بين العربية الفصحى واللهجة القاهرية تتخبط الدراما التاريخية

كمال القاضي
حجم الخط
0

يكثُر الحديث عن التقصير الدرامي والسينمائي في الأعمال التاريخية والدينية وتتصاعد حدة الخلاف والجدل بين النقاد والمُنتجين في ما يخص فرضيات العمل التاريخي ومُعطيات توفيره على الشاشة، كرافد ثقافي مهم يضطلع بنقل المحتوى التاريخي والديني من صفحات الكتب إلى حيز الوجود الفعلي بالعالم المرئي الذي صارت له الأولوية الآن في المُتابعة الجماهيرية والشعبية، بعد انتشار الفضائيات والمنصات الإلكترونية التي تتضاعف يوماً بعد يوم وتزداد سطوتها وتأثيرها بفعل التطور الطبيعي لوسائل الاتصال والتواصل التكنولوجيين.
وعلى الرغم من الانشغال الكبير بقضية السينما التاريخية والدراما الدينية والحماس الشديد للدفاع عنهما من جانب الباحثين والمُهتمين وبعض المُبدعين، إلا أن حلقة وصل بالغة الأهمية نجدها مفقودة دائماً في جميع الأعمال التي سبق إنتاجها وزعم كُتابها ومخرجوها ومُنتجوها أنها تاريخية ناطقة باللغة العربية الفصحى، في حين أنها لا تمت في نُطقها اللغوي إلى اللغة العربية السليمة بصلة، اللهم في عدد قليل لا يُذكر من المشاهد، وهو خلل معيب في التكوين الدرامي للأعمال التاريخية يُفقد مُعظم الأفلام والمُسلسلات مصداقيتها وواقعيتها!
ويتمثل العيب المُخل والمُتكرر في ذلك المزج العفوي والتلقائي بين اللغة العربية الفصحى بقواعدها النحوية وجرسها اللغوي، وبين اللهجة القاهرية التي يتحدث بها الأبطال بغير انتباه لفقدان العنصر الجوهري الأصيل للغة العربية وهو انضباطها وانفصالها عن العامية الدارجة المُستخدمة في المُعاملات اليومية بين عوام الناس، كونها لهجة اكتسبت أهميتها وحضورها القوي من ثقافة المدينة واعتياد اللسان على النطق بها عبر قرون طويلة وتوارثها من جيل لآخر.
الغريب أن من يكتبون الأعمال التاريخية هم صفوة من المُتخصصين البارعين في هذا اللون الدرامي، وبالقطع هم يكتبون السيناريو والحوار باللغة العربية الفصحى ويحصلون على الموافقات الرقابية الخاصة بالمراجعة وتدقيق الأحداث والوقائع والشخصيات المحورية محل التوثيق.
ومن الطبيعي أن يستمر ميزان التوجيه من جانب المخرجين على هذا النسق من الدقة، لكن ما يحدث فعلياً عكس ذلك. فالمخرج يترك للمُمثلين والأبطال حرية الأداء والتقمص فيؤدي المُمثل المشاهد حسب ما تعود ويتمادى في قلب الحروف والكلمات فيتحول النطق من العربية الفصيحة إلى العامية القاهرية ويظهر ذلك جلياً في الحروف التي تحتاج إلى تعطيش كحرف الجيم على سبيل المثال وعليه ينسحب الخلل إلى مُعظم الكلمات فيصير الحوار كله بعيداً عن قواعد اللغة القويمة والنطق السليم.
وهذه المُشكلة غالباً ما نجدها شائعة أيضاً في المُسلسلات الريفية، حيث الخلط بين اللهجة الجنوبية بجرسها ووضوحها وخصوصيتها وبين غيرها من اللهجات. فالممثلون لا يعرفون الفوارق بين اللهجات، ومن ثم يستسهلون اللهجة القاهرية فيعممونها في كل الأعمال، ومن باب التمييز والاختلاف يمدون حرفاً أو يكسرون حرفاً أو يجرون حرفاً في كل كلمة ليظهروا تمكنهم ووعيهم بما تقتضيه الحالة الإبداعية، وهكذا يؤدي كل منهم دوره بسلام وتُعبأ الحلقات في الأشرطة حاوية كما من الأخطاء التي تؤثر سلباً على المضمون.
والشيء نفسه يحدث في معظم الأفلام لأن أحداً لا يهتم بالمراجعة ولا يكترث بالمخالفات اللفظية واللغوية طالما هناك استيعاب وتفاعل وقبول.
والغريب أن كبار المخرجين غابت عنهم هذه النقطة المفصلية والجوهرية، لا سيما في المُنتج الفني الديني والتاريخي، فسواء كان المخرج يوسف شاهين أو مصطفى العقاد أو شادي عبد السلام أو صلاح أبو سيف أو حسام الدين مصطفى أو غيرهم ممن قدموا أعمالاً سينمائية ودرامية كبرى، فجميعهم جانبهم الصواب في إدراك أهمية النطق الفصيح للجُملة الحوارية بعيداً عن ربطها باللهجة القاهرية، وقد حدث الخلط المُشار إليه في أفلام مثل «الناصر صلاح الدين» و«الرسالة» و«فجر الإسلام» وتكرر في مُسلسلات منها «الأبطال والفرسان» و«صقر قريش» و«ابن حزم» و«عصر الأئمة» وغيرها الكثير.
أعمال قليلة استثنائية عالجت مُشكلة النطق لدى المُمثلين والأبطال ولم تظهر فيها العيوب والأخطاء الشائعة وهي الأعمال التي أسندت فيها أدوار البطولة لبعض النجوم العرب كمسلسل «عمر» الذي قام ببطولته الممثل السوري سامر إسماعيل وجسد فيه شخصية أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب، وكذلك تفوق الممثل الإيراني مصطفى زماني في تجسيد شخصية سيدنا يوسف عليه السلام.
وقد جاءت الترجمة العربية لمُسلسل «يوسف الصديق» خالية من أية أخطاء لغوية، ما أدى إلى النجاح المُذهل واكتساب العمل التاريخي الكبير شهرة واسعة، وهو ما يؤكد أن الأخطاء الفنية وعدم الدقة في اللغة يؤثران بشكل كبير على التقييم الجماهيري العام، حيث يكون الحُكم الأولى للمُتلقي مرهونا بصدق الأداء وقدرة المُمثل على الإقناع وهو الشيء المُفتقد في كثير من مواد الإبداع الدرامي لأسباب عديدة يأتي في مُقدمتها عدم الاتقان اللغوي والجهل بقواعد النطق والأداء والإلقاء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية