تونس ـ «القدس العربي»: ازدهرت صناعة النسيج التقليدي اليدوي في تونس منذ أقدم العصور وهو ما تثبته الآثار واللوحات الفسيفسائية الموزاييك، التي عثر عليها بمختلف المواقع الأثرية التي تشهد على عراقة الأرض التونسية ورسوخها في الحضارة. وتوارثت الأجيال المتعاقبة على الخضراء هذا النشاط التقليدي الهام وحافظت عليه وطورته ودعمت صموده بوجه المصانع العصرية وآلات النسيج المتطورة التي انتشرت في ربوع البلاد.
ومن بين المناطق التي اشتهرت بصناعة النسيج التقليدي في تونس، ولاية المنستير التي تنتشر بها المؤسسات والقرى الحرفية في كل مكان بداية من المدينة نفسها، وانتهاء إلى مدن خْنيس ولمْطة وصَيّادة وبوحْجَر وطْبُلْبَة وغيرها. وتبقى مدينة قصر هلال، أو أم القرى كما يسميها أبناؤها، هي الأهم من حيث الشهرة محليا وعالميا، ومن حيث جودة صناعتها اليدوية التي حازت على الإعجاب وأقبل عليها المهتمون بقطاع المنسوجات من كل حدب وصوب.
وقد ساهم نسيج قصر هلال في استقلال تونس من خلال تمويل نشاطات الحزب الحر الدستوري الجديد بقيادة الزعيم الحبيب بورقيبة الذي اختار قصر هلال لعقد المؤتمر التأسيسي لهذا الحزب الذي قاد النضال ضد الاستعمار بداية من سنة 1934. ولم يكن الاختيار من باب الصدفة فإضافة لوطنية أبناء المنطقة فقد ساهم قطاع النسيج التقليدي في نشأة بورجوازية تونسية جديدة في المدينة كانت قادرة على تمويل النشاط النضالي في زمن سعى فيه الاستعمار إلى نشر الفقر والبؤس والجهل في كامل ربوع البلاد.
انخراط جماعي
وتنتشر أنوال النسج في قصر هلال في كل مكان سواء في الدكاكين الحرفية التي تحولت إلى مصانع صغيرة تضم أكثر من نول واحد، أو في المنازل حيث اعتمدت المرأة على نفسها واتخذت من صناعة النسيج التقليدية مصدر دخل لها دون أن تضطر لمغادرة البيت. ويتم توارث النول والأدوات المستعملة معه تماما كما يتم توارث العقار بين مختلف الأجيال، وذلك للدلالة على عراقة العائلة الهلالية وعلى شرف امتهانها لصناعة النسيج. ويصنع النول من مادة الخشب ويتكون من أجزاء على غرار الدفّ والنّير والشّفرة والنّزق والفحل والعوارض والقفيزات، لكن هناك أيضا أنوال من الحديد لكنها تحافظ على جميع الأجزاء التي يتشكل منها النول الخشبي.
محمد الأمين الصغير حرفي وصاحب شركة مختصة في صناعة النسيج التقليدي من منطقة لمطة التابعة لقصر هلال والمعروفة بالنسيج التقليدي تحدث لـ«القدس العربي» عن قصة النسيج التقليدي في المنطقة قائلا: «لقد ورثنا هذه الحرفة عن أجدادنا، ثم أسسنا شركة خاصة بنا لصناعة النسيج التقليدي عام 2013 هي ارتيزانا تونسيان، واختصينا في صناعة الوشاح التونسي التقليدي أو المنشفة التقليدية والتي تستعمل في مراكز التجميل وغيرها، ولدي عشق خاص لهذه الحرفة التي تعلمتها عن والدي. وبعد دراستي الجامعية واصلت مع باقي أفراد عائلتي تطوير هذا المصنع، من خلال الاستغناء عن النول التقليدي، والذهاب إلى الصناعة الآلية التي تعتمد الماكينات، وذلك لتوفير الطلب المتزايد من قبل الكثير من الأسواق التي نصدّر إليها منتجاتنا خاصة أسواق أوروبا وأمريكا وكندا».
وتتوفر بقصر هلال المواد الأولية لعملية النسيج، وتشتقّ من مصادر طبيعيّة كالقطن، وحيوانيّة كالصّوف والحرير، ويتمّ إستخراج خيوط من مختلف هذه المواد، ويمكن مزج هذه الخيوط مع بعضها جميعا أو اثنين منها أو تركها منفردة لإنتاج أنواع مختلفة من المنسوجات. وتكون عملية تحضير هذه المواد وتحويلها إلى خيوط استعدادا لنسجها من الأشياء التي تدل على براعة أهالي مدينة خنيس المجاورة وهي من أهم مراحل صناعة النسيج، حيث يقوم الأهالي بفصل صوف الخرفان عن الجلد ثم تتم تهيئته على مراحل، منها الغسل والغزل ليصبح خيوطا جاهزة للنسج.
وكان الهلاليون في الماضي يصبغون الصوف تقليديا من خلال النباتات على غرار قشور الرمّان ونبتة القرّيصة ودباغ الشّجر وغيرها، لكن منذ بدايات القرن العشرين تمّ تعويض النباتات بصبغات عصرية تطلبها التطوير الصناعي بحثا عن النجاعة والمردودية. فالمدينة تحولت مع الوقت إلى قطب صناعي تقليدي هام وحازت على شهرة عالمية واسعة وكثر الطلب على منتوجاتها محليا وخارجيا فكان لزاما على حرفييها مواكبة التطور وإدخال عديد التغييرات.
ولعل أهم مراحل صناعة النسيج هي تلك التي تتعلق بنزع القطعة فتكون إما جاهزة للاستعمال مثل السفساري (اللباس التقليدي للمرأة التونسية وهو أبيض) أو يتم أخذه إلى الخياطين لحياكة مختلف أنواع الألبسة، ويوجد في هذا الإطار خياطون مهرة في هذا الاختصاص. فعملية نزع المنسوج من النول تشبه إلى حد بعيد عملية حصد الفلاح لأرضه أو قطفه لثمارها بعد جهد جهيد وصبر طويل وسعة بال.
تطوير مستمر
وعن وضع الصناعات التقليدية بولاية المنستير تحدث كاظم المصمودي المندوب الجهوي للديوان الوطني للصناعات التقليدية بالمنستير لـ«القدس العربي» قائلا: «لقد تطور عدد الحرفيين بالولاية فأصبح 20000 حرفي يعملون بـ226 مؤسسة حرفية، 58 منها هي مؤسسات مصدرة. وتضم الولاية عددا من الأسواق مخصصة لهذه الصناعات تستفيد من العرض فيها أنشطة عديدة على غرار الفخار وصنع الحلي والتطريز والنسيج اليدوي وخياطة الملابس التقليدية والدباغة التقليدية والنجارة التقليدية وصناعة منتوجات الجلد».
واعتبر المصمودي أن وجود مؤسسات للتعليم العالي متخصصة في هذه الصناعات على غرار المعهد العالي لمهن الموضة بالمنستير والمعهد العالي للدراسات التكنولوجية بقصر هلال، يساعد على تطوير الصناعات التقليدية بالجهة. كما اعتبر أن تواجد مؤسسات للتكوين المهني على علاقة بهذه الصناعات مثل المركز القطاعي للتكوين في مهن الخشب بالمنستير، والمركز القطاعي للتكوين في الإكساء بالمنستير، والمركز القطاعي للتكوين في النسيج والإكساء بقصر هلال والمركز القطاعي للتكوين والعمل المستقل بالمكنين، هي من أسباب تواصل هذه المهن وتطورها في الجهة.
وأضاف محدثنا قائلا: «توجد بالمنستير جمعيات تنشط في مجال الصناعات التقليدية، ومجمعات حرفية، على غرار مجمع النسيج التلقليدي والموضة بالساحل ومجمع الفخار والتزويق الخارجي بالمكنين. وبذلك فقد بلغت صادرات الجهة من الصناعات التقليدية 16 مليون دينار تونسي سنة 2021 وبلغ عدد المشاريع الممولة سنويا 350 مشروعا باستثمار جملي يفوق 2 مليون دينار.
وهناك مشاريع مبرمجة خلال المرحلة المقبلة ومتعلقة بمخطط الفترة من 2023 إلى 2025 وتتمثل في إحداث قرية حرفية بالمكنين وقرية حرفية ببوحجر وبعث مركز خدمات تصميم وتجديد بالمنستير وإحداث دار الحرفي بالبقالطة. كل ذلك سيمكن من تطوير الصناعات التقليدية بولاية المنستير وسيحفز الشباب على الإقبال على هذه الصناعات المتوارثة عن الآباء والأجداد والتي بقيت خالدة ولم تندثر إلى يوم الناس هذا، وذلك بالنظر إلى أهميتها».