كتاب حكمت أبو زيد «الثورة المؤسساتية في لبنان»: مشروع الدولة الفدرالية الكاملة صعب التحقيق

 سمير ناصيف
حجم الخط
0

يسعى عددٌ من المفكرين والمثقفين اللبنانيين إلى العثور على حل للأزمة اللبنانية السياسية والاقتصادية الحالية عبر طرح مشاريع قد تحقق هدفهم المنشود النابع من محبتهم لبلدهم.
وبين هذه المشاريع ما طرحه رجل الأعمال اللبناني والمسؤول في غرفة التجارة والصناعة اللبنانية حكمت أبو زيد في كتابه “الثورة المؤسساتية في لبنان” الذي كتب تمهيده وزير الداخلية اللبناني السابق والمرجع القانوني المحترم زياد بارود.
مقاربة هذا الكتاب أتت في شكل سؤال طرح في الصفحة 193 وهو: “كيف نُعيدُ بناء النظام اللبناني مع الحرص على عدم تعريض صيغته للخطر؟ وكيف نحافظ على اتفاق الطائف بالمطالبة بتطبيقه بالكامل، خصوصاً في موضوع اللامركزية الإدارية والمالية، مع مناقشة عيوبه من أجل تحسينه؟”.
ويعتبر المؤلف في الصفحة التالية لهذا السؤال ان الحل يكمن في “فصل التنمية الاقتصادية والاجتماعية عن آلية السلطة المركزية الدستورية غير الفعالة، وفي هذا الإطار تأتي اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة لانها تساهم في القضاء على احتكار وهيمنة الأوليغارشية السياسية على البلد وتحرر اللبنانيين من نير المحسوبية وتجعله أمراً ممكناً”.
يطرح أبو زيد “وجوب حدوث ثورة مؤسساتية قادرة على المدى الطويل ضمان الانتقال إلى المواطنة الكاملة التي هي العمود الفقري لأي دولة مدنّية عصرية”.
ويقول الوزير زياد بارود في التمهيد: “ان المستقبل المؤسساتي للبنان ليس غاية بحد ذاتها إنما وسيلة لصون مكتسبات تقع تحت لواء التعددية وترسيخ المواطنة” (ص 13).
والمطلوب، برأي بارود، وفي المقاربة التي طرحها أبو زيد في الكتاب: “الغوص عميقاً في جذور النظام اللبناني (المشكلة) في محاولة لقراءة مستقبله الملتبس، وذلك مسعى محفوف بالمخاطر، ولكن آن الأوان ألا نكتفي بان نحلم بالتغيير بل ان نعمل لتحقيقه”.
في القسم الثاني من الكتاب، يصف أبو زيد مرحلة حكومة الرئيس الراحل رفيق الحريري منذ بدء تسعينيات القرن الماضي وحتى عام 2020 ويُسميها: “ثلاثون عاما من الفساد المستشري في كافة إدارات الدولة وضرب القطاع الخاص وتزوير العقد الاجتماعي اللبناني. ومما لاشك فيه ان هذه الممارسات الفاسدة لتك السلطة الأوليغارشية هي التي أدت إلى ثورة تشرين الاول/اكتوبر2019” (ص74-75).
والكاتب ينتقد “دور الدولة السورية في لبنان في مطلع تسعينيات القرن الماضي والتواطؤ السوري مع نظام رفيق الحريري وتناغم الحريري معه ومخالفتهما لنصوص اتفاق الطائف وكل ذلك كان يجري تحت نظر وعدم اعتراض المشيئة الدولية” (ص 86 وما بعدها).
ويسأل القارئ إذا كان هذا الأمر جرى وسيجري حالياً مع حكومة الرئيس نجيب ميقاتي التي تدعمها نفس الشخصيات والأقطاب التي استفادت من نظام الحريري.
ويؤكد أبو زيد ان هذه الطبقة السياسية التي تسبب باندلاع الحرب الأهلية وبأزمات لبنان السياسية والاقتصادية الحالية لم تعد تمثل غير زعماء الحرب الذين اعتادوا ممارسة الاقطاعية وانتهاك مصالح المواطنين.
ويعتبر ان قادة هذه الطبقة وبالتنسيق مع أصحاب المصارف والمصرف المركزي اللبناني صرفوا أموال المودعين لتمويل دولة أفلست ويحاولون تحميل المودعين أخطاءهم عبر مشاريع تؤدي إلى المزيد من الانتهاكات والمخالفات القانونية بدعم إقليمي ودولي.
والكاتب من مؤيدي ثورة تشرين الأول/اكتوبر 2019 ويتمنى ان “تحقق تلك الثورة القضاء على الشرعية الفاسدة عبر العملية التي بدأت آنذاك وعن طريق ترجمة تلك الثورة مؤسساتيا” (ص 127-132).
في القسم الرابع بعنوان: “نحو لبنان لا مركزي” يثني المؤلف على نظام الرئيس الراحل فؤاد شهاب بين عامي 1958 و1964 ويقول إن: “النظام الذي كان سائدا في عهد الجمهورية الأول، خصوصا عهد الرئيس فؤاد شهاب، كان يساهم في جعل تطبيق السياسات الإصلاحية الوطنية أكثر مرونة، ولكن منذ اتفاق الطائف، تبين ان نظام (الترويكا) الحاكمة الذي انبثق عنه فشل في سدّ احتياجات المواطن اللبناني في هذا المجال” (ص 171).
وما زال لبنان لم يقم بخطوة فعالة باتجاه الإصلاحات الإدارية كما حدث في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية وفي بلدان أخرى من العالم بعد حروبها إذ تصلب النظام في لبنان على التوزيع الاقطاعي الطائفي لموارد الدولة باستثناء الإصلاحات الطفيفة التي جرت في عهد الرئيس شهاب.
ولقد نجح العقد الاجتماعي الذي يحمل الصبغة الطائفية في تكريس علة وجود لبنان (ص 174).
وهذا الكتاب (برأي مؤلفه) يقوم على اقتراح عملي مفصل لإحداث تغيير جذري في مؤسسات لبنان الإدارية والمالية وليس على إعادة تحديد مفهوم الوفاق الوطني الذي يرى لبنان كونفدرالية للطوائف تتمتع كلا منها بشرعية خاصة في مجالات معينة وتربط بينها مصالح مشتركة. (ص 180).
الدستور اللبناني بشكله الحالي وبالطريق المجتزئة لتطبيق اتفاق الطائف برأيه: هدفه الإبقاء على السلطة بين أيدي قلة قليلة من النخبة من أجل الحفاظ على سطوة سياسية شاملة تهيمن عليها المصلحة الشخصية للأقطاب الطائفيين التي تغلب على أي اعتبار للمصلحة العامة. (ص 187).
ويشير أبو زيد انه في اتفاق الطائف ثغرة وغموض في ما يتعلق باللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، فبين أسطر الاتفاق يتجلى نوع من الاحتراز في منح المناطق اللبنانية المختلفة استقلالية معينة ورغبة دفينة في الإبقاء على صفوة الامتيازات في يدي السلطة المركزية. وهناك أحزاب (في أكثريتها مسيحية) تطالب باللامركزية الموسعة فيما هناك محور ممانع لهذا المشروع. وخلاصة الأمر ان اتفاق الطائف دفن فكرة اللامركزية وحصرها، ولكن بعد ثلاثين عاما من حكم سلطة مركزية فشل قادة هذه السلطة (خصوصا في عهد الترويكا مؤخراً) في إنشاء بلد يتمتع فيه مواطنوه بجودة العيش التي يتمتع بها مواطنو البلدان التي طبقت فيها اللامركزية الإدارية والمالية.
ويطرح المؤلف في هذا المجال أسماء بلدان طبقت فيها اللامركزية الإدارية والمالية بنجاح، وبينها بلدان متعددة الإثنيات ككرواتيا التي تشبه لبنان والتي نجحت في بناء اقتصاد جديد قائم على الإدارة اللامركزية والاستقلال الضريبي والمالي. (ص212 و213).
ويطرح بالتفصيل مشروع الوزير السابق زياد بارود لتحقيق اللامركزية الإدارية في لبنان الذي يصفه بـ: “الأكثر انسجاماً مع اتفاق الطائف بكامله والذي يتفق مع واقع لبنان السياسي وتعدد الطوائف فيه ويسير نحو الديمقراطية التشاركية للتنمية الاقتصادية. (ص 231).
ويؤكد الكاتب بان مشروع الدولة الفدرالية الكاملة صعب التحقيق في لبنان لأن حدود أي ولاية فدرالية في مثل هكذا بلد لا يمكن تحديده من دون احتمال حدوث حرب دموية بين الأشقاء حول هذه الحدود. (ص232).
وبالتالي، فالمطلوب مناخ دولي يواكب مشروع اللامركزية الإدارية والمالية وخصوصا في ظل الوضع الإقليمي المتقلب والمقاومة المسلحة والضغط الدولي على لبنان.
كما ان نجاح اللامركزية في لبنان مرتبط بان تكون مصحوبة بإصلاحات اقتصادية وتعليمية ودفاعية شاملة وبتعزيز التعاون بين المناطق المختلفة والحكومة المركزية وبتوافر التمويل لهذا المشروع الضخم وبضرورة مراقبة المجتمع المدني لتنفيذه وبإنشاء ضوابط مراقبة ديمقراطية لمنع تغلغل الفساد في تطبيقه. وكل ذلك يتطلب إصلاحات قانونية تعزز دور الجهاز القضائي في هذا المجال.
ومن غير الممكن عدم الإشادة بمحاولات المؤلف طرح مشروعه لتحقيق اللامركزية الإدارية والمالية في لبنان، وخصوصاً للتفاصيل التي أوردها في نهاية كتابه حول مشاريع طرحها وزراء داخلية في هذا المجال وبينهم الوزير الراحل ميشال المّر ونجله الياس المّر والوزير زياد بارود الذي غاص في تفاصيل دقيقة حول تطبيق مثل هذا المشروع ولم يطرحه كمبادرة مثالية فحسب.
ولاشك بان اوضاع لبنان المتغيرة بشكل متواصل في السنوات والعقود الأخيرة أثرت وتؤثر على امكانية تطبيق اللامركزية الإدارية والمالية وأن من الصعب تطبيقها دفعة واحدة بل من الأفضل اعتماد التدريجية ودراسة النتائج بموضوعية وبراغماتية. فهناك مناطق في لبنان ربما من المستحسن تأجيل تطبيق اللامركزية فيها وخصوصا تلك التي يقطنها ملايين اللاجئين الفلسطينيين والسوريين أو تلك التي تسيطر عليها سياسياً وعسكرياً المقاومة اللبنانية المواجهة لإسرائيل والتي تحذر من أي تدخلات من جانب مجالس بلديات في شؤونها.
إذن فمن الحكمة بدء التطبيق في مناطق يتوق سكانها إلى مثل هذا المشروع لأسباب مختلفة ومثل هذه الخطوات تطرح حاليا بالنسبة لمدينة بيروت وبعض مناطق المتن وكسروان وغيرها.
لبنان في عهد الرئيس فؤاد شهاب كان غيره حالياً، فقد كان شهاب متمسكاً بزمام السلطة في البلد بواسطة الأجهزة الأمنية وكان يديرها بقوته وحكمته، كما ان اللاجئين في لبنان كان من الصعب قيامهم بدور عسكري أو سياسي يتجاوز دور الدولة. وهذا أمرٌ حاول الرئيس شارل حلو إكماله في عهده الذي تلا عهد شهاب ولكن الصعوبات اشتدت عليه ولم يُحقق أهدافه وذلك عاد في درجة كبيرة إلى تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية التي لم تكن تحبذ نجاح الإصلاحات السياسية والاقتصادية في البلد بل فضلت إبقاء لبنان في وضع غير مستقر ما ساهم في حدوث الحرب الأهلية عام 1975 بعد انتهاء ولاية الرئيس حلو في عام 1970 وبعد وفاة فؤاد شهاب عام 1973.
القارئ يتفهم حماس حكمت أبو زيد لتحقيق إصلاحات مفيدة للبنان في مجال اللامركزية الإدارية والمالية وفي نجاح الثورة المؤسساتية، فالمؤلف في مطلع الأربعينات من عمره ويتوق بشغف للعيش هو وعائلته وأبناء وطنه عيشةً كريمة في البلد والأمر ينطبق أيضا على زياد بارود وزير الداخلية السابق، الذي يعتبر كثيرون في لبنان انه أحد أكثر السياسيين شعبية ومقدرة سياسياً وأخلاقياً ويستحق ان يكون الرئيس المقبل للجمهورية اللبنانية لو توافرت العناصر المؤدية إلى ذلك.
ولكن مقولة: “ما كل ما يتمناه المرء يُدركه، تجري الرياح بما لا تشتهي السفن” تنطبق على وضع زياد بارود وأمثاله من السياسيين النزهاء والعقلاء في لبنان، وحبذا لو ينجح مشروعه ومشروع حكمت أبو زيد المطروحين في هذا الكتاب.

حكمت أبو زيد: “الثورة المؤسساتية في لبنان”
مكتبة انطوان، بيروت 2021
253 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية