بغداد ـ «القدس العربي»: في الوقت الذي أحيا فيه ملايين العراقيين، الثلاثاء، مراسم ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) في محافظة كربلاء، جنوبي العاصمة بغداد، استغل السياسيون المناسبة بإعلان مواقفهم من الأزمة الحالية التي تشهدها البلاد منذ «اقتحام» الصدريين مبنى مجلس النواب أوآخر الشهر الماضي، وإعلانهم الاعتصام المفتوح.
وشارك الملايين من المسلمين الشيعة في إحياء مراسم زيارة «عاشوراء» عند ضريح الإمام الحسين وأخيه العباس في كربلاء، وسط إجراءات أمنية مشددة.
وانتشرت مواكب تقديم الخدمات، ماء وغذاء وخدمة صحيّة، في المدينة التي تحمل رمزية دينية لدى الشيعة والمسلمون على وجه العموم.
وتجمّع مئات الآلاف على السجادات الحمراء المحيطة في المبنى ذي القبب الذهبية منذ ليلة الإثنين، من رجال ونساء وأطفال.
وجلس بعض الزوار المتشحين بالسواد صباح الثلاثاء على الأرض في داخل مرقد الإمام الحسين، وسالت دموعهم تأثراً بصوت القصائد الندبية المغنّاة التي تشيد بالحسين وتستذكر واقعة مقتله، فيما افترش آخرون الأرض في الخارج تحت الشمس الحارقة، وضرب آخرون على صدورهم تعبيراً عن الحزن، وفق «فرانس برس».
«البيت الشيعي منقسم»
في الأثناء، أعلنت الأجهزة الأمنية عن «تعزيز التواجد في المحافظة والطرق المؤدية لها، حيث أسهمت التشكيلات الأمنية المختلفة في فرض عملية تأمين مراسم الزيارة وفرض أطواق حماية» وفق بيان صادر عن خلية الإعلام الأمني نقلته وكالة الأنباء العراقية.
وتأتي ذكرى عاشوراء هذا العام فيما يمرّ العراق بأزمة سياسية خانقة.
ويقول السيد يوسف كاظم العرداوي البالغ من العمر 50 عاماً والذي يعمل موظفاً في العتبة العباسية «البيت الشيعي منقسم» مضيفاً من كربلاء أن «ذلك أثر على الشارع من ناحية الاقتصاد والعمل. لم نكن نتأمل ذلك من السياسيين الشيعة».
أما حسين ثامر البالغ من العمر 25 عاماً والذي جاء من الناصرية في الجنوب للمشاركة في الزيارة، فقد قال: «الظروف السياسية صعبة جداً، ونحن نتمنى أن نتعلم الدرس من الإمام الحسين الذي انتفض على الظلم وعلى السياسيين».
ويضيف «المفروض هذا الشعب كله ينتفض. نحن في عام 2022 وبدون كهرباء».
وكما في كل عام، استغل السياسيون العراقيون المناسبة، بإعلان مواقف سياسية أو تجديد طرح أخرى سابقة.
زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، قال في «تدوينة» له، «قسماً بدمائك يا حيدر وبشبلك محزوز المنحر. تالله لا يحكم فينا (الفاسد) ومثلي لا يبايع (الفساد) أفلا من ناصر ينصرنا!؟» مستشهداً بعبارة الحسين الشهيرة.
وفي وقتٍ سابق، توجه الصدر بحديث خاطب فيه «الإمام الحسين» معاهده بالقول: «لن نحيد عن ثورتك وإصلاحك».
في مقابل ذلك، استغل زعيم ائتلاف «دولة القانون» نوري المالكي، ذكرى «عاشوراء» بإعلان موقفه الرافض لحلّ البرلمان وإجراء انتخابات مبكّرة، مشترطاً ذلك بعودة التئام البرلمان من جديد.
«دروس الدفاع والمقاومة»
وقال، في حديث تلفزيوني، إن «الإمام الحسين عليه السلام كان صرخة حق في مواجهة الكذب والتزوير والتزييف» موضحاً أن «الإمام الحسين عليه السلام مدرسة إلهية يتعلم بها المسلمون دروس الدفاع والمقاومة».
وأضاف: «تعلمنا من ثورة الإمام الحسين عليه السلام مقاومة الظلم أينما حل» مؤكداً أن «الصمود الفلسطيني إزاء جرائم الكيان الصهيوني درس من دروس ثورة الإمام الحسين».
وأشار إلى أن «ثورة الطف اثبتت أن قوة الطغيان والانحراف والكفر مهما تفرعنت فإن الأمة ستجمع شتاتها ولو بعد حين» مؤكداً في الوقت عيّنه أن «العراق بلد المكونات وشعبه يتشكل من مكونات، ولا يمكن أن تفرض إرادة عليه إلا إرادة كامل الشعب وعبر مؤسساته الدستورية التي يمثلها مجلس النواب المنتخب».
ووفقاً للمالكي فإن «لا حل للبرلمان ولا تغيير للنظام ولا انتخابات مبكرة إلا بعودة المجلس إلى الانعقاد، وهو من يناقش هذه المطالب، وما يقرره نمضي به لأن العراق ونظامه أمانة في أعناقنا».
ويشاطر المالكي الرأي، النائب عن كتلة «صادقون» النيابية، المنضوية في «الإطار التنسيقي» الشيعي، علي تركي، الذي عدّ أن الانتخابات المبكرة تتم عبر برلمان «فعال وحكومة منتخبة».
وأوضح لمواقع إخبارية تابعة «للإطار» أن «الذهاب إلى انتخابات مبكرة يحتاج إلى مقدمات وتوفير جملة من الأمور، أبرزها، تغيير قانون الانتخابات وفقا لقرار المحكمة الاتحادية في وجوب إصدار البرلمان تصحيحات على قانون الانتخابات الحالي، ومنها قضية العد والفرز الإلكتروني وتحويله إلى يدوي».
وأضاف، أن «طرح هذا الملف لا يتم إلا من خلال برلمان فعال وحكومة منتخبة، فلا يمكن إعادة الانتخابات في ظل هذه الظروف».
الصدر يتمسك بالانتخابات والمالكي يرهنها بعودة السلطة التشريعية لمهامها
وحسب رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، فإن حل البرلمان «طوق نجاة» للأحزاب والقوى السياسية التقليدية.
ورأى أن «خلل توازن القوى داخل البيت السياسي الشيعي دفع إلى القناعة أن حلّ البرلمان حل للأزمة» حسب إعلام نقابة الصحافيين العراقيين.
في الأثناء، أكد رئيس تحالف «الفتح» هادي العامري، رفضه كل أشكال «العدوان وإثارة الفتن وأنواع الظلم والحيف والتعدي على الشعوب».
وقال في بيان بمناسبة عاشوراء، إن «في هذا اليوم الذي أوجع قلب الرسول نرفع الصوت بالرفض لكل أشكال العدوان، وإثارة الفتن، ورفض كل أنواع الظلم والحيف والتعدي على الشعوب، خصوصا شعبنا العزيز الشعب الفلسطيني الأبي المقاوم، ونرفض كل أشكال الخداع والتلبيس وتغطية الخيانة والدناءة بالشعارات البراقة، شعارات التطبيع مع الكيان الصهيوني».
ومضى يقول: «نستلهم من هذا اليوم العظيم الثبات الدائم في خندق الدفاع عن بلدنا وشعبنا وأمتنا العربية والإسلامية حتى آخر لحظة من الحياة، نحن البدريون (في إشارة إلى منظمة بدر التي يقودها) الحسينيون كنا وسنبقى معلنين بصدق: لا نرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين إلا برما».
كذلك، غرد رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي، في ذكرى العاشر من شهر محرم.
وقال عبر «تويتر»: «أتقدم بخالص العزاء إلى الشعب العراقي والأمة الإسلامية جمعاء بذكرى استشهاد الإمام الحسين – عليه السلام – وآل بيته وصحبه، لقد جسدت هذه الحادثة قيم الفداء والتضحية، والثبات على المبادئ، ونحن نستلهم منها العبر لبناء الإنسان والمجتمع».
«استلهام العبر»
فيما شدد رئيس الجمهورية، برهم صالح، على «أهمية استلهام العبر والمعاني من هذه الذكرى الخالدة، فبلدنا يحتاج لإصلاح شامل».
وقال في بيان إنه «في هذه المناسبة العظمية، واقعة الطف الخالدة، حيث وقفة أبي الأحرار الإمام الحسين (عليه السلام) الثائرة ضد الظلم، أتقدمُ بخالص العزاء إلى الشعب العراقي وإلى الأمة الإسلامية، وإلى مقام المرجعية العليا في النجف الأشرف».
وأضاف، أن «المآثر التي خطتها ملحمة عاشوراء تجاوزت حدود الزمان والمكان حتى صارت مثالاً للإنسانية جمعاء لا تقف عند مذهب أو طائفة أو قومية، في سبيل إحقاق الحق ومقاومة الظلم والطغيان مهما كانت الأثمان باهظة، وبذلك أصبحت تضحية الإمام مساراً مُضيئاً ومُتجدداً على درب الحرية».
وتابع: «ما أحوجنا اليوم إلى استلهام العبر والمعاني من هذه الذكرى الخالدة، وأن نستنهض الهمم ونوحد الصفوف ونتكاتف تحت سقف الوطن في الإصلاح وخدمة أبناء شعبنا الصابر الذي يستحق كل خير وأمان وازدهار، والعمل في سبيل دولة مقتدرة تليق بالعراق وشعبه، فبلدنا يحتاج لإصلاح شامل».
وأكمل: «تحية إلى أبناء شعبنا الذي يُحيي ذكرى عاشوراء، وإلى جموع المتطوعين لخدمتهم، وإلى قواتنا الأمنية البطلة والمفاصل الساندة».
إلى ذلك، أكد رئيس مجلس النواب، محمد الحلبوسي، أن ملحمة عاشوراء وذكرى استشهاد الإمام الحسين (ع) منهاجَ هداية لكل الساعين إلى الحرية والكرامة ومقاومة الظلم والاستبداد.
وقال في «تغريدة» عبر «تويتر» «نتقدّم بالتعازي إلى الشعب العراقي والأمة الإسلامية بذكرى استشهاد أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام».
«إصلاحات شاملة»
كردياً، قال رئيس «الاتحاد الوطني» الكردستاني، بافل طالباني، إن العراقيين يتطلعون إلى الأمن والاستقرار وتحسين الخدمات وتأسيس حكومة خدمية وطنية تصارع الفساد وتبدأ بـ«إصلاحات شاملة».
وأضاف في بيان صحافي: «اذ نستذكر واقعة الطف الخالدة واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وآل بيته وصحبه، نتقدم بخالص العزاء إلى الأمة الإسلامية جمعاء والشعب العراقي على وجه الخصوص، وإلى مقام المرجعية العليا في النجف الأشرف».
وبيّن أن «ملحمة عاشوراء التاريخية خير مثال لتجسيد قيم الفداء، والتضحية، والتمسك بالمبادئ الحقة، وهي واقعة تلهمنا لتقويم المجتمع والإنسانية على مر العصور».
وتابع: «ونحن نحيي هذه المناسبة العظيمة على الجميع أن يبادروا إلى استخلاص العبر منها في التكاتف ووحدة الصف والعمل على إصلاح ذات البين خدمة للعراق وشعبه الأبي الذي يتطلع إلى الأمن والاستقرار وتحسين الخدمات والازدهار في شتى المجالات، والتأسيس لحكومة خدمية وطنية تواجه الصعاب وتصارع الفساد وتبدأ بإصلاحات شاملة».