ملف سجناء الرأي يقوض الحوار الوطني في مصر

تامر هنداوي
حجم الخط
1

القاهرة ـ «القدس العربي»:  تواصلت في مصر جلسات مجلس أمناء الحوار الوطني، في وقت زاد الجدل داخل المعارضة المصرية، بشأن جدوى الاستمرار فيه، مع ما وصفته بنكوص السلطات عن تنفيذ وعودها بشأن الإفراج عن سجناء الرأي، وتنفيذ مطالبها التي حددتها في بيان 8 أيار/مايو الماضي، التي تضمنت الإفراج عن كل سجناء الرأي لخلق مناخ مواتي للحوار، وتنفيذ جلسات الحوار بعدد متساوي من المعارضة والسلطة.

أزمات حزبية

الجدل بشأن جدوى الحوار، دفع رئيس حزب الكرامة البرلماني السابق أحمد الطنطاوي إلى الاستقالة من منصبه رفضا لاستمرار حزبه التعاطي معه، حسب مصادر داخل الحزب.
الطنطاوي دعا لعقد مؤتمر عام للحزب لاختيار رئيس جديد يوم 19 آب/اغسطس المقبل.
وجاء في الدعوة: «قررت عدم الاستمرار في موقعي، الذي تشرفت بتكليفكم الكريم، خلال المؤتمر الأخير للحزب، الذي عقد في 25 كانون الأول/ديسمبر 2020».
وكلف نائب رئيس الحزب بكافة اختصاصات ومسؤوليات رئيس الحزب ابتداء من اليوم، وحتى موعد انعقاد المؤتمر العام للحزب لانتخاب رئيس جديد.
واختتم دعوته لأعضاء الحزب بالقول «منذ هذه اللحظة لم يعد لي أي موقع في الحزب، والله من وراء القصد، وهو يهدي السبيل».
مصادر كشفت لـ«القدس العربي» عن أن رفض الطنطاوي المشاركة في الحوار الوطني جاء لاعتباره حوارا شكليا تستهدف السلطة منه تحسين صورتها، في ظل عدم الاستجابة للضوابط الإجرائية التي وضعتها الحركة المدنية المصرية الديمقراطية للحوار السياسي.
كما كشف رئيس حزب التحالف الشعبي الاشتراكي، مدحت الزاهد، عن أن حزبه يبحث تعليق المشاركة في الحوار.
وتابع في تصريحات صحافية لموقع الحزب عن «وجود حالة من الغضب أحدثها النكوص عن الوعود بشأن إخلاء سبيل سجناء الرأي في عدة مناسبات، خاصة بعد الإعلان عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، ثم الدعوة إلى الحوار الوطني».
وأضاف: «كانت هناك حالة من الترقب، بعد وعود متكررة، آخرها في الذكرى التاسعة لـ 30 حزيران/يونيو 2013 ثم عيد الأضحى، وعلى الأخص أنها صدرت عن مسؤولين أمنيين كبار، وطبيعي أن تمتد حالة الغضب والإحباط إلى الأحزاب والمجال السياسي الديمقراطي بشكل عام، ووصل الأمر إلى حد استقالات محدودة بين بعص أعضاء الأحزاب، وعلى الأخص من الشباب، ومطالب بتجميد المشاركة في الحوار، إلى حين ظهور علامات جديدة، وسط حملة نقد حادة ضد القيادات التي دعت إلى اغتنام فرصة الحوار الوطني لمحاولة تطبيع الحياة السياسية والحزبية».
وأضاف: خلال أيام، سوف يجتمع المكتب السياسي لحزب التحالف، لبحث مطالب تعليق مشاركتنا في الحوار، إلى حين تحقيق الوعود، بعد التشاور مع الحركة المدنية، ومع استمرار تحضير الأوراق الخاصة بتوجيهاتنا التي نشارك بها إذا تحققت الأجواء المناسبة للحوار.
وزاد: مصداقية الدعوة وأنصارها أصبحت على المحك، فقد سبقتها وواكبتها شكوك عميقة حذرت من قبول حوار مع مؤسسات جاهرت بإيمانها بالصوت الواحد، وشددت قبضتها على مختلف المجالات، وأودعت معارضيها السجون بتهمة مشاركة جماعة إرهابية أهدافها وأوحت سياساتها بمسار مغلق عكس ما يوجبه الحوار وهو ما يضع مصداقيتنا أيضا على المحك.
وتابع: استمرار احتجاز سجناء الرأي كاشف لتوجهات مؤسسات الحكم وهي لا تقتصر على استمرار ظلم المعارضين السلميين، بل تشمل استمرار رفض تطبيع الحياة السياسية وإحداث انفراجة تساعد في فتح أبواب الأمل، وجذب طاقات الاحتجاج لمسارات سلمية آمنة، والاعتراف بالحق في التعددية، والتنوع وهي أيضا مسألة تقدير موقف الطرف الآخر، الذي لا يمكنه أن يواصل مفاوضات على طريقة الأسير والسجان والذين ينتمون إليه أسرى الزنازين، وهذا التردد في مسألة السجناء، يعني الرغبة في استمرار السياسات نفسها التي سدت أبواب الحوار واستبدلتها بأبواب دوارة من وإلى الزنازين.

الانتخابات العمالية

وتابع: «العودة لسياسة التقطير في الإفراج عن السجناء، ارتبطت بظواهر سلبية أخرى، منها المذبحة التي جرت في المرحلة الأولى لانتخابات النقابات العمالية، وتم فيها الشطب بالجملة على العمال المستقلين وحتى بعض الموالين، ومنها الأحكام الغليظة ضد معارضين بارزين مثل عبد المنعم أبو الفتوح، ومحمد القصاص، وقبلهم النائب السابق زياد العليمي، والصحافي هشام فؤاد والمدون علاء عبد الفتاح، وكلهم لم تكن تهمتهم الإرهاب».
ومن المؤشرات «السلبية» حسب الزاهد «استمرار حبس معارضين سلميين، واستمرار وضع شخصيات كالسفير معصوم مرزوق، ورائد سلامة، وزياد العليمي، وعلاء عبد الفتاح، على قوائم الإرهاب، والتحفظ على أموالهم في البنوك، واستمرار سجن شخصيات، كمحمد رمضان الذي أمضى قرابة ضعف مدة الحبس الاحتياطي مع استمرار التدوير والتكدير، ومثله الكثير».
إلى ذلك عقد مجلس أمناء «الحوار الوطني» اجتماعه الثلاثاء الماضي.
وتمثلت أبرز مخرجات الاجتماع الثاني، في الإعلان عن تشكيل ثلاث لجان رئيسية، تتعلق بالشق السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
وحسب المنسق العام للحوار، نقيب الصحافيين، ضياء رشوان «تم الاستقرار على أن ينبثق عن المحور السياسي الذي تركز النقاش حوله فقط في ثاني الاجتماعات، عن لجان فرعية هي: لجنة مباشرة الحقوق السياسية والتمثيل النيابي والأحزاب السياسية، ولجنة للمحليات، ولجنة لحقوق الإنسان والحريات العامة».

سجناء الرأي

وأوصى مجلس الأمناء الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمزيد من قرارات العفو عن السجناء شريطة أن يكونوا ممن «لا يقترف دما ولم يحرض (على العنف) ولم يخرب» وفق رشوان، الذي أوضح، خلال مؤتمر صحافي في مقر أكاديمية التدريب التابعة للرئاسة أن «مجلس الأمناء استعرض القرارات الرئاسية بالعفو عن بعض المحكوم عنهم في قضايا بعينها بعد دعوة الرئيس السيسي للحوار في 24 نيسان/ابريل الماضي، أو قبلها، بدون تحديد أعدادهم».

المواقع المحجوبة

وردا على سؤال حول استمرارية حجب المواقع في مصر فيما يدعو الحوار الوطني إلى إطلاق الحريات الإعلامية، أوضح رشوان أنه «يجري التقصي عن الوضع القانوني للمواقع المحجوبة أولاً، ويتم التواصل مع القائمين عليها» مشددا على أنه «حين ينتهي الحوار الوطني من تشريعات وإجراءات لمنع حجب المواقع، وتتم مخالفة ذلك، فحينها يكون الحساب».
وأصدر مركز «القاهرة لدراسات حقوق الإنسان» ورقة موقف حول الحوار الوطني، اعتبر فيها أن «هذا الحوار لا يستهدف الشروع في عملية إصلاح، أو الالتفات لأزمة حقوق الإنسان، نظراً لغياب ضمانات التمثيل العادل للمعارضة في الحوار، وتجاهل السلطات لمطالبها، إلى جانب عدم جدية المبادرات المشابهة التي أعلنت عنها الحكومة سابقا».
ورغم ترحيب المركز بقرارات العفو الرئاسي عن بعض السجناء السياسيين، إلا أنه أكد أنها «لا ترقى لتكون علامة على البدء في عملية إصلاح حقيقي، في ظل استمرار احتجاز عشرات الآلاف وتواصل عمليات القبض على العديد منهم».
مع ذلك فقد شدد على أنه «نظراً للسياقات العالمية والمحلية الحالية، خاصة الوضع الاقتصادي في مصر، فإن المسؤولية السياسية للمعارضة تحتم عليها استثمار تلك المبادرة، وتحويلها لحوار وطني حقيقي يشمل كافة فئات المجتمع، وصياغة استراتيجيات واقعية وسياسات ملموسة قابلة للتنفيذ، الأمر الذي من شأنه معالجة الأزمات العديدة التي تجابهها مصر، وتمهيد الطريق للإصلاح».
وزاد: «الحوار الوطني ربما لا يهدف لإفساح المجال لانفتاح سياسي حقيقي، ولا للتخفيف من أزمة حقوق الإنسان الحالية في مصر، قدر ما يسعى لحفظ ماء وجه السلطة، لكن السياق الدولي الحالي، والأزمة الاقتصادية في مصر، يمنحان المعارضة السياسية المصرية فرصة للتأثير على مسار هذا الحوار، وتوجيهه لتحقيق إصلاح ذي تأثير» الأمر الذي يستلزم من المعارضة المصرية، وفق المركز «تركيز اهتمامها الرئيسي على تطوير خريطة طريق لإصلاحات اقتصادية وسياسية حقيقية ملموسة بصرف النظر عما تحظى به من تمثيل غير متكافئ في الحوار».

مناورات مماثلة

واعتبر أن دعوة السيسي للحوار الوطني «تعد المبادرة الأحدث في سلسلة من المناورات المماثلة التي نفذتها السلطات المصرية في السنوات الأخيرة، والتي تهدف، ظاهرياً، لمعالجة الأزمة السياسية وأزمة حقوق الإنسان في مصر».
وذكّر بأنه «في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 شكّل مجلس الوزراء اللجنة العليا الدائمة لحقوق الإنسان، والتي أشاد مسؤولون مصريون بتشكيلها، معتبرين أنها بمثابة مؤشر على التزام الحكومة المصرية بتحسين أوضاع حقوق الإنسان، إلا أن تبعية اللجنة لوزارة الخارجية، كانت إحدى العلامات العديدة، التي تعكس انحسار دور هذه اللجنة في مخاطبة المجتمع الدولي بالأساس».
وزاد: «في أيلول/سبتمبر 2021 أصدرت هذه اللجنة الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، التي قُدمت للمجتمع الدولي، باعتبارها مؤشراً آخر على تغيير نهج السلطات المصرية إزاء حقوق الإنسان. ورغم الأدلة الواضحة على غياب الإرادة السياسية لمعالجة وضع حقوق الإنسان، إلى جانب المقاربة الإشكالية التي تبنتها الاستراتيجية في توصيف أزمة حقوق الإنسان في مصر، احتفت بالاستراتيجية بعض الشخصيات العامة، والعديد من المسؤولين الغربيين (وحتى بعض هيئات الأمم المتحدة) باعتبارها مؤشراً على تغير حقيقي في سياسة الحكومة المصرية. وفي الوقت نفسه، روجت مبادرات أخرى، مثل تشكيل مجموعة الحوار الدولي، وإعادة تشكيل المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان لتغير محتمل في المسار».
وتابع: «في نهاية المطاف، لم تؤد هذه المبادرات والمجموعات واللجان على مدى السنوات الماضية لتخفيف حدة أزمة حقوق الإنسان المتدهورة في مصر، إذ لا يزال عشرات الآلاف من السجناء السياسيين يقبعون في السجون (سواء تنفيذاً لأحكام قضائية جائرة، أو بدون محاكمة أو تحقيق) وتستمر وقائع الإخفاء القسري، والتعذيب، والقتل خارج نطاق القانون في ظل تفشي الإفلات من العقاب».
كما يتواصل وفق المركز «استهداف المعارضة السلمية والمجتمع المدني المستقل والإعلام الحر».
ورغم إطلاق سراح عدد محدود من السجناء السياسيين تزامنًا مع الإعلان عن كل مبادرة «يتواصل اعتقال معارضين وصحافيين وحقوقيين جدد بشكل منتظم، ليحلوا محل المفرج عنهم» تبعاً للمركز الذي أكد أنه «بشكل عام، تتشابه الدعوة للحوار الوطني مع غيرها من المبادرات السابقة، إلا أن السياق الدولي والمحلي المتزامن مع هذا الحوار، ربما يوفر له فرصًا مختلفة نوعًا ما».
وزاد: «على غرار اللجنة الدائمة في 2018 والاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان في 2021 لم تعكس الدعوة للحوار الوطني تغيراً حقيقياً في نهج السلطات إزاء أزمة حقوق الإنسان الحالية».

تجديد حبس 4432 سجينا

وحسب المركز: «شهدت الأسابيع التالية، العفو عن 6 سجناء سياسيين، كما أمرت محاكم الإرهاب منذ شهر نيسان/ابريل الماضي بإخلاء سبيل 417 آخرين (لم يتم إسقاط القضايا المرفوعة ضدهم) لكن في المقابل، وفي الفترة نفسها، جددت المحاكم حبس ما لا يقل عن 4432 سجيناً سياسياً، فضلاً عن الاعتقالات الجديدة، بمن فيهم صحافيون على الأقل، كما صرح عضو في لجنة العفو الرئاسي، أن بعض الأشخاص في الأجهزة الأمنية يحاولون إفشال مساعي العفو عن السجناء، مضيفاً أنهم في الواقع يفضلون أن يحبسونا كلنا».
وحسب المركز، من المرجح أن «يؤدي القبول بتمثيل شكلي في هذا الحوار، في ظل عدم وجود ضمانات بالمشاركة الجادة أو الاشتراك في عمليات صنع القرار، إلى تحول الحوار الوطني إلى مبادرة دعائية أخرى، الأمر الذي لن يتسبب فقط في إضاعة الفرصة؛ بل ربما يؤدي لتفاقم التقلبات السياسية الحالية وتداعياتها على أرض الواقع، ويقوض من مصداقية المعارضة».
ووفق المركز «تُملي المسؤولية السياسية على المعارضة، إدراك أهمية اللحظة الحالية، واغتنام الفرصة، فلا يمكن اختزال الحوار الوطني في مجرد الإفراج، المُرحب به، عن عدد محدود من السجناء السياسيين، أو في الحديث بشكل عام عن إصلاح اقتصادي وسياسي، والشعارات الكبرى المثالية لمعالجة حالة حقوق الإنسان، إذ يتطلب الأمر صياغة استراتيجيات واقعية وسياسات ملموسة قابلة للتنفيذ من شأنها معالجة الأزمات العديدة التي تواجهها مصر، على نحو يمهد الطريق للإصلاح».
واختتم المركز ورقته بالتأكيد على أن «ضمانات التمثيل المتكافئ للمعارضة والشفافية في هذا الحوار، خطوة أولى لمعالجة العوامل التي أدت إلى الأزمة الحالية وتجنبها في نهاية المطاف، ولكن إذا لم يُتح للمعارضة ذلك، فمسؤولياتها التاريخية تستوجب منها في كل الأحوال تحويل الحوار الحالي إلى منصة لحوار وطني حقيقي مع المجتمع ككل حول سبل النجاة من الكارثة الوشيكة».
وكان السيسي قد دعا خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في نيسان/أبريل الماضي إلى عقد «حوار وطني» كما أعاد تشكيل لجنة العفو الرئاسي المنوط بها بحث ملفات السجناء السياسيين تمهيدا للإفراج عن من لم يتورط في قضايا عنف، ليضم التشكيل الجديد رموزا من المعارضة بينهم وزير القوى العاملة الأسبق والقيادي في حزب «الكرامة» كمال أبو عيطة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية