لطالما تغنت جماهير كرة القدم على مدى العقدين الماضيين بالموهبتين البرتغالية كريستيانو رونالدو والارجنتينية ليونيل ميسي، واعتبارهما أعظم ما شهدته اللعبة في تاريخها، بفضل أهدافهما وألقابهما وأرقامهما القياسية، قبل ان يتفطن البعض الى أن النجمين الخارقين باتا في خريف عمرهما الكروي الافتراضي، لينتقل التركيز على مواهب أخرى ستلهب المشاعر على مدى العقدين المقبلين، كالفرنسي كيليان مبابي والنرويجي ايرلنغ هالاند، وهما حالياً في الـ22 من عمريهما، حتى أن البعض اشاد بالأرقام وكم الاهداف المهولة التي سجلاها مقارنة بأرقام ميسي ورونالدو في نفس عمريهما، لكن الموهبة الحقيقية المقبلة تفوق الخيال.
البرازيلي اندريك، الموهبة التي تلاحقها كل الاندية الكبيرة في العالم، والذي احتفل بعيد ميلاده الـ16 يوم الخميس الماضي بمتابعة الملايين كونه صار بامكانه التوقيع على عقده الاحترافي الأول مع ناديه بالميراس، الذي أعطاه وأعطى عائلته حياة رغيدة أفضل من الفقر المدقع الذي كانت تعيش فيه. وسيوقع على عقده الأول بحضور ممثلين من وسائل الاعلام البرازيلية، بل والعالمية، والسبب انها ببساطة تعتبره «الفلتة» الجديدة الصاعدة، خصوصا اذا علمنا انه في هذا السن سجل 170 هدفا في 172 مباراة، رغم انه لم يلعب بعد للفريق الأول لبالميراس، ومع ذلك يطالب كثيرون مدرب المنتخب البرازيلي تيتي بأن يضمه الى التشكيلة المشاركة في مونديال قطر.
طبعاً تيتي لن يفعل ذلك، لكن الفكرة بحد ذاتها تعكس التقييم العالي للمتابعين لهذا النجم الجديد، الذي تراقبه عن كثب أندية مانشستر يونايتد والسيتي وريال مدريد وبرشلونة وليفربول وسان جيرمان وكل الكبار، لكن اندريك كشف عن أن مثله الأعلى هو كريستيانو رونالدو، ما يجعل يونايتد ربما ذات أولوية بأن يحظى بـ«واندركيد». ولسوء حظ بالميراس فانه لن يستمتع بموهبة اندريك لفترة طويلة كونه بحلول سنة الـ18 سينتقل بشكل مؤكد الى ناد أوروبي. حيث نشرت صورته على الصفحة الأولى لصحيفة «ماركا» الاسبانية 3 مرات، فيما وصفه النجم الانكليزي السابق والاعلامي الحالي غاري لينيكر بأنه «موهبة فريدة» عارضاً مقطع فيديو له وهو يسجل هدفاً بصورة مقصية رائعة من على حافة منطقة الجزاء. وفي حديث الى صحيفة «دايلي ميل» البريطانية، قال اندريك انه يتمنى ان يكون قادراً على تحمل الضغوط وتلبية التوقعات، وأن «أتذكر انني ما زلت طفلاً وان كرة القدم مجرد لعبة. لا أريد ان أتعامل معها بجدية… أريد أن أتعامل مع مسيرتي الكروية بشكل جدي لكن خلال المباريات أريد ان أستمتع».
وفي هذا العام، اختير اندريك أفضل لاعب في كأس البرازيل للشباب (كوبينيا)، وهي البطولة الأهم لفئة تحت 21 عاماً، علما أن اندريك شارك فيها وهو في سن الـ15، ما عزز شعبيته العالمية والتوقعات الهائلة بمستقبله. وفي هذه البطولة أدرك أنه يقوم بأمور أكثر تطوراً مما يفترض فعله في سنه، لكنه تعود دائماً أن يلعب مع او ضد لاعبين يفوقونه سناً، ما جعله يبدو خارقاً عندما يلعب مع لاعبين بنفس سنه، ولهذا منع نفسه خلال هذه المباريات من استخدام قدمه اليسرى «الذهبية».
اندريك تربى وترعرع في بيئة فقيرة جداً وبين افراد أسرة كادحة في العاصمة برازيليا. فوالده دوغلاس ووالدته سينتيا تنقلا بين الأعمال الخدمية، ما حرم الأسرة من دخل ثابت وقاد أندريك واخوته الى النوم في كثير من الليالي جياعاً، وكان يفقد المشاركة في حصص التدريب لأنه لم يملك ما يكفي لدفع ثمن رحلة الحافلة، فظلت هذا المشكة عالقة لان لا حل في الأفق من شح المدخول، خصوصاً ان قلة من اللاعبين الطامحين يكملون المسيرة ويحترفون اللعبة، ومن ينجح في توقيع عقد احترافي فانه يكون أنقذ عائلته من حياة بائسة. وحتى عندما ذاع صيت اندريك محلياً ظلت المعاناة مستمرة في ظل ارتفاع التكاليف المتعلقة بالمشاركة في المباريات والتنقل وشراء المستلزمات، خصوصاً أن في العاصمة برازيليا لا يوجد ناد كبير، والأكاديميات والمدراس الكروية الموجودة غالبيتها تابعة لأندية كبرى من ولايتي ساو باولو وريو دي جانيرو، وكي تلتحق باحداها يجب ان تدفع رسوماً، وهو ما تعذر على اندريك. لكن الحل الآخر كان الخضوع لفترة تجربة لستة شهور في مقر النادي الرئيسي اذا كانت التقديرات الأولية ايجابية للموهبة، وهو ما عرض على اندريك وهو في الـ11 من عمره من بالميراس، لكن والده دوغلاس تردد جداً في الموافقة، لأن هذا كان سيعني نقل العائلة للعيش في ساو باولو التي تبعد 600 ميل عن العاصمة، وسيعني أيضاً المغامرة بانه اذا فشلت التجربة فان الحالة البائسة للعائلة ستصبح أكثر بؤساً. لكن عندما وصلت العائلة الى ساو باولو، تم اقناع الوالد دوغلاس بعرض وظيفة عامل مع الفريق الأول في النادي، ما أبقاه قريباً من ابنه، والأهم انه سيحصل على مدخول ثابت لاعالة أسرته. واليوم تحولت التجربة الى عقد احترافي ثابت لمدة سنتين للنجم الواعد اندريك، الذي يعلم ان العالم في انتظاره، وانه قد يكون الموهبة المقبلة التي تفوق الخيال!