بعيدا عن الهموم… مع مديحة كامل

من الجميل أن تكون لك استراحة ولو قليلة مع الفن، بعيدا عن قضايا المجتمع السياسية وغيرها. أعرف أن الفنانة الراحلة مديحة كامل يمكن أن تثير حياتها كثيرا من القضايا، خاصة بعد اعتزالها في وقت شهد موجة من اعتزال الفنانات، لكن مديحة كامل هي بنت الإسكندرية الجميلة، وكانت ذات طلة مبهجة، ولعل ذلك ما شجعني على قراءة هذا الكتاب الذي عنوانه «مديحة كامل.. سنوات الظهور والاختفاء» الصادر عن دار الرواق المصرية. كذلك فإن مؤلف الكتاب صحافي شاب هو محمد سرساوي، عرفته صحافيا نشيطا وكاتبا للمقالات، وهذا هو كتابه الأول.
على عكس ما يمكن أن تتوقع من الكتاب الأول لأي أحد، وجدت بحثا جيدا في موضوعه، ونقاشا موضوعيا لقضاياه ومَراجع طيبة. ثمانية فصول قبلها تقديم للمؤرخ والناقد السينمائي أشرف غريب، ثم مقدمة المؤلف عن كيف أحبها الجمهور، فأخذت مكانها في قائمة فتيات الأحلام للشباب، لما تملكه من كيمياء خاصة وجاذبية وجهها المشرق الذي تعشقه الكاميرا. عن الميلاد والبداية نعرف أنها ولدت عام 1946 في الإسكندرية في شارع تانيس في كامب شيزار. كانت جميلة الجميلات. البعض يقول إنها ورثت الجمال عن أمها، والبعض يقول إن الأم وهي حامل كانت تتطلع إلى وجوه الجميلات من فاتنات الشارع.. شارع تانيس وما أدراك ما شارع تانيس ذلك الوقت. هذه من عندي أنا الذي همت يوما بالشارع فصار مكان روايتي «الإسكندرية في غيمة». جمال أمها جعل أنور وجدي الذي قابلها صدفة يطلب منها أن تقوم بالتمثيل في فيلم «طلاق سعاد هانم». في أول يوم تصوير علم زوجها والد مديحة كامل، التاجر صاحب مضارب الأرز في الإسكندرية، فذهب غاضبا يحمل مسدسا إلى البلاتوه، وحدثت مشاجرة كبيرة انتهت بخروج الأم دون تصوير واستبدلها أنور وجدي بعقيلة راتب. عشقت مديحة كامل السباحة ورأت أن الحياة مثل السباحة، لا بد من أن تعرف قواعد اللعبة فيها وإلا غرقت. كان أبوها رغم رفضه للتمثيل يشجعها علي السباحة ومشاهدة المسرح والأفلام، وتجلت موهبتها في المدرسة. في الابتدائية تعلمت في مدرسة الراهبات الإنكليزية والفرنسية، ما أفادها كثيرا في ما بعد في فيلم «الصعود إلى الهاوية» وفي المهرجانات العالمية.

في مدرسة الشاطبي الإعدادية ظهرت مواهبها في الألعاب الرياضية، البنغ بونغ والجمباز والسباحة وكرة السلة. أحبت التمثيل فاشتركت في مسرحية «رابعة العدوية» في المدرسة في مسابقة على مستوى الجمهورية، ونالت المدرسة كأس الجمهورية، وحصدت هي المركز الأول في التمثيل. جذبتها مسلسلات إذاعة الإسكندرية فاشتركت فيها. لفتت الأنظار بجمالها ورشاقتها وهي بعد في الخامسة عشرة من عمرها، فرشحت للاشتراك في عروض الأزياء في الإسكندرية ثم القاهرة في ما بعد. تم تأميم مضارب الأرز لأبيها فانفصل الوالدان لتوتر أعصاب الأب. انتقلت الأم إلى القاهرة في عمارة «آل قاسم» في شارع شريف. كان في العمارة مكتب المخرج والمنتج حسين حلمي المهندس، وبيت للأزياء اسمه «لولا وشوشو» وأمام المبنى عمارة الإيموبيليا التي تعتبر خلية للنشاط السينمائي، صار لها مثل أعلى هو كلوديا كاردينالي وهند رستم، وكانت تسعد دائما حين تلتقي صدفة هند رستم في مصعد العمارة. شقت طريقها في عروض الأزياء حتى عام 1964 حين ظهرت لأول مرة في فيلم «فتاة شاذة» وقد اختارها لأداء الدور المخرج أحمد ضياء الدين، الذي قابلها في مصعد العمارة وأعجب بها. يسمي المؤلف أسانسير العمارة بأسانسير المفاجآت حيث قابلها الممثل والمنتج حسن حامد فأشركها في دور ثانوي في فيلم «باسم الحب» الذي كان من بطولة لبني عبد العزيز. ثم رحلة مساهماتها العديدة في أدوار ثانوية في أفلام مثل «المراهقان» وغيره.

يقسم الكاتب حياتها إلى أربع محطات. الأولى لثلاث سنوات بأدوار ثانوية. الثانية بأدوار البطولة الثانية. الثالثة مرحلة البطولات المطلقة مثل «الأفعى» و»الصعود إلى الهاوية» و»أشياء ضد القانون» والمحطة الرابعة والأخيرة والأكثر نضجا وتحكما في أفلام مثل «الرغبة» و»عيون لا تنام» و»ملف في الآداب» و»مشوار عمر».

كانت قد حصلت من قبل على لقب فتاة الشاطئ في إحدى مسابقات الجمال على شاطئ الإسكندرية، وظهرت صورتها على غلاف مجلة «الكواكب» فانفتحت لها السينما. كانت قد تزوجت وهي في الثانية الثانوية من أحد أصدقاء أبيها، وكان رجل أعمال، وقد وافق على أن تقوم بالتمثيل، لكنه مع دخولها الجامعة لم يوافق على التمثيل، فتوقفت ثلاث سنوات أنجبت فيها ابنتها «ميرهان» وبدأت تشعر بالملل من الحياة الزوجية الرتيبة فتم طلاقها، وأخذت طفلتها لتعيش وحدها. رحلة تفصيلية مع الأفلام التي قامت فيها بأدوار ثانوية، وأفلام بيروت وسوريا الجريئة مثل، «قطط شارع الحمرا « ومع أكثر من زيجة. عرفت طريق المهرجانات العالمية مع عرض فيلم «أغنية على الممر» في بولندا وغيرها. كانت دائما تسرق الكاميرا من الضيوف بجمالها وإتقانها للغات، لكنها حوصرت في مناطق الإغراء. فكّرت في الإنتاج، بل الإخراج وكتابة قصص الأفلام وقاطعت أدوار الإغراء، فمثلت في فيلم «زائر الفجر» ولو في مشاهد قليلة، ثم فيلم «الكداب» الذي ساعدها كثيرا على الصعود إلى قمة النجومية حتى دخلت القمة بفيلم «الصعود إلى الهاوية» المستوحى من ملف المخابرات المصرية، والتي شاركت فيه محمود ياسين وكان من إخراج كمال الشيخ. اعتذرت عن الفيلم سعاد حسني ثم نجلاء فتحي وميرفت أمين، لأن دور الجاسوسة يمكن أن يؤثر في جمهورها، ورغم تحذير أصدقاء مديحة كامل لها من الدور إلا أنها وافقت. تم تصوير الفيلم في باريس في رحلة يصفها الكاتب بروعة في شوارع باريس، حين سئلت في حديث صحافي كيف قبلتِ الدور وهو مكروه، قالت ليس في الفن أدوار مكروهة وغير مكروهة، والجمهور واع جدا.
يقسم الكاتب حياتها إلى أربع محطات. الأولى لثلاث سنوات بأدوار ثانوية. الثانية بأدوار البطولة الثانية. الثالثة مرحلة البطولات المطلقة مثل «الأفعى» و»الصعود إلى الهاوية» و»أشياء ضد القانون» والمحطة الرابعة والأخيرة والأكثر نضجا وتحكما في أفلام مثل «الرغبة» و»عيون لا تنام» و»ملف في الآداب» و»مشوار عمر». شغلت أفلامها الصحف والنقاد وحصلت على عدة جوائز، فيسميها الكاتب صائدة الجوائز، مثل جائزة الدولة التشجيعية عام 1983عن فيلم «أشياء ضد القانون» وجائزة المركز الكاثوليكي عن فيلم «عيون لا تنام» وجائزة الكتّاب والنقد عن فيلم «بريق عينيك» والجائزة التقديرية في مهرجان سينما البحر المتوسط في الإسكندرية، عن دوريها في فيلمي «القط أصله أسد» و»لكن شيئا ما يبقى». رحلة ممتعة بعد ذلك مع أفلامها مع المخرجين محمد خان ومحمد عبد العزيز ورأفت الميهي وعاطف الطيب، وأشهر أفلامها كيف بدأت وكيف تمت، وما أثير حولها والرقابة وتهديدها من معجبين أو كارهين، ورحلة مع أفلامها مع الكاتبة ماجدة خير الله، ومع أفلامها المستوحاة من أعمال أدبية، حتى ندخل في قصة اعتزالها التي بدأت كإشاعات ثم صارت حقيقة. كيف كان قرار اعتزالها صدمة. ما أثير حول دور الشيخ الشعراوي؟ أم هي التي رأت أجمل أصدقائها يموتون ومنهم الموسيقار عمر خورشيد، الذي كانت معه في السيارة في الهرم حين وقعت حادثة موته، وما أثير حول الحادثة من قصد أو من تربص، فصارت ليلة 28 مايو/أيار، ليلة الحادثة، تطاردها في كابوس كل الوقت. بدأت في قراءة القرآن والاستماع إلى تسجيلاته، كذلك إصابتها بجلطة في الساق اليسرى لأكثر من مرة ورحلة علاجها. لم تثر ضجة باعتزالها، وصارت تحضر لقاءات دينية، لكنها لم تتبرأ مما قدمت من فن مثل غيرها. كانت قارئة مثقفة لديها كنوز من الكتب والفيديوهات. لم تفارق ابنتها ميريهان حتى بعد زواجها، وظلت علاقاتها مع زملائها واصدقائها في الوسط الفني، وكانت تذهب إلى السينما تشاهد أفلامهم، وتعتبر دائما اعتزالها قضية شخصية لا تهم أحدا، حتى توفيت ليلة 13 يناير/كانون الثاني 1997 في أول يوم من رمضان في بيت ابنتها.
ينتهي الكتاب الجميل بملحق لأهم آراء ومقالات النقاد عن أفلامها. من أجمل ما في الكتاب أحاديث مديحة كامل الصحافية التي تعكس ثقافة وفهما رائعا للفن والحياة.

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية