استشراء العنف المجتمعي في تونس: أسباب عديدة وراء الظاهرة والمعالجة عاجلة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: انتشر العنف في تونس بشكل لافت في السنوات الأخيرة، وطال جميع الميادين بدون استثناء، وبات ظاهرة بكل ما للكلمة من معنى، تؤرق المضاجع، وتسيل الكثير من الحبر، وتحتل صدارة الجدل في عدد هام من المنابر وفي مواقع التواصل الاجتماعي. فلا يمر يوم بدون حوادث تحصل هنا وهناك سواء في المؤسسات التعليمية أو الصحية أو القضائية، أو داخل الإدارات والمؤسسات العمومية، وفي الملاعب والقاعات الرياضية، والطريق العمومي وغيره من الأماكن العامة.

وحتى القابع في بيته قد لا يسلم من شتائم رواد مواقع التواصل الاجتماعي إذا ما اختلف معهم في الرأي بشأن مسألة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو رياضية أو حتى ثقافية، باعتبار الميل اللافت للعنف اللفظي من قبل رواد هذه المواقع من التونسيين ومحيطهم الذي لا يختلف عنهم كثيرا في هذا المجال. ويحصل ذلك رغم العقوبات المتشددة التي أقرها المشرع التونسي فيما يتعلق بالجرائم الإلكترونية والتي قد تصل إلى السجن إضافة إلى الضرر المادي والمعنوي المترتب عن السب والذم والقذف وغيره.
وفي هذا الإطار يرى الكاتب والباحث التونسي في علم الاجتماع هشام الحاجي في حديثه لـ «القدس العربي» أن العنف هو مرآة أزمة اجتماعية وتحولات محبطة شهدتها تونس في السنوات الأخيرة. فجميع المؤشرات تذهب برأيه بإتجاه التأكيد على أن العنف بجميع أشكاله ما انفك يتفاقم نتيجة التحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي شهدها البلد وهي تحولات سلبية ومحبطة إلى أبعد الحدود.
ويضيف: «لا شك أيضا أن العنف ليس دخيلا على المجتمع التونسي بل أنه سابق لما قبل 14 كانون الثاني/يناير 2011 تاريخ الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي. ولكن تفاقم الظاهرة هو وليد تساوق ثلاثة عوامل على الأقل، وهي غياب السياسات العامة في مختلف المجالات أو على الأقل ضعفها وعجزها عن تقديم حلول للحاجيات الأساسية للمواطن، وحالة العطالة التي أصابت المؤسسات الوسيطة بين المواطن والدولة وهو ما أضعف القدرة على الإدماج الاجتماعي وخلق ظواهر سلبية كالتسرب المدرسي والتفكك الأسري والبطالة المزمنة وغيرها من الظواهر التي توفر تربة حاضنة لنشوء العنف وتطوره. وأما الضلع الثالث لهذه العوامل المتداخلة والمتظافرة فيتمثل في ضعف تمثل القانون وما يولده من ثقافة الإفلات من العقاب وعدم المساواة أمام القانون وهو ما ينمي السلوك العدواني والعنيف لأنه يضرب أسس العيش المشترك. ويبدو أن الأزمة الشاملة التي تعيشها تونس تؤدي بالضرورة إلى مزيد تفشي العنف في المستقبل».
وقال الحاجي إن هناك عملا كبيرا يتعين القيام به للحد من تنامي العنف من أهم مداخله التصدي، من خلال إنجازات ملموسة لثقافة الإحباط خاصة لدى الشباب والتي برزت في السنوات الأخيرة وأريد لها أن تبرز. ومن الضروري في هذا الإطار أن يتم تطوير سياسات الإدماج الاجتماعي والمهني ولا بد من تكريس ثقافة عدم الإفلات من العقاب إلى جانب إتباع سياسات جديدة في التهيئة العمرانية والمجالية لأن الأحياء العشوائية ينتعش فيها العنف.

تهميش الشباب

من جهته يرى ابراهيم ريحاني الخبير في مجال الطفولة والأسرة والمستشار لدى قاضي الأطفال في حديثه لـ «القدس العربي» أن المتمعن في ظاهرة العنف التي تسربت في جميع المؤسسات والفضاءات في الشارع والملاعب والأسرة، وفي كل مكان لتصل في العديد من الأحيان إلى التخريب والسرقة والحرق والفوضى والمواجهات مع الأمن من قبل شباب وأطفال، هو في الحقيقة مشهد تصويري لسياسة تعاملنا مع أفكار ومشاعر هذه الفئة. لأن السياسة الحالية فكرت برأيه في كل شيء إلا في إستراتيجية في علاقة بمستقبل الأجيال المقبلة وهؤلاء الشباب. ولن يمكن لأي جهة معنية، بحسب محدثنا، أن تجد حلولا واقعية قبل تحليل وتشخيص هذا المشهد التصويري، إلا حين تتطور في نظرتها لواقع العنف في تونس اليوم والذي تحول من فعل منعزل إلى ظاهرة.
ويضيف محدثنا قائلا: «لقد أصبحنا اليوم نتحدث للأسف عن ثقافة العنف بعدما وجدت كل المؤثرات التي ساهمت في ولادة هذه الثقافة، فأصبحنا نراها في كل مكان، في المدينة وفي الريف، لدى الفقير والغني، لدى الأمي والنخبوي. حتى اللغة المستعملة باتت كلها عنف، وايحاءات نجدها حتى في التسويق الإعلامي في مختلف البرامج. ولعل ما عمق الفجوة والهوة بين الأبناء والآباء هو هذه الروافد الثقافية الجديدة البعيدة عن الهوية العربية الإسلامية المشبعة بالقيم والأخلاق».
ويضيف: «العنف وصل حتى إلى المؤسسات التي ننتظر منها الجدية وضبط النفس، ونقصد بالقول مجلس النواب المنحل والفضاءات السياسية وغيرها من المنابر الجدية التي من المفروض أن تعطي المثل في الانضباط واحترام الآخر والنقاش بالحجة وقبول الرأي المخالف». ويتابع: «لقد رأينا تفننا في استعمال العنف بشكل دوري ومستمر، وهذه الصورة النمطية التي أصبحنا نراها كل يوم ساهمت في جعل هذا المجتمع يقوم بعملية التطبيع مع العنف. فهذه الثقافة هي التي جعلت هذا الشباب وهؤلاء الأطفال يبتدعون لغة خاصة بعد أن تم القضاء على المؤسسة التربوية بانهيار صورة المربي من جهة وانتشار المخدرات داخل هذه المؤسسات من جهة أخرى».
وأكد ريحاني ارتفاع عدد المنقطعين سنويا عن الدراسة ووصل إلى 120 ألف منقطع وهي كارثة بكل المقاييس حصلت في السنوات الأخيرة، قابلها عجز الدولة في التعهد بهؤلاء ومرافقتهم أمام ارتفاع نسبة البطالة وانتشار ظاهرة التشغيل الهش والعلاقات الأسرية الهشة والبرامج السياسة الهشة والنخب السياسية الهشة والتوافقات الهشة وتدهور المقدرة الشرائية للفرد وتراجع نسب الاستثمار والتنمية. يضاف إلى ذلك عدم القيام بإصلاحات في المنظومة الإصلاحية أمام ارتفاع منسوب الجريمة باعتبار أن المؤسسة الإصلاحية هي التي تعيد تأهيل الطفل الجانح وتدمجه في المجتمع ليكون مواطنا صالحا.
كل هذه الظروف جعلت التقدير الذاتي لهؤلاء الشباب والأطفال سلبيا، والمقصود أن صورتهم على ذواتهم مهتزة نتيجة البيئة التي يعيشون فيها والمفعمة بالعنف والإحباط والسلبية والإقصاء والحرمان نتيجة غياب العدالة الاجتماعية. فلا يمكن لهذه البيئة المتدهورة أن تنتج شابا واثقا من نفسه ومن قدراته مقبلا على الحياة تحدوه رغبة في النجاح وخدمة المجموعة التي تشترك معه في الانتماء.

علاقة تفاعلية سلبية

ويتابع محدثنا بالقول: «تظهر هذه العلاقة عندما يشعر الفرد بالفشل وعدم تكافؤ الفرص وخاصة عندما يشعر بالتهميش والظلم من قبل المجتمع وأصحاب القرار، فتنتج لديه حالة غضب تصل أحيانا إلى درجة النقمة. وهذا ما يفسر ما يحصل اليوم في تونس من تفاقم لعمليات تخريب الممتلكات العامة والخاصة ومختلف أشكال ردود الفعل العنيفة .
كما أن للصورة اليوم تأثيراتها في كل مجالات الحياة البشرية، بما في ذلك تونس، حيث كسرت حاجز التلقي ولم تعد حكرا على فئة معينة، بل أصبحت تتوفر للجميع من خلال وسائل الاتصال الحديث. فالصورة اليوم هي الغازية وهي المغتصبة للذات والمنتهكة للحرمات الخصوصية بعد أن دخلت في صميم التكوين النفسي والعقلي للمجتمع والفرد، فهي التي تعيد إنتاج المجتمع وأفكاره وسلوكاته من خلال مضامينها.
وللأسف فإن الوقائع التي تعيشها بلادنا هي تصدير للعديد من الصور السيئة خاصة فيما يتعلق بالتعفن الحاصل في الوضع السياسي العام والذي فاق الوصف. إذ توجد في تونس بين السياسيين صراعات سياسية وليس صراعات على البرامج والتوجهات وسبل انقاذ البلاد، هو صراع البقاء والوجود ونفي الآخر، هو صراع من يجمهر أكثر. فالكل يساهم في خلق وتغذية هذا التعفن والطفل اليوم ليس في معزل عن هذه الأحداث والصور المتعفنة.
فهذه الأحداث تؤثر على سلوكات الطفل التي بات يطغى عليها العنف والتمرد على الضوابط والقيم الأخلاقية، لأن النخبة والطبقة السياسية هي التي كانت السبب في تصدير هذه الصور التي أوحت بالمس من هيبة الدولة والضوابط تحت منطق الحرية. فالمس بالمؤسسات وهيبتها هي من الأسباب التي جعلت أطفالنا يتمردون على الضوابط داخل الأسرة أو المدرسة، وهذا إلى جانب الضغوط الاجتماعية والاقتصادية وهيمنة الطبقة الفاسدة التي لا توجد إجراءات فعلية لمحاربتها. كل هذا أفقد الثقة ونمى الشعور بالإحباط لدى الطفل والشعور بأن حقوقه مهضومة في غياب العدالة الاجتماعية».

رسم تصورات وبرامج مستقبلية

ويعتبر محدثنا بأن محاربة ظاهرة العنف هي مصلحة عليا بعيدا عن الأنانية والصراعات، إذ لابد، برأيه، من رسم تصورات وبرامج وفق سلم زمني يتعرف عليه المواطن. ولا بد في هذا الإطار، وحسب ريحاني، من استرجاع الثقة وهيبة الدولة بتكريس العدل الذي يعتبر أولوية الأولويات، مع تغيير المنوال التنموي وإصلاح المنظومة التربوية. كما لابد، برأيه، من تكريس سياسة ثقافية تقدس الحياة والنجاح والعمل.
وعلى الأسرة أن تقوم بدورها، برأي محدثنا، وذلك من خلال وضع برامج لتربية طفلها ترسخ صورا إيجابية وتعيد لهذه الأسرة هيبتها لتقوم بدورها الحقيقي في تنشئة الأجيال. فالطفل السعيد، في وسط أسري متماسك، داخل مجتمع متعاون، يحترم مؤسسات الدولة، والضوابط التي تنظم عملها، يساهم لاحقا، في خلق مناخ للمواطنة الحقيقية وفي الرقي بواقع مجتمعه نحو الأفضل.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية