مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في تونس عودة للسفر في سحر الزمان والمكان إلى عوالم موسيقية مبهرة

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»: يعود مهرجان الجم الدولي للموسيقى السيمفونية في دورته الخامسة والثلاثين بعد غياب سنتين بسبب جائحة كورونا التي استهدفت قطاع الثقافة بوجه عام في كثير من دول العالم. ويحمل المهرجان، الذي تشرف عليه وزارة الثقافة التونسية وتساهم في تنظيمه وزارة السياحة والديوان للسياحة ووكالة إحياء التراث والتنمية الثقافية، هذا العام شعار «العودة إلى الجم» وذلك للدلالة على أن هذا المهرجان العريق لديه جمهوره النخبوي الذي سيعود إليه حتما ويملأ كراسيه ومدرجاته بكثافة مثلما دأب على ذلك منذ سنوات.

ويقام المهرجان في مدينة الجم التابعة لولاية المهدية بالوسط الشرقي للبلاد التونسية وتحديدا بمسرحها الأثري والتاريخي العملاق الذي يقف شامخا بقلب المدينة تزينه الشموع ليلا في مشهد أسطوري مهيب من العصور الغابرة. وتحيي حفلات هذا المهرجان العريق فرق موسيقية سيمفونية محترفة من مختلف دول العالم وخصوصا من أوروبا، تتبع في أغلبها وزارات الثقافة في بلدانها والتي تنتقي أمهر العازفين والمنشدين أصحاب الخامات الصوتية الأوبرالية من أساتذة أكاديمياتها الموسيقية.
ويشتمل برنامج هذا العام على عروض أجنبية هامة ساهم فيها خصوصا التعاون الثقافي التونسي مع كل من النمسا وإيطاليا، فالأولى ستكون حاضرة من خلال عرضين موسيقيين، واحد تؤمنه مجموعة «شاك ستيو» والثاني تؤمنه «أوركستر أوبرا فيينا» الشهير الذي اعتاد عليه التونسيون. أما إيطاليا التي تحرص على المشاركة في المهرجان منذ دورته الأولى فستكون حاضرة من خلال عرضين، أحدهما مخصص لتكريم الموسيقي الإيطالي إينيو موريكيني والسينما الإيطالية مع أندريا غريمينالي و«رباعي اوكتا جاز» فيما العرض الثاني ستؤمنه الأوبرا الإيطالية.
أما تونس، التي تطورت فيها الموسيقى السيمفونية كثيرا في العقود الأخيرة وبشكل لافت، فكانت حاضرة من خلال عدة عروض لعل أهمها عرض الأوركسترا السيمفوني التونسي الذي افتتح المهرجان، وكذلك من خلال عرض أوركسترا أكاديمية مسرح الأوبرا. كما سيشهد المهرجان عروضا تونسية أخرى منها عرض للفنان حسان الدوس وهو من أشهر الفنانين التونسيين في مجال الغناء الأوبرالي الغربي من خريجي المعهد العالي للموسيقى في تونس.
وكان العرض الافتتاحي مبهرا بكل ما للكلمة من معنى، أبرز المستوى العالي الذي بلغته الأوركسترا السيمفونية التونسية بقيادة المايسترو مراد الفريني الذي أدار عازفيه باقتدار على الركح حيث عزفوا سيمفونية الناي السحري للعبقري النمساوي فولفغانغ موزارت. واستمر عزف الموسيقى الكلاسيكية طيلة السهرة باقتدار، وذلك من خلال مقطوعات للإيطالي جواكينو روسيني والبريطاني ذي الأصول الألمانية جورج فريدريك هانْدل وغيرهم، وصدحت أصوات أوبرا تونس نسرين المهبولي وهيثم القديري وبهاء الدين بن فضل بأحلى المقاطع يصاحبهم مهدي الطرابلسي على آلة البيانو فسافروا بجمهور مسرح الجم إلى تونس أخرى لطالما أحبها شعبها بكل ذلك الرقي والعشق للثقافة والفن والجمال.
كانت سهرة الافتتاح استثنائية بكل ما للكلمة من معنى، كيف لا والتونسيون يعاينون عن كثب كيف أن عازفيهم ومنشديهم ليسوا أقل مهارة من نظرائهم من كبار الموسيقيين في العالم في صنف فني ظهر في الغرب وليس للعرب والأفارقة فيه باع. لم تكن الموسيقى السيمفونية الغربية من تقاليد العرب ولا من بين أنماطهم الموسيقية التقليدية، لكن انفتاح تونس على محيطها المتوسطي والضفة المقابلة لبحرها الأسطوري ودراسة أبنائها في المعاهد الموسيقية لكل الأنماط والألوان جعل لديها أوركسترا سيمفوني عالمي يحوز على الإعجاب أينما حل.

رحلة في عوالم السيمفونيات

ويأخذ مهرجان الجم زواره مع كل عرض إلى عوالم أخرى، بعيدا عن كل ماهو مادي ومحسوس، وبعيدا عن صخب المدن وتعقيدات الحياة اليومية والكوارث والحروب التي يشهدها العالم، وذلك على نغمات الموسيقى الراقية التي تحيكها بمهارة فائقة أنامل عدد مهول من العازفين انتشروا على المنصة بآلاتهم الغربية المتنوعة التي تتراوح بين الوتري والإيقاعي والهوائي. وتعطي الألحان الشجية هالة عجيبة للمكان، ورهبة استثنائية تزيد من سحره ومن أهمية السفر عبر الزمن وصولا إلى ذلك التاريخ الغابر والسحيق الذي شيد في هذا القصر المسرح المزدان بنيران الشعلات التي تنير عتمة ليله كما كان حاله في زمن مشيديه.
ويزيد تفاعل المايسترو الأنيق في لباسه وحركاته وسكناته واهتزازاته وقفازاته وعصاه السحرية من عذوبة انسياب الألحان الشجية وتناغمها وتأثيرها العجيب على المتلقين الذين يطبق عليهم صمت رهيب، فلا صوت يعلو فوق صوت السيمفونيات ولحنها الشجي. لكأن المرء يسبح بين سطور النوتات الموسيقية لتطهير حواسه من نشاز صخب الحياة، أو لكأنه في مجلس مهيب في حضرة بيتهوفن وموزارت وباخ وغيرهم من الأساطين والعمالقة الذين خلدوا للإنسانية أروع الإبداعات.
وتزيد أصوات المنشدين الجهورية على الطريقة الأوبرالية الأجواء سحرا، نظرا لتمتع هؤلاء بخامات رهيبة ومخارج حروف استثنائية تنبئ بتلقيهم لتكوين أكاديمي محترف واستثنائي في أهم الأكاديميات والمعاهد العليا الموسيقية. ويتراوح الإنشاد عادة بين الغناء الكورالي المشترك لمجموعة من المنشدين، وبين الحوار الغنائي الذي يحصل عادة بين منشدين اثنين من جنسين مختلفين في أحيان كثيرة يؤدون الفقرة الخاصة بهم ثم ينسحبون تاركين العازفين والمايسترو مع ألحانهم الشجية التي يطرب لها الحاضرون. وتتخلل العرض فترات استراحة يعم فيها التصفيق من قبل الحضور سواء من سفراء الدول الأجنبية والسياح الأجانب، الذين يقبلون بكثافة على هذا المهرجان، أو من قبل أصحاب الأذواق الراقية من التونسيين سواء من المنتمين إلى النخبة أو من غيرهم. فقد مكّنت الدولة ممثلة بالشركة التونسية للسكك الحديدية عشاق المهرجان من قطار خاص ومجاني ينطلق من العاصمة قبل ساعات من بدء العرض ويمر بعدة مدن وينتظر بمحطة الجم إلى انتهاء العرض ليعود بعشاق الموسيقى السيمفونية من حيث أتوا سواء إلى العاصمة أو إلى غيرها.  وجرت العادة في مهرجان الجم أن يتم عزف الإنتاج الخاص بكل أوركسترا سيمفونية، بالإضافة إلى القطع الموسيقية الشهيرة التي لحّنها كبار الموسيقيين العالميين على غرار بيتهوفن وموزارت وتشايكوفسكي وميكيس ثيودوراكيس وغيرهم. فتكون مراوحة جميلة بين الماضي والحاضر ترضي دائما ذوق الباحثين بشغف كبير عن الفن الراقي والإبداع الموسيقي من كبار أساتذته عبر العالم وذلك في عصر الابتذال وتدني الذوق العام. ويبدو أن المهرجان هذا العام، وخلافا لما جرت عليه العادة لن تقتصر عروضه على شهري تموز/يوليو و آب/أغسطس بل سيتواصل إلى شهر أيلول/سبتمبر وحتى إلى فترات أخرى من العام خاصة وقد شهد عملية شراكة مع ممولين من القطاع الخاص ستزيد من تطوره وتحديدا من القطاع البنكي الذي بات يراهن على الثقافة في سلوك غير مألوف في تونس. ويطمح أهالي الجم إلى ان يتحول مهرجانهم إلى محرك للتنمية باعتبار الحركية التي يضفيها زوار المهرجان التونسيين والأجانب على المدينة بمقاهيها ومطاعمها ومحلاتها لبيع التحف والصناعات التقليدية وغيرها.
إذن هي الحياة تعود من جديد إلى الجم ومسرحها الأثري وأهلها بعد أشهر عجاف بلغت سنتين بالتمام والكمال لم تعرف فيهما البلاد سوى الموت والدمار، حياة تعود من خلال أرقى أنواع الموسيقى وأعذبها بعد أن باتت لغة كونية عابرة لحدود المكان والزمان. فالحدث في الجم التونسية وتحديدا في مسرحها الأثري الصامد على مر التاريخ، ومن خلال نمط موسيقي، عبر البحار والمحيطات واستقر في وجدان شعب قرطاج الذي عشقه وأبدع في محاكاة أقطابه.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية