أوكرانيا ليست أفغانستان

حجم الخط
4

استطاعت القنوات التلفزيونية، مشكورة غير مأجورة، أن تدفعني للتخلص من عادة اكتسبتها منذ الحرب على العراق، وهي أن أنام والتلفزيون مفتوح، وإذا كان الجميع يقومون بإغلاقه قبل النوم، فان غاية ما أفعله هو اغلاق الصوت، وقد استمعت مؤخراً لجهبذ من الجهابذة، يقول لا بد من إغلاق الإضاءة لأن هناك هرمونا لا يفرزه المخ إلا في الظلام الحالك، وهو المسؤول عن النوم، فقد بدا لي أنه قول منجم، وقد كذب المنجمون ولو صدقوا، فأنا أنام بينما جهاز التلفزيون يضيء الحجرة، وإن كان المذيعون والناس نيام، وجوههم طفولية، وأصواتهم تدعو إلى النوم، فلم أجرب النوم على وجود «وحش الشاشة» جمال ريان، ليته يتوقف عن تويتر ومشاجراته، فهو يستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير!
والآن لم يعد يزعجنا أن نشاهد على الشاشة خبراً يتمدد بعرضها مسبوقاً بكلمة «عاجل»، الذي كان في السابق يهتز لهوله الوجدان، فقد جرى ابتذال «العواجل»، ولم تعد غالباً تعبر عن خبر مهم، وأعتقد لو قامت الحرب العالمية الثالثة في ليل المنطقة، فستكون القنوات التلفزيونية بحاجة إلى مفردة أخرى غير «عاجل»، أو سيكون حالنا كحال القوم، عندما أعلن مفتي الديار المصرية عبد اللطيف حمزة ذات عام أن غداً هو المتمم لشهر شهر شعبان، بناء على الرؤية السعودية، وإذ عدلت المملكة بعد منتصف الليل عن أقوالها، وقالت بل الغد هو بداية الشهر الفضيل، فقد فشل التلفزيون المصري بكل أدواته التقليدية في ابلاغ عموم المصريين بذلك، وكان طبيعياً في اليوم التالي، أن يدخل موظف مقر عمله وفي يده سيجارة، أو أن تجلس موظفة وهي تلتهم سندوتش الطعمية بالهناء والشفاء، فيجد هذا أو هذه من يقول لهما: إذا ابتليتم فاستتروا!

الحرمان من الطعمية:

يعايرنا عمرو أديب في برنامجه، بأننا قد حرمنا لموقفنا السياسي ووجودنا خارج مصر، من «الطعمية»، وبشرنا بأننا لن نشم رائحتها أبداً، وكأننا حرمنا من المحمر والمشمر، ولا يعلم غفر الله له، أن «الطعمية» وصلت إلى كل الأصقاع، بل إن مطاعم مصرية فتحت أفرعاً لها في الخارج، وعندما كنت في مدينة الضباب، فوجئت بمن يزف لي بشرى عظيمة وهي أن دعوته لي على الغداء، ستكون في مطعم فول وطعمية، وكان في سعادة البرتغاليين باكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح، لكني أحبطته عندما أخبرته أنه ليس في الأمر ما يبهج، واعتبرت تحديد نوع الطعام بالفول والطعمية هو شح مطاعم!
بيد أن ابتذال مفردة «عاجل» ليست هي السبب في تخلصي من عادة النوم على الأضواء الكاشفة للشاشة، فهذا ولد لدي حالة عدم الاكتراث، فلا أكلف خاطري بالانتباه لمجرد وضع «عاجل»، فالتخلص من هذه العادة سببه هذا الاستغراق غير المفهوم من القنوات التلفزيونية الإخبارية عامة في تغطية أحداث الحرب الروسية على أوكرانيا، والتنافس في ما بينها، وليس هناك شيء في هذه الحرب يدفعنا للاهتمام بها من خلال سير العمليات، فيكفي مجرد خبر في نهاية النشرة وقبل الانتقال إلى نشرة الأرصاد الجوية!
من قال للقابعين في غرف الأخبار أن المشاهد مهتم بخط سير العمليات في هذه الحرب، التي لا ناقة لنا فيها ولا جمل، ومع ذلك أثرت علينا تأثيراً كبيراً، ليس فقط في أزمة القمح، ولأنها سبب في ارتفاع الأسعار بشكل جنوني في كثير من دول المنطقة، لكن لأنها تحولت الى شماعة، يعلق عليها النظام المصري فشله، فتبدو القاهرة وقد تأثرت بالحرب أكثر من تأثير أوكرانيا بها، ونسب اليها انهيار الجنيه أمام الوحش المسمى بالدولار، مع أن الانهيار الاقتصادي في مصر سابقاً على حرب روسيا على أوكرانيا، وكذلك ارتفاع الدولار، وقبل كورنا بالتالي، والعملة الروسية ظلت متماسكة أمام الدولار، وان انخفضت فهو انخفاض لا يمثل عبئاً على المواطن!
فالاقتصاد المصري نجمه خفيف، يتأثر بالهواء العليل، فاذا هبت الرياح الشمالية الغربية، ارتفعت الأسعار في مصر، وإذا تشاجر صومالي مع زوجته في غرفة نومهما في أعالي البحار تأثر الاقتصاد المصري، وإذا كح الرئيس الأمريكي تداعى له الجنيه المصري بالسهر والحمى!
فقد أوذينا بالحرب على أوكرانيا بتأثيراتها الحقيقية والوهمية على السواء، فلا يعترف أهل الحكم في مصر، بأن السبب في ما نحن فيه هو الاندفاع لإقامة مشروعات لا تدر ربحاً، وفي إقامة أكبر مسجد وأفخم كنيسة وأعلى مئذنة، وأكبر سلسلة قصور رئاسية تنافس سلسلة كنتاكي، وفي الهوس بتشييد الكباري، وفي بناء ما يسمى بالعاصمة الإدارية الجديدة، وفي الاستغراق في الديون، وما تمثله من كوارث على الحاضر والمستقبل!
فقد جاءت لهم الحرب الروسية على أوكرانيا نجدة من السماء، وهذا لا يمنع من أن لها تأثيرات حقيقية، ربما نلاحظه من هذا الاهتمام الذي يبدو مبالغاً فيه بالاختراع الجبار، الخاص بتقليل الاعتماد على القمح، بزراعة البطاطا، فقد اكتشف أحد الخبراء أنه يمكن صناعة الخبز من البطاطا بصناعة خلطة من القمح ومن البطاطا الحلوة، ومنذ أكثر من أسبوعين ولا حديث في الإعلام في مصر إلا هذا الاختراع، والنظر الى صاحب الفكرة وكأنه اخترع الذرة!
وغير هذه التأثيرات، فلا أعتقد أن المشاهد العربي، يهتم بالحرب الروسية الأوكرانية، حتى وإن ظهر على الشاشة مئة مراسل، ومن كل أرجاء المعمورة ومن بلاد تركب الأفيال، ولتغطية العجز الخبر يتحول المراسل إلى محلل سياسي، يقول برأيي، وفي اعتقادي، وأنا أرى، فالنفخ في الحالة لن يخلق اهتماماً لدى مشاهد يرى أن الأمر مبالغا فيه!

البعيد عن العين:

حتماً فان قلوبنا مع الشعب الأوكراني، الذي يبدو أن الغرب قرر التضحية بآخر مواطن في أوكرانيا لو كان الثمن هو نهاية بوتين، حيث بدت حربه وكأنه قدم لهم الحبل الذي يشنقونه به، ومع هذا فهو ليس الاتحاد السوفيتي الملحد، الذي يتبنى العداء للدين، كما كانت تقول الدعاية القديمة، كما أن أوكرانيا ليست هي أفغانستان، التي ظل اهتمام الناس في المنطقة بالحرب فيها ممتداً مع امتداد سنوات الغزو الروسي إلى أن اندحر!
الاهتمام بالحرب على أوكرانيا ربما توقف بعد الأسبوع الأول، والخبر المهم سيكون بالاحتلال الروسي لها، أو في نجاح أوكرانيا في حمل بوتين على وقف الحرب، أما تفاصيل مقتل ثلاثة، وحرق دبابة، واطلاق صاروخ، فهو خبر روتيني لا قيمة له، وأوكرانيا بعيدة عن العالم العربي، وقديماً قال أحد الفلاسفة الإغريق: «البعيد عن العين بعيد عن القلب» صحيح أنها دولة معتدى عليها، لكن لا يوجد لدينا ترف الاهتمام بكل المعتدى عليهم، ونحن واقعونا تحت العدوان، فليس في قلوبنا متسعاً للتعاطف، والرئيس الأوكراني لا يتوقف عن التودد لإسرائيل ويطلب العزة عندها، والأمر عند العرب له حساسيته الخاصة!
عموماً، بالنيابة عن نفسي، وبالأصالة عن نفسي أيضاً، أتقدم بخالص الشكر لكل القنوات التلفزيونية الإخبارية، لاهتمامها المبالغ فيه بالحرب على أوكرانيا، لأنه بفضل هذا الاهتمام تخلصت من عادة سيئة!
فليفرز المخ المخزون الاستراتيجي من هرمون النوم، فجمال ريان ليس على الشاشة.

أرض – جو:

• لا شيء يعوض «شاهد على العصر»، فيظل أحمد منصور، (بكل ما فيه من عيوب أخصها أنه «هجام» و»عدواني»، ومن مميزات أخصها أنه يستعد لضيوفه بالإلمام بالتفاصيل، هو قيمة إعلامية كبيرة، ارتبط به «شاهد على العصر»، كما ارتبط به «بلا حدود» وجوداً وعدماً.
• منذ سنوات عدة بدأ نقل صلاة الجمعة عبر التلفزيون المصري، يشتت الأذهان بالتركيز على التصوير خارج المسجد، حيث المئذنة، وداخل المسجد حيث الزخارف، بعد أن كان التركيز قديماً على القارئ، والخطيب، والمصلين، يبدو أن القوم لديهم فائض كاميرات، أو أن المخرج «فنان تشكيلي».

* صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية