئيس أنور السادات ونائبه الرئيس حسني مبارك، وفي العراق قاد ثورة 1958 عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف ومن بعدهما أحمد حسن البكر وصدام حسين، وفي سوريا صلاح حديد وحافظ الأسد، وقبلهما حسني الزعيم وسامي الحناوي وغيرهما، وهكذا دواليك في دول تعرضت أو ما تزال تتعرض للثورات.
موضوع كتاب «الملحمة، مذكرات عبد السلام جلود» يندرج في هذا السياق وينطبق على «ثورة الفاتح» في ليبيا. ويبدو لدى قراءة هذا الكتاب أن ليبيا بعد تلك الثورة التي نُفذّت في عام 1969 لم تكن تحت قيادة العقيد معمر القذافي بمفرده بل بالتعاون مع أحد الضباط الوحدويين المشاركين في «ثورة الفاتح» وهو مؤلف الكتاب الذي تتم مراجعته هنا، وهو الضابط الوحدوي الحر عبدالسلام جلود الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء في ليبيا بين عامي 1972 إلى 1977 واعتبر الرجل الثاني المشارك في قيادة ليبيا حتى عام 1992. وبرغم الخلافات التي نشبت على صعيد مخفف خلال قيادة القذافي وجلود للبلاد أثناء المراحل الأولى للثورة الليبية فإن جلود انشق نهائياً عن القذافي عام 1992 بعد خلافه معه على قراراته الفردية المتسرعة ومحاولات تحوله إلى زعيم منفرد القرار و«ملك ملوك أفريقيا» وتشجيعه على ملاحقة واغتيال الليبيين المعارضين في الخارج والتمهيد لتطبيع العلاقة مع إسرائيل، واتخاذ قرارات داخلية متسرعة حول توزيع الثروة الليبية على الشعب وعلى الدول الأفريقية والمنظمات في الشرق الأوسط وأفريقيا بشكل غير مدروس بدلاً من اعتماد التنمية والتطوير الاقتصادي المستدام لبناء الدولة.
يَعتبرُ جلود أن بداية الخلاف بينه وبين القذافي حدث لدى تسلم جلود رئاسة الوزراء في 16 تموز (يوليو) 1972 وخصوصاً عندما بدأ القذافي يبالغ في تخيّل وجود أعداء له في الخارج والداخل حتى انه قلّص مساهمة الدولة في دعم هؤلاء الطلاب وعزز مراقبتهم لظنه بانهم يخططون لمعارضته سياسياً، فيما كان جلود يعتبر ان وجودهم يساهم في تطوير علاقة ليبيا بالعالم ويتحفظ على المراقبة المبالغ فيها لتحركاتهم السياسية وقمعهم وتخويفهم بالاعتقال.
أما بعض النواحي الإيجابية التي يذكرها جلود في الفصول الأولى للكتاب فمنها عملهما سوياً (القذافي وجلود) على دعم المخرج مصطفى العقاد في إنتاج فيلميه «الرسالة» و«أسد الصحراء» اللذين ساهما في إظهار المنحى الإيجابي لثورة الإسلام الثقافية. وانهما قضيا ساعات طويلة مع العقاد في الحوار حول هذا الفيلم. وقد كلّف الفيلم الأول «الرسالة» ليبيا ما يوازي الستين مليون دولار، والثاني أكثر (ص 77 و78).
كما ان ثورة الفاتح ساهمت في دعم الثورات العربية بالسلاح والمال وخصوصاً في مجالات تدريب المتطوعين وارسالهم إلى سوريا ولبنان ومصر. ويذكر جلود في هذا المجال علاقته الجيدة بقائد «الحركة الوطنية اللبنانية» الراحل كمال جنبلاط وبزعماء عرب ثوريين وقادة أفارقة حاربوا التغلغل الصهيوني في أفريقيا (ص 82).
المشكلة مع القذافي الأكثر خطورة حسب جلود، كانت انه يصفّي بعض أصدقائه والمقربين منه إذا اختلفوا معه في قضايا بالإمكان حلها عبر الحوار. ويذكر في هذا المجال تصفيته لوزير خارجيته السابق منصور الكيخيا بعد اختطافه من زيارة لمصر في فترة كان قد تحول إلى المعارضة (ص 90).
كما يكشف في صفحتين مقتضبتين ما يسميه لغز اختفاء رجل الدين اللبناني الإيراني الأصل موسى الصدر لدى زيارته ليبيا في احتفالات الفاتح من أيلول (سبتمبر) 1978 (ص 223 وص 224).
ويقول في هذا المجال «في الواقع لم أكن أعرف ان القذافي دعى موسى الصدر لزيارة ليبيا إلا بعد أن أعلنت وكالات الأنباء اختفاءه. ما أن سمعت بالنبأ حتى اتصلت هاتفياً باحمد رمضان مدير مكتب القذافي وطلبت الاتصال بالأخ معمر وكنت في حالة غضب شديد، قلت لمعمر: ما هذه الجريمة الشنعاء التي ارتكبتها؟ هل من المعقول أن تدعو شخصاً وهو في ضيافتك في بيتك ثم ترتكب هذه الجريمة؟ هذا ليس من الشهامة والمروءة والرجولة، انه عمل خسيس وغير أخلاقي ومدمر». فقال لي بغضب: «أنت تتهمني بقتل موسى الصدر؟ برّا دوّر عليه (اذهب وابحث عنه) أنا لا أعرف عنه أي شيء». ثم أغلق السماعة في وجهي.
يقول جلود انه اتصل بالأجهزة الأمنية وطلب منها اخراج موسى الصدر من تحت الأرض أو سيعدمهم جميعاً ولكنه علم ان القذافي أعاز إلى أجهزة الأمن أن يختاروا له شخصاً بحجم وطول الإمام الصدر ليتقمص شخصيته ويلبس ملابسه ويغادر إلى روما. و«بالفعل رشحوا ضابطاً اسمه محمد علي المبروك الرحيبي للقيام بهذا الدور» (ص 224).
وكان القذافي يقول دائماً لجلود انه «يعارض بشدة ان تتولى شخصية شيعية إيرانية زعامة الشيعة العرب في لبنان أو العراق، وكان يعتبر الإمام الصدر إيرانيا مدسوسا في الطائفة الشيعية اللبنانية وان قيادة الشيعة في العالم العربي يجب أن تكون عربية» (ص 224).
علماً ان جهات أخرى (خصوصاً استخبارية أمريكية غربية) اتهمت النظام الليبي برمته بالمشاركة في سجن الصدر ثم تصفيته بعد وشاية من مسؤول سابق كبير في الثورة الإيرانية.
ويذكر في هذا الصدد ان جلود كان وظل على علاقة جيدة بنظام الراحل حافظ الأسد وقام بوساطات هامة في معالجة مشاكل خطيرة في لبنان بين نظام الأسد وخصومه ومولت الدولة الليبية (بمبادرات منه) عمليات فض نزاعات خطيرة على الساحة اللبنانية ـ الفلسطينية ـ السورية.
الفصل الرابع بعنوان: «الحرب الأهلية في لبنان» يكتسب أهمية خاصة، ويُظهر أن جلود وبرغم تقديره واحترامه للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد فإنه شعر بأن دخول سوريا إلى لبنان في نيسان (ابريل) 1976 ومواجهتها مع الحركة الوطنية اللبنانية شكّل مؤامرة كبرى لتدمير الثورة الفلسطينية ولتدمير سوريا والحركة الوطنية اللبنانية (ص 147).
وتوجه جلود شخصياً إلى سوريا ممثلا «جبهة الصمود والتصدي» لاقناع الرئيس حافظ الأسد بعدم الانجراف في المؤامرة. وشعر أن الرئيس السوري أراد مخرجاً، ما أدى إلى قيامه بدور فاعل في ضبط المواجهة بين سوريا والمقاومة عن طريق إقناع قيادات لبنانية بضرورة تخفيف حدة مواقعهم (ص 148) وأدى ذلك إلى وقف إطلاق النار على الأرض.
واللافت ان جلود لم يتأخر في لقاء رئيس حزب الكتائب بيار الجميل ونجله بشير الجميل والاستماع إلى وجهة نظرهما وقال له بيار الجميل: «أنا غرقان وامتدت لي يد فأمسكتها» يقصد سوريا.
وينتقد جلود ممارسات غير أخلاقية لبعض الجهات في الثورة الفلسطينية خلال المواجهة مع اللبنانيين. ولكنه يستثني منها الرئيس ياسر عرفات والقائد خليل الوزير (ابو جهاد) وقيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
ويقول إن إدارة رونالد ريغان وجورج شولتز الأمريكية حاولت ان تدفع لبنان للسلام مع إسرائيل بعد الغزو الإسرائيلي للبلد عام 1982 ولكنها فشلت، ويتحدث عن زيارة الرئيس أمين الجميل إلى ليبيا حيث استقبله القذافي. وقال انه نصح جميع الأحزاب والمنظمات اللبنانية بالانضباط كما انضبطت «جبهة التحرير الجزائرية» في حربها الاستقلالية مع فرنسا.
ولكن جلود كانت له مآخذ على الرئيس عرفات وخصوصاً حضوره جلسة لمجلس الشعب المصري عام 1973 أعلن فيها السادات انه مستعد للذهاب إلى إسرائيل (ص 163). كما اعتبرت ليبيا ان خروج «منظمة التحرير الفلسطينية» من لبنان عام 1982 كان مذلاً وعودة عرفات إلى طرابلس (لبنان) بعد ذلك لم تكن في محلها ما دفعها إلى التعاون مع سوريا على إخراجه منها.
كما ينتقد مواجهة حزب «أمل» الشيعي مع المنظمات الفلسطينية التي سميت حرب المخيمات خلال عامي 1985 و1988. وقال انه ساهم في إخمادها برغم انه أعجب بتعاضد جميع المنظمات الفلسطينية في هذه الحرب المؤيدة والمعارضة لسوريا، وعلى الرغم من ان سوريا كانت تدعم حركة «أمل» (ص 168 ـ 169) ويؤكد ان حزب الله ساهم في إخماد هذه الحرب.
ويعتبر اتفاقيات أوسلو التي وقعت عام 1993 كارثية لانها أنتجت سلطة فلسطينية من دون سلطة (ص 177) كما ان قلبه (حسب قوله) يرتعش من مشروع «صفقة القرن» واتفاقيات التطبيع العربي مع إسرائيل.
في الفصل التاسع يوضح جلود أسباب خلافه مع القذافي وقراره الاعتكاف عن السلطة. السبب الرئيسي كان ان القذافي أصبح يعتقد بانه الحاكم الوحيد للبلد وان كل القرارات التي اتخذت سابقاً أصبح يقلصها أو يزيلها لمصلحة قيادته الفردية. وصار يتخذ قرارات متسرعة في الشؤون الاقتصادية من دون استشارة الآخرين، ويعيّن المحسوبين عليه في المناصب الحساسة. حتى انه وفي مرحلة رفض كل المقترحات لتطوير النظام الآتية داخلياً وخارجياً من جهات متعاطفة مع النظام الليبي.
ويقول في الصفحة (370) «بعد غداء مطلع أيار (مايو) 1993 جرى نقاش بيني وبين الأخ معمر فقال لي حرفياً: يا عبدالسلام، لا بد من الاعتراف بإسرائيل… كان وقع هذه الكلمات عليّ منه كالصاعقة… ثم أردف قائلاً الأمريكيون لن يسمحوا لنا بإنجاز الوحدة ما دمنا معادين لليهود ولم نعترف بهم. فقلت له بغضب: ما هذا الكلام يا أخ معمر؟ أكاد لا أصدق ما تقول. ما فائدة هذه الوحدة العربية إذا كانت ستقودنا إلى الاستسلام للعدو؟ أنا أرفض هذه الوحدة. فرد قائلاً: «نعترف بإسرائيل لكي تسمح لنا أمريكا بإنجاز الوحدة، ثم نحارب اليهود». قلت له هذا منطق عجيب وأنا أرفضه. فأجاب: «أنت من يقف في وجهي ولولاك لاعترفت بإسرائيل».
في الفصول الأولى يوضح جلود ان نظرة ليبيا إلى حرب اكتوبر 1973 كانت مختلفة عن نظرة الرئيس أنور السادات. السادات أرادها «حرب تحريك» للتوصل إلى مفاوضات، فيما أرادتها سوريا وليبيا حرب انتصار، وبالتالي تفاجأ الجانبان السوري والليبي من بعض مواقف السادات وتحركاته على الجهات، وكذلك بعض قادة جيشه، وبالتالي دفع السادات ثمناً لمواقفه عبر اغتياله.
ويسمي جلود هذا الاغتيال «حكما من محكمة الشعب العربية» نفذه خالد الاسلامبولي في 6 تشرين الأول (اكتوبر) 1981. وسأله القذافي آنذاك إذا كان حسني مبارك سيكمل نهج السادات فأجابه نعم ولكن على طريقته الخاصة.
والجدير بالذكر ان اتصالات جلود بالنظام المصري، خلال فترة نظام الرئيس السادات، كانت في كثير منها تتم بواسطة مستشار السادات وصهر الرئيس عبدالناصر، أشرف مروان الذي كان صديقاً لجلود.
وتوفي أشرف مروان بسقوطه عن شرفة شقته في بريطانيا في اليوم الذي انتهت فيه ولاية رئيس الوزراء البريطاني توني بلير القيادية في عام 1997. وكان ينوي نشر مذكراته بعدما اتهم بالعمالة لإسرائيل أو بالعمالة المزدوجة. وربما يملك جلود المزيد من المعلومات عن خلفيات هذه الجريمة التي لم يكتمل التحقيق في ملابساتها وتحديد إذا كانت انتحاراً أو عملاً إجرامياً، وجلود يفضل عدم الخوض فيها بالتفصيل حتى انتهاء التحقيق.
والكتاب يشمل الكثير من المعلومات المفيدة التي تذكر للمرة الأولى ولا يتسع المجال لنشرها.

عبدالسلام جلود:
«مذكرات عبدالسلام جلود-الملحمة»
المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت 2022
479 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية