متى يكتب السيسي لـ«فضائيات وأرضيات»؟!

حجم الخط
6

تجلس المرأة أمام التلفزيون بالساعات تشاهد بإنصات واهتمام بالغين، برامج الطهي، وعندما تذهب للمطبخ، فلا شيء مما شاهدته، ولكنها هي نفس الأصناف التي انتقلت عبر الأجيال، وهذا من حسن حظ البشرية؛ ذلك بأن كثيراً مما يقدم هو اختراعات تهتم بالشكل، وبعيدة الصلة بالذوق العام وقد تتسبب في كوارث للجنس البشري إذا الجمعان التقيا؛ الأكل والأكيلة!
والطهاة معذرون، فبرامج الطهي تخاطب اهتمام المشاهدين (المشاهدات للدقة)، لكنها بدلاً من أن تكون فقرة كل أسبوع، صار الطاهي من هؤلاء يقدم برنامجاً يومياً، وقد أطلقت قنوات من بابها خاصة بذلك، والمطبخ المصري فقير بطبيعته، فيمكن لنا أن نعرف كيف أصبح عنوان هذه البرامج هو «العك»، لأن المخترع هنا يلجأ الى وصفات غير مجربة لملء الهواء وتقديم الجديد، فيخلط ما لا يختلط، ويجمع بين ما لا يجتمع، لأنه بطبيعة تكوينه ليس مطلعاً على مطابخ الغير، ولو أكلات الدول الشقيقة والصديقة، وفي برامج ينفق عليها ببذخ، وليست فقيرة مثل البرنامج الذي كانت تقدمه قناة «مكملين» في شهر رمضان، عندما كانت تبث ارسالها من إسطنبول، وبدلاً من أن تستغل هذا وتطلع المشاهدين والمشاهدات، الأحياء منهم والأموات، على المطبخ التركي وتنوعه، فقد كانت الأصناف لا تخرج إلا عن دجاجة واحدة يتيمة لزوم التصوير، يتم تقليبها في كل حلقة، ذات اليمين وذات الشمال، وبدت لي كما لو كانت «عهدة»، على الطريقة الحكومية البيروقراطية، ومن عملوا في دهاليز الإدارات الحكومية، يمكنهم أن يعرفوا معنى أن الإدارة تكون قد صرفت دجاجة وفق مفهوم العُهدة!
ما علينا، فقد تحولت برامج الطهي لكثافتها إلى ما يشبه الفرض، فلا يكتمل المسمى التلفزيوني إلا بوجودها، وحتى «الجزيرة» كانت تقدم فقرة في برنامجها الصباحي، الذي توقف بعد الحرب على أوكرانيا، والذي كنا ننتظر وقوع حدث كبير، حتى يكون هذا مبرراً لتوقفه، وإذ عادت كثير من البرامج بعد توقف، ولم يعد هذا البرنامج، فقد دعوت الله، والحجيج على جبل عرفات، ألا يكون قد نسوه في الزحام، ولكن أن يكون قد توقف مع سبق الإصرار والترصد، ليذهب هو ومطبخه، والذي وإن كان يُقدم بشكل مختلف، لا سيما في رمضان، إلا أنه البرنامج بمطبخه بدا للمشاهد كما لو كان رقعة دخيلة في الثوب!

أنا والسيسي

ما سبق هو ما يمكن أن يقوله ناقد تلفزيوني، أمام هذه الغابة من برامج الطهي والطبخ، لكن أن يكون هذا موضوع نقد من الجنرال عبد الفتاح السيسي، فهذا هو الجديد، إلا إذا تبادلنا أنا وهو المواقع، فيصبح هو ناقد تلفزيوني يكتب هذه الزاوية «فضائيات وأرضيات»، وأصبح أنا رئيسا للبلاد، لأنه لا يحل له، وهو الرئيس المهمين على التفاصيل في مصر، والقنوات التلفزيونية في قبضته، أن يشكو من ذلك، ويقول في محفل من قومه، أنه كلما ذهب الى القنوات التلفزيونية يجدها «مطابخ»، ثم يسأل في دهشة واستغراب عظيمين: هل ننتظر من يعلمنا كيف نأكل؟!
كلام في محله فعلاً، لولا أنه في حكم الشاكي وما به داء، فالإعلام المصري برمته مملوك له، عدا «صدى البلد» المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العينين، و»تن» المملوكة لدولة الإمارات العربية المتحدة، ونعلم بطبيعة الحال أن مجموعة قنوات «أم بي سي»، بما فيها «أم بي سي مصر» مملوكة للمملكة العربية السعودية.
وقد هبط المستوى بشكل عام في الإعلام المصري المملوك له، ليس إلى حد الاسراف في برامج الطهي، ولكن في العودة به إلى زمن صحافة «أين ترعرعت سيدتي»؟ وعندما تأتي أجيال جديدة وتطالع هذه البرامج والمواد الصحافية المنشورة، لن تمتنع من أن تبصق على جيلنا، فالصحافة كمهنة انتهت، ولأننا في زمن لم تعد فيه «سيدتي»، فالاهتمام منصب على أخبار الزواج والطلاق، لياسمين وشيرين، وآخر خبر أثار اهتمام الصحافة المصرية المملوكة للسلطة، هو الإعلان عن طلاق ياسمين من بعلها، وكيف أن الزواج مرده إلى أنه يفتقد الخبرة في التعامل مع «الستات»، وأنها من الصعب أن تُفهم، وهذا نقلاً من صفحتها عبر تويتر، وهي مادة يتم نقلها نقل مسطرة، بدون اهتمام بضبط الصياغة، أو حتى التدقيق في صحة المنشور!

بغرض الإلهاء

ومع هذا الانغماس في التافه من الأمور، فان الإعلام في سيطرته التي هي من حديد، لا يمارس العمق مع ما يقدم، فقد سبق لها أن أعلنت عن طلاقها مع واقعة الانتحار، التي نقلت عنها وما كتبته على صحفتها، دون أدنى اهتمام بالوصول للخبر من مصادر محايدة، مثل المستشفيات الثلاث، التي قالت إنها نقلت اليها، ومثل النيابة والشرطة، فمحاولات الانتحار ليست شأناً خاصاً بين من حاول والمستشفى، فلا بد من حضور الشرطة، لتحرير محضر بالواقعة، ولا بد من قيام النيابة باستجوابها، ولسنا على يقين من أن هذا كله قد حدث، وكأن ما يحدث يتم باتفاقات مع أجهزة السلطة بغرض الإلهاء!
وإذ كتبت أنها تعرضت لسرقة من مجوهراتها في أحد المستشفيات ممن وصفتهم «ملائكة الرحمة»، اللاتي سرقنها ثم تصورنا معها بصفتها نجمة كبيرة، مع أننا لم نشاهد طبيباً أو ممرضاً نشر على صفحته شيء من هذا، فهنا وجدت نفسها وقد وقعت في شر أعمالها، لأن جهات مسؤولة كنقابة التمريض بدأت في التحرك لرفع الاتهام عن عضواتها، فقد تراجعت عن الاتهام واعتذرت عنه، وقالت إن مساعدتها أخبرتها أن الممرضات قمن بتسليمها المجوهرات، وقد نسيت ابلاغها بذلك، لاحظ أن ذلك كان بعد عدة أيام من استردادها لعافيتها وكتابتها لمنشور محاولة الانتحار الذي اهتمت به الصحافة والتلفزيون!
صحيح أن برامج الطهي سابقة على هذا الأداء المنهار للإعلام، لكن لا يحل للجنرال أن يسطو على موقع «الناقد التلفزيوني» إلا إذا كان هذا مقابل تبادل المواقع، فيصبح هو ناقداً وأصير أنا رئيساً، ولو مؤقتاً، بدلاً من هذا العدوان على اختصاصنا الوظيفي، وهذه المزاحمة في «أكل العيش»، فيمكنه ببساطة شديدة أن يضبط الإيقاع بحكم أنه المالك لهذه القنوات التلفزيونية ووسائل الإعلام الأخرى، ولن يكلفه هذا سوى التنبيه على الضابط الذي يدير هذه الاقطاعيات الحكومية، عبر رسائل سامسونغ، وقد خرجت مصر في عهده التليد من المنافسة تماماً في مجال الإعلام، وفي بلد عرف الصحافة، و في وقت لم تكن فيه بلدان في الشرق والغرب على الخريطة، وأطلقت أول إذاعة في المنطقة، كما عرفت التلفزيون مبكراً، ومن العيب أن يكون هذا هو الإعلام المصري بعد كل هذا! لمن يشكو السيسي؟ وممكن يشكو؟ وهل هناك أحد في مصر يقدح من رأسه؟!
والسؤال المهم، متى يكتب لهذه الزاوية؛ «فضائيات وأرضيات»؟!

أرض جو:

في المؤتمر الصحافي الذي عقده المنسق للحوار الوطني ضياء رشوان، طلب أحد الإعلاميين منه التدخل لدى الحكومة للدعوة إلى عقد الجمعية العمومية لنقابة الإعلاميين، لكنه تهرب من الموضوع، فواضح أن الوضع القائم يقع ضمن نفوذ مراكز القوى!
لقد تأسست النقابة المذكورة، ونص قانونها على أن يعين رئيس الحكومة نقيباً ومجلس إدارة مؤقتاً لمدة ست شهور يفتح خلالها باب العضوية، ثم يتم اختيار النقيب والمجلس بالانتخاب، وهو أول إجراء استبدادي، لأنه يسمح بتدخل السلطة التنفيذية في أعمال النقابات التي هي هيئات مستقلة بحسب الأصل والفصل، ولا يجوز أن يقال إنها الضرورة التي فرضتها البدايات، فقد تشكلت لنا خبرة بالممارسة تمنع تغول الحكومة على اختصاص النقابات، وقبل (76) عاماً عندما تأسست نقابة الصحافيين، ولم تكن لدى مصر الخبرة الكافية في ذلك، كان التأسيس عملاً خاصاً بشيوخ المهنة، وساعدهم القضاء في عملية الضبط القانوني وضبط العضوية في مرحلة التأسيس قبل الدعوة السريعة لعقد الجمعية العمومية الأولى!
لقد نص قانون نقابة الإعلاميين على أن المجلس المؤقت هو لستة شهور فقط، لكنه مستمر من 2018 وإلى الآن، فلم يقتصر الأمر على مخالفة الأصول، ولكن وعلى مخالفة القانون نفسه!
إنها سلطة البزراميط.

 صحافي من مصر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية