منذ توقف مهرجان القاهرة للإذاعة والتلفزيون قبل عدة سنوات، لم تُقم فعاليات خاصة بالدراما المصرية والعربية، نظراً لوجود عوائق ومُشكلات كثيرة تُحيط بعملية الإنتاج ومستوى المُسلسلات، والدعم المالي اللازم لإنشاء مهرجان درامي مصري عربي جديد يليق بتاريخ الصناعة الدرامية الإبداعية المهمة، وربما لأن وجود مهرجان درامي خاص بالمُنتج الفني المصري مسألة ضرورية لاعتبارات كثيرة، اقتصادية ودبلوماسية وثقافية، بدأت تحركات من بعض الفنانين وبدعم رسمي من جهات مهمة لإقامة مهرجان يختص بتقييم الدراما تحت عنوان «مهرجان القاهرة للدراما المصرية» .
ومن المُقرر أن تُقام الدورة التجريبية برئاسة الفنان يحي الفخراني في أيلول/سبتمبر المُقبل، على أن يكون الشهر هو الموعد المُحدد سنوياً لإقامة الدورات المقبلة، وفق الترتيبات التنظيمية الخاصة التي اقتضت تشكيل لجنة تحكيم برئاسة المخرجة إنعام محمد علي وعضوية كل من مدير التصوير محسن أحمد والسيناريست حاتم حافظ والموسيقار راجح داود والناقدة خيرية البشلاوي وأحمد السقا ومحمد ممدوح وصابرين والمخرج تامر محسن.
وحسب التصريحات الأخيرة للمسؤولين بالمهرجان أن الدورة التجريبية ستعمل على تقييم المُسلسلات الرمضانية التي عُرضت في الموسم الماضي، وذلك للاستفادة من التجارب الفنية والإبداعية وتدارك بعض أخطائها كجزء من توجيهات المهرجان الجديد المدعوم إعلامياً من شركة الإنتاج المصرية Egybt pod في إطار اهتمام الدولة بالإبداع الفني والثقافي وصناعة الدراما، وذلك لمواجهة المنافسات الشديدة من جانب الدول الأخرى وتحقيق مبدأ القوة والتميز للدراما المصرية لتعود إلى سابق عهدها كدراما رائدة في المنطقة.
وبرغم كل ما ذُكر عن أهمية تقييم الدراما الرمضانية في الدورة التجريبية المقبلة، إلا أن هناك ما يدعو للقلق حول حيادية لجنة التحكيم المعنية بمسألة التقييم، حيث أن من بين الأعضاء نجوم عُرضت لهم أعمال خلال الموسم الرمضاني، وهم أحمد السقا وصابرين ومحمد ممدوح، وهو ما يتعارض مع اللوائح المُتبعة عادة في المهرجانات الإقليمية والمحلية والتي تحظر مشاركة أعضاء بلجنة التحكيم طالما أنهم من بين أبطال الأعمال الخاضعة للتقييم، وهذه أولى نقاط الضعف في المهرجان المحلي المزعوم، ناهيك عن أن الدورة الأولى ستكون مقصورة فقط على مشاركة الأعمال الدرامية المصرية بدون أي مشاركات عربية وهو أمر مُستغرب لأن إقامة مهرجان درامي تعني بالأساس مشاركة أكثر من دولة، حتى وإن كان المهرجان مصرياً بامتياز، فالمحلية ليس معناها نفي الإبداعات العربية الأخرى.
ومن دواعي التساؤل حول مستقبل الدراما المصرية وعلاقتها بالقوة الاقتصادية، ذلك الاستقلال التام المُنوه عنه في تصريحات المسؤولين عن التنظيم والإعلام والإدارة، والذي يعكس انفصال الدراما المصرية عن مدارها العربي ودورانها حول نفسها داخل المربع الإقليمي في دورتها التجريبية على الأقل، فما تم ذكره من تفاصيل الإعداد والتحضير للدورة المقبلة في أيلول/سبتمبر المُقبل لم يتضمن أي معلومة حول الدراما العربية وفرصتها في المشاركة مع الدراما المصرية لتحقيق عنصر المنافسة بين الطرفين، بل إن الحديث الدائر كله لم يتخط حدود الانحياز الكامل للدراما المصرية والكلام عن تميزها وسُبل تطويرها وعوامل نجاحها في إغفال تام لأهمية المُشاركة العربية للعمل على دعم التبادل الثقافي والمعرفي والتنويري بين القاهرة وبقية العواصم العربية.
هذا بالإضافة إلى أن الهيئة التأسيسية للمهرجان الدرامي الوليد لم تنوه من قريب أو بعيد عن الجوائز المرصودة للفائزين في الدورة الأولى، كما أنها لم تُشر إلى حجم التمويل والدعم المُقدم من الشركة المُتحدة بوصفها الجهة الإنتاجية الأقوى والموكل إليها أمر التغطية المالية على الرغم من أن كل المُعطيات تؤكد الاهتمام الخاص بتوفير كافة المُتطلبات وتذليل جميع العقبات لإنجاح المهرجان وتثبيته كنشاط ثقافي إبداعي مهم يرفع شعار التميز والارتقاء بالدراما المصرية ويعمل على استقطاب جميع الكفاءات في مجال الإبداع الدرامي لخلق حراك حقيقي يدفع بالمواهب الشابة إلى الأمام لتكون في طليعة مُبدعي المُستقبل.
هذا ومن المُنتظر أن يتم الإعلان عن تفاصيل أكثر في الأيام المُقبلة تفيد بمعلومات حول نوعية الأعمال الدرامية التي يتم التشجيع على إنتاجها خلال الفترة المقبلة في إطار الجهود المبذولة للحد من الإسفاف والهبوط وترقية الذوق العام ودعم النوعيات البناءة لربط حاضر الدراما المصرية بماضيها العريق الذي تمثل في مُسلسلات «رأفت الهجان» و«ليالي الحلمية» و«الأيام» و«دموع في عيون وقحة» و«أديب ومارد الجبل» و«زينب والعرش» وغيرها من الأعمال الفنية الخالدة.