في حكاية عادية ومُتكررة تظهر التفاصيل الدقيقة في السيناريو الذي كتبه عمرو مصطفى، كي يُشير إلى قسوة الحياة على رجل مُسن سقطت ذاكرته مع تقدم العُمر وتعاظم الهموم فصار كورقة شجر جافة في مهب الريح، إنها مأساة الكبار التي يغفلها المُجتمع فلا يوفر المأوى أو الحماية لمن وهن عظمه وخارت قواه وتخلى عنه فلذات الأكباد ليُصبح بين عشية وضحاها خالي الوفاض من كل شيء، المال والبنون والذاكرة.
عمرو مصطفى مخرج الفيلم هو ذاته كاتب السيناريو والقصة، وصاحب الرؤية المُكثفة في الزمن الدرامي القصير الذي لم تتجاوز مدته الثماني دقائق، وهو ما يوحي بأن التجربة الإنسانية بأبعادها وظلالها النفسية ومكونها العاطفي ليست بعيده تماماً عن خبرات عمرو ومشاهداته اليومية، ولعلها لامست بقوة شعوره الخاص فآثر أن يحولها إلى فيلم قصير لإعلان احتجاجه على مستوى الإهمال الذي وصل إليه حال البؤساء من كبار السن المنسيين في خضم الحياة والانشغال بالتجارة والبزنس وإيقاع الحياة الصاخب، الدافع إلى الجنون والانزواء والاكتئاب والوحدة، والمُفضي بالضرورة إلى الموت كمداً!
تلك هي مُعطيات الفيلم ومقاصده، فرغم أن الأحداث بدأت بشكل رومانسي مع صوت عبد الوهاب الرخيم وموسيقاه العذبة وأغنيته الشهيرة «يا مسافر وحدك» إلا أن المضمون جاء مُغايراً للإيحاءات، اللهم إلا التوافق في حالة الشجن ورمزية التوظيف الموسيقي والغنائي بالإسقاط على حالة البطل، عم حمدي الذي هجره أولاده وضاقت به جُدران البيت الذي قضى فيه عمره وأيام شبابه فتبناه الشارع كأحد نزلائه الدائمين.
والغريب في قصة فيلم «الغافل» أنها لا تشابه القصص الأخرى في الأفلام التي عرضت لمآسي الكبار من مرضى الزهايمر والمُشردين، فالحكاية لا تقتصر فقط على العناوين العريضة للجحود والعقوق ونكران الجميل لمن ربى وكبر وعلم من الآباء والأمهات، لكن جُل المأساة في ذلك الاختلاف والانحراف بالمعنى العميق إلى ما هو أشد قسوة وألماً، فمن فرط في ذويه لم يرتكب فقط جريمة إنسانية وأخلاقية فحسب، لكنه أمعن في القسوة فقيد أبيه أو أخيه ضمن الموتى باعتباره هما وعارا لا بد أن يواريه!
هذا الانعطاف الدرامي الذي يُشير إليه الكاتب بشكل ضمني على لسان أحد أبطال الفيلم في سجال سريع مع صديقه حول مصير عم حمدي، الذي وجده صدفة يهيم على وجهه في الشارع، وقد زاغ بصره وذهب عقله، حيث تأكيد الطرف الآخر، أن الرجل مات وشبع موتا، وأنهما دفناه معاً، حالة خاصة جداً من الاعتراف الصريح بالتجاهل ونسيان الفكرة والموضوع برُمته، فلا كان هناك رجل بهذا الاسم ولا أصبح موجوداً.. حُكم بالإعدام على الأب والإنسان ومحاولة طي سيرته وإيداعها مجاهل النسيان حتى لا يبين لها أثر.
إنه مستوى آخر من الطرح الدرامي التراجيدي للقصص العائلية والإنسانية الموجعة، واقتراب مباشر من كارثة بيع الروح والكيان بلا أدنى إحساس بالذنب أو الشفقة، وهو التطور التشريحي لمُجتمع يعاني من اجتياح الثقافة المادية له وارتقائها فوق كل شيء، بما فيها آدمية الإنسان وحياته وآلامه ومحنته، حيث تحولت المشاعر إلى محض أرقام في دنيا الحسابات والمكسب والخسارة.. ما هو العائد المادي المُنتظر من فكرة التسامي والتراحم والمودة والرحمة، كل هذه البنود لم يعد لها سوق في الحياة المُعاصرة، بل أنها قيمة سلبية تُضاف إلى رصيد الخسارة لو شغل الإنسان نفسه بها!
هذا هو محور الحدوتة في الفيلم، فلا قيمة لمن ليس له قيمة مادية مرئية وملموسة، فأقرب الناس هم ألد الأعداء لمن فقد ماله وهيبته وعقله، الفكرة ذاتها بالغة القسوة والألم، لكنها في الوقت ذاته شديدة الواقعية، ولكي تكون مؤثرة بالشكل المطلوب درامياً حاول الكاتب والمخرج عمرو مصطفى أن يضعها في قالب ساخر كاستخدام أغنية عبد الوهاب وإيقاع موسيقاها الراقص المُبهج على أصعب المشاهد، غير أن الاستهلال نفسه جاء مُفعماً بالنشاط والحيوية فزاد من جرعات السخرية والتهكم ووضع العديد من علامات التعجب حول النزوع الإنساني الغائب من قلوب الشخصيات العدمية الميتة والمُميتة، والضالعة في الجحود والمُتعايشة مع أسوأ خصالها الإنسانية، في فصام كامل عن طبيعة النفس البشرية التي ميزها الله عن سائر خلقة بالرحمة والتراحم.
الفيلم القصير «الغافل» رغم وضوح فكرته وجلاء مغزاها، إلا أن شيئاً ما غامض في العنوان عن معنى الغافل.. ومن هو بالتحديد؟ هل هو البطل المسكين عم حمدي فاقد الذاكرة.. أم أن العنوان ينسحب على كل غافل ترك أعز ما لديه وانشغل بنفسه؟ كان حرياً بالمؤلف أن يكتب عنواناً أكثر وضوحاً يتماشى مع الفكرة، فالبطل كما رأيناه هو ضحية لغفلة الآخرين عنه، ومن ثم لا يصح أن يكون هو نفسه الغافل، إذ لا يستقيم المعنى بأن يكون البطل المريض المُهمل جانياً ومجني عليه في وقت واحد!
كاتب مصري