دراسة في التاريخ الثقافي والتراث الشفاهي «للعربان في مصر» هو العنوان الفرعي لكتاب الروائية والأكاديمية المصرية ميرال الطحاوي، والذي يبحث في العلاقة الشائكة بين «العربان»، أي القبائل العربية التي وفدت إلى مصر واستقرت فيها، وبين أصحاب الأرض من المصريين، من جهة أولى؛ وبين القبيلة والأرض المزروعة، وبين «الحضر» و«البدوان» وما ترى المؤلفة أنه «صراع بين ثقافتين اقتسمتا تاريخ مصر وأرضها وخيراتها وتجاورتا لقرون»، من جهة ثانية. لكنه جوار «لم يمحُ ظلال تلك العلاقة المرتبكة بين طرفي نقيض، ظلّ كلّ منهما يحتقر ويقدّس في الوقت ذاته غريمه».
والطحاوي لا تزعم التأريخ لمسيرة عربان مصر أو دورهم الثقافي والاجتماعي والأدبي في المجتمع المصري، بقدر ما تسعى إلى فهم «علاقتهم الشائكة بتلك الحاضنة أو الوطن الذي سكنوا فيه، بينما ظلّ حنينهم الجارف إلى نقيضه»؛ من خلال الانكباب على تراث ثقافي غني ومتعدد، الكثير منه شفاهي وفولكلوري، ومن هنا جديد الدراسة الأبرز بالقياس إلى أعمال سابقة رائدة تناولت الشريحة ذاتها من عرب مصر وبداتها. ومنذ السطور الأولى في الكتاب، توضح المؤلفة انتماءها إلى العربان أولئك، وتكتب: «في محاولةٍ لفهم هذه العلاقة قلَّبتُ كثيراً في كتب التاريخ والهجرات والتراث القبلي عن مساحة أستطيع أن أفهم منها موقعنا الوجودي، نحن «عربان مصر» كأقلية عرقيةٍ، لكن كان التاريخ الرسمي ضنيناً بتدوين هوامش المتن، ولم نكُن الهامش الوحيد الذي لم يحظ بعنايته، فقد أغفل هذا التاريخ الرسمي الكثير من الصراعات بين الأقليات الإثنية والعرقية على أمل أن يكفل التجاهل برسم صوراً أجمل للواقع الشائك».
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة فصول، يتناول الأول سيرة مَنْ سكن مصر من «العربان»، ويشمل مباحث عن «العابرين» من إبراهيم عليه السلام الذي عبر مصر تاجراً، إلى القبائل السامية والحامية وتلك التي شاركت في فتح مصر، حيث ظهرت أرستقراطية عربية عسكرية ذات امتيازات، فشهدت قيام ثمّ سقوط «دولة العربان». الطور اللاحق سوف يشهد الهجرة الثانية للقبائل القيسية، وصعود «قطاع الطرق النبلاء»، وصولاً إلى حكم محمد علي. الفصل الثاني يناقش صورة «شيخ العرب» في المخيلة الشعبية المصرية، فإذا كانت صورة «العربان» في كتابات المؤرخين العرب والمصريين، منذ الفتح وحتى دولة المماليك، قاتمة ودموية كما وصفها ابن إياس والمقريزي وابن خلدون؛ فإنّ صورة «العربان البدو» لم تكن أحسن حالاً في كتابات الرحالة الأجانب والمستشرقين، إذ ظلت صورتهم مجموعة من «المتناقضات المركبة، فأخلاقهم تتراوح بين اللصوصية والشرف، وبين الشجاعة وصدق الوعد والخيانة ولؤم الطباع، بين الهمجية والنبل».
بعد هذا الفصل، القصير، تفرد المؤلفة فصلاً ثالثاً وطويلاً يتناول «غناوة» الحبّ (وهي أبياتٌ قصيرة موجزة مكثفة تدور في معظمها عن المحبة والفقد معاً)، في الشعر الشفاهي النسائي البدوي، وتشير إلى أنّ رحلتها الشخصية في جمع وتدوين نصوص هذا الفن الشعري الخاص بدأت مبكراً في إقليم الشرقية والفيوم حين كانت تعمل مدرساً مساعداً للبلاغة والأدب العربي. كما توضح أنّ دراستها لتلك النصوص لم تكن تتوخى تقصي الوضع الاجتماعي للمرأة بقدر ما سعت إلى «سبر أغوار فنّ الغناوة، كفنّ شعري شفاهي له مكانة كبيرة في الأدب الشعبي البدوي، والوقوف على طبيعته الجمالية».
البداوة ثقافة مروية، في يقين الطحاوي، وهي مبثوثة «في الحواديت والأهازيج والأغاني التي لا تشبه ما يشكِّل وجدان الآخرين» حول المؤلفة، وهي بالتالي تؤكد انتماءها الثقافي الخاص، فتقول عن «غَنَاوة العَلَم» التراثية مثلاً أنها «شكَّلت تلك الهوية الثقافية الخاصة وعبّرت عنها، وحفرت تأثيرها عبر مستويات أعمق من الملبس والمأكل والفولكلور». هي، استطراداً، شكّلت «ثقافة لها منظومتها القيمية التي نضجر منها، أو نسخر، ثم يقودنا الحنين إلى محاولة فهم أو محاورة قيمها السالبة والموجبة معاً»؛ وبذلك تضع الطحاوي نصّها «عبر عالم يراوح بين قيمة العشائرية والقبائلية وتعاطي المدنية في حاضرة يراوغها بالتعالي عليها والعُزلة عنها».
استكشاف السمات الجمالية الخاصة التي عكستها «غَنَاوة العَلَم» في الشعر الشعبي البدوي قادت الطحاوي إلى ربطها بما تسميه «الوجدان النسوي»، مشيرة إلى الدراسة الأنثروبولوجية الرائدة التي قامت بها الباحثة ليلى أبو لغد، في كتابها «مشاعر محجبة»، والتي أضاءت الكثير حول ارتباط هذا الفن بالحياة الاجتماعية للنساء، وقوانين التعبير الأنثوي في مجتمع «أولاد علي» الذي يمثل امتداداً قبَليّاً لعوالم الطحاوي البدوية المعيشة. ومع ذلك فإنّ غاية ّبنت شيخ العربان» لم تكن تطمح إلى تقصي الوضع الاجتماعي للمرأة بقدر ما كانت «تسعى إلى سبر أغوار فن الغَنَاوة، كفنّ شعري شفاهي له مكانة كبيرة في الأدب الشعبي البدوي والوقوف على طبيعته الجمالية».
وفي هذا كله تعتمد المؤلفة مزيجاً من ثلاثة مناهج في الواقع: الوصفي، والتاريخي، والاستنباطي. ذلك لأنها تصف واقع الحال الذي تعيشه هذه القبائل، سواء في تمثيلاتها المبكرة الموغلة في القدم أم الراهنة الحديثة؛ كما تعود إلى التاريخ، في وقائعه المتفق عليها أسوة بعدد غير قليل من أعمال المؤرخين والرحالة؛ وتستنبط، في ذلك كله، سلسلة من الخلاصات والنتائج المتنوعة، ثقافية واجتماعية وسياسية واقتصادية.
ولأنّ الطحاوي روائية في المقام الأول (لها «الباذنجانة الزرقاء»، و«نقرات الظباء» و«بروكلين هايتس»)، إلى جانب كونها أستاذة أدب؛ فقد اتسمت لغتها في هذا الكتاب بمزيج من التعبير السردي والصياغات الأكاديمية، فكانت الحصيلة لغة سلسة وشيّقة أوصلت العرض إلى القارئ بيسر وإتقان. كذلك تخففت من الاصطلاح غير الضروري، والأحرى القول إنها لجأت عملياً إلى ما تردد في بطون كتب المؤرخين والرحالة من توصيفات لقبائل البدو العرب في مصر، وطرائق عيشهم، ومفردات وجودهم إجمالاً. هنا، على سبيل المثال، ما تكتبه عن أحد الطقوس الاحتفالية «وثيقة الارتباط بالحضور الأنثوي كفاعل في التلقي، وفي الأداء الجسدي التعبيري. فالمرأة لم تكن فقط موضوعاً للغزل، بل كانت حاضرة جسدياً في ساحة الرقص، فاعلة بلغتها الجسدية والفيزيقية والرمزية».
والغالب على نهج المؤلفة النقدي هو البحث الثقافي الأنثروبولوجي الذي يُدرج مفاعيل النصّ المدوّن والشفاهي في قلب الظاهرة الاجتماعية، ويضع أنساق الوجود البشري المختلفة في سياقات ثقافية إلى جانب نظائرها الاجتماعية والاقتصادية والديموغرافية. والدراسة تُكمل أعمال المؤلفة الأخرى في هذا المضمار، مثل «محرّمات قبلية: المقدس وتخيلاته في المجتمع الرعوي روائياً»، و«امرأة الأرق: دراسة في كتابة المرأة»، و«الأنثى المقدسة: أساطير المرأة في الصحراء».
وقد استندت الدراسة إلى مصادر متنوعة باللغات العربية والإنكليزية والألمانية، وجمعت بين الإشارة إليها في الهوامش وتثبيتها في ختام الكتاب ضمن لوائح مستقلة. ولقد أحسنت توظيف هذه المصادر في السياقات الملائمة لكل مبحث، وحرصت على الإشادة الخاصة بتلك الأعمال التي شكّلت إضافات رائدة في ميادين دراستها، مثل كتاب ليلى أبو لغد «مشاعر محجبة: دراسة حول الدور الحيوي للشعر، وتحليل دور المرأة في مجتمع أولاد علي». وتجدر الإشارة إلى أنّ موضوع الكتاب سبق أن تناولته أعمال رائدة مثل كتاب أحمد لطفي السيد «القبائل العربية في مصر»، وعبد الله خورشيد البري «القبائل العربية في مصر»؛ ولكن جدّة هذه الدراسة تتمثل في قراءة الموضوع من زوايا ثقافية وأنثروبولوجية تُدرج مقداراً وفيراً من الموادّ الشفاهية والفولكلورية، وتخصّ شعر المرأة البدوية بقسط كبير من الدراسة والتحليل.
وترى الطحاوي أنّ الاضطرار إلى «التعايش مع النقيض الثقافي»، وهو في يقينها «الهاجس الذي شكّل تاريخ القبائل العربية في مصر»، لم يكن سوى الاضطرار للانسحاق في هذا الوعاء الثقافي الضخم، الذي اختلط فيه معمار النجوع القبلية بالقرى في دلتا مصر. ودراستها هذه حاولت رصد الكيفيات التي أبقت الثقافة الصحراوية «مسطورة» داخل التراث الشفهي لتلك القبائل، وهو ما شكّل هويتهم الحقيقية. والدراسة تنطلق، أيضاً، من هذا التاريخ الثقافي والتراثي للعربان في محاولة لاكتشاف تاريخ نزوح القبائل العربية إلى مصر، ومحاولات الاندماج والدمج القسري، وأشكال النزاع والصراع الثقافي مع ثقافة زراعية مستقرة، فضلاً عن صورة البدوي في المخيلة الشعبية المصرية، وتمثيلات حال التلاقي والافتراق في الشعر النسائي البدوي تحديداً.
دراسة طموحة، أنجزت الكثير من مرامي المؤلفة، وسجّلت خطوة إيجابية في الدراسات المماثلة التي عالجت المضمار ذاته.
ميرال الطحاوي:
«بنت شيخ العربان»
دار العين للنشر، القاهرة 2020
.334 صفحة