يؤكد باسكال بونيفاس، المفكر والمرجع الفرنسي في الشؤون الدولية وقضايا العالم، بما في ذلك قضايا الشرق الأوسط، في كتابه «فهم العالم» أن: «جامعة الدول العربية التي تضم 22 دولة عربية، بينها فلسطين، تدعو بشكل مستمر إلى التنسيق فيما بين دولها، ولكنها قلّما تُنفّذ هذه الدعوات. فالدعوة إلى موقف موحد بين الدول العربية بالنسبة إلى فلسطين أو إلى وحدة المواقف بين دول المنطقة أصبح شعاراً شعبوياً رناناً يردده قادة هذه الدول ولعله لم يكن أكثر من ذلك في الماضي ولا في الحاضر». (ص 209).
ويضيف بونيفاس، مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في كلية «IRIS» العليا في فرنسا والمشرف العام المحاضر المتميز في معهد الدراسات الأوروبية في جامعة باريس الثامنة قائلا: «إن الدول الاستعمارية الأوروبية خانت القيادات العربية في أكثر من مناسبة عبر تقديم الوعود إليها مع عدم تنفيذها، وهذا الأمر جرى في الحرب العالمية الأولى وبعدها وما زال مستمراً حالياً عبر صعود الولايات المتحدة إلى الدور القيادي في هذا المجال بعد بريطانيا وفرنسا».
ويوضح بونيفاس الذي حقق ما يزيد عن ستين كتاباً وورقة بحث حول قضايا استراتيجية عالمية وتُرجم نتاجه من الفرنسية إلى لغات عديدة، أن «العالم العربي وشعوبه شعروا بالخيانة الأكبر لهم من جانب الدول الاستعمارية لدى إنشائها دولة إسرائيل بعد الحرب العالمية الثانية والاعتراف بها جاعلين الشعوب العربية تدفع ثمن المجازر التي ارتكبها الأوروبيون بحق يهود أوروبا خلال الحرب العالمية». (ص 210).
ونتيجة لنشوء إسرائيل، يقول بونيفاس، انطلقت حروب بين إسرائيل والعرب في الأعوام 1948 و1956 و1967 و1973 معظمها انتهت في مصلحة إسرائيل. هذا بالإضافة إلى حرب إسرائيل ضد لبنان في عامي 1982 و2006 وضد قطاع غزة الفلسطيني في الأعوام 2008 و2012 و2014.
ونتيجة حرب 1967 وخسارة الجانب العربي السريعة فيها انتشر الشعور بالذل لدى الشعوب العربية، ولكن حرب 1973 خففت من وطأة هزيمة 1967. كما ساهمت قرارات اتخذتها السعودية بقيادة الملك الراحل فيصل بن عبد العزيز في الشأن البترولي في رفع المعنويات العربية لفترة قبل اغتيال الملك فيصل وعودة السياسات السلبية إلى الأجواء في المراحل التالية.
القضية الفلسطينية حسب قول بونيفاس، بنظر الشعوب في العالم العربي «تشكل عنصر وحدة واستمرارا للحذر إزاء خداع ورياء الوعود والمؤتمرات الدولية المدعية الرغبة في تحقيق السلام في المنطقة والآتية من الدول الغربية الاستعمارية سابقاً وحليفتها وقائدتها حالياً الولايات المتحدة، وخصوصاً في ما يتعلق بإزالة الاحتلال الإسرائيلي وتوسعه في الأراضي الفلسطينية». (ص 211).
ويرى المؤلف في هذا الكتاب ان المملكة العربية السعودية أنشأت شبه تحالف غير معلن ومكتوب مع إسرائيل بحجة مواجهة الجمهورية الإسلامية الإيرانية. كما ان دولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين أقامتا علاقات دبلوماسية مع إسرائيل من دون ان تقدم لهما إسرائيل أي تنازلات بالنسبة للقضية الفلسطينية المفترض ان تكون قضية جميع العرب. وكذلك فعل السودان تحت أمرة طغمة عسكرية أملاً بإزالة العقوبات الاقتصادية الأمريكية والدولية عنه. كما وعد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بان تعترف أمريكا بتكريس سلطة المغرب على الصحراء الغربية في عام 2020 إذا طبّعت مملكة المغرب مع إسرائيل. وكل ذلك أدى إلى المزيد من شعور الفلسطينيين بالإحباط لأنهم تركوا من دون الوعود التي قُدّمت لهم بشأن نشوء الدولة الفلسطينية والانسحابات الإسرائيلية من أراضيهم التي تم الاستيلاء عليها.
وبرغم ذلك، يقول بونيفاس، تبقى القضية الفلسطينية مقدسة بالنسبة للشعوب والجماهير العربية، ولكن يبقى العالم العربي منقسماً وضعيفاً ويستمر الشرق الأوسط كالمنطقة الأكثر افتقاداً إلى الاستقرار من الناحية الاستراتيجية. (214).
في مستهل كتابه يطرح سؤالاً هو: في أي عالم نعيش؟
ويرى الكاتب ان التحول الرئيسي في عالم العلاقات الخارجية هو انتقال العالم من آحادي القيادة إلى آخرٍ متعدد القيادة بحيث لم تَعد الولايات المتحدة السلطة الدولية القادرة على اتخاذ جميع القرارات السياسية والعسكرية تجاه باقي دول العالم بمفردها. فقد وسعت نفوذها الاستراتيجي في العالم إلى قدرٍ أكبر مما تستطيع تحمله وبالتالي أصبحت مقيدة بشكل لم تكن محصورة فيه في العقدين السابقين من القرن الواحد والعشرين.
وحسب بونيفاس، فإن تقلص النفوذ السياسي والاقتصادي الأمريكي في العالم أدى إلى صعود أدوار دول أخرى كالصين وروسيا والمجموعة الأوروبية واليابان والهند. ففي العالم المُعولَم لم تَعُد أي قوة فيه ذات قدرة على فرض مشيئتها على العالم، فعندما خاطب الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جمهوره قائلاً: «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» كان يدرك ان الولايات المتحدة كانت قد فقدت جزءاً من نفوذها الأحادي في العالم.
بيد أن المؤلف يشير أيضاً إلى أن العالم لم يصبح متعدد الأقطاب عسكرياً بشكل شامل وكامل، إذ ان الولايات المتحدة لم تفقد موقعها العسكري الرئيسي على الرغم من الأخطاء التي ارتكبها الرئيسان جورج بوش الابن (في العراق) ودونالد ترامب في الشرق الأوسط عموماً.
كما يرى بونيفاس ان أزمة وباء كورونا العالمية ربما ساهمت في تعزيز نشوء وانطلاق عالم متعدد الأقطاب يركز على التعاون في مواجهة الكوارث الإنسانية.
ويتحدث الكتاب في الأجزاء المختلفة عن القضايا الرئيسية السياسية الدولية في المناطق المتعددة من العالم. فيبدأ في الاتحاد الأوروبي ومشاريع المجموعة الأوروبية وعلاقة الاتحاد بمنظمة «حلف شمالي الأطلسي» (الناتو) ويطرح إمكان إنشاء مجموعة دفاعية أوروبية مشتركة، ويشير إلى الأزمات التي واجهتها وتواجهها المجموعة الأوروبية.
ثم ينتقل إلى موضوع الولايات المتحدة الأمريكية ويطرح قضية هيمنتها على باقي دول العالم سياسياً واقتصادياً، وما هي محددات تلك الهيمنة وبعد ذلك يتناول قضايا القارة الآسيوية مركزاً بشكل خاص على الصين واليابان والهند.
في الفصل التاسع من القسم الثاني يطرح بونيفاس القضية الروسية وتفاعلاتها وقضية استعادة موسكو نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري في العالم مشيراً إلى استمرار وجود نقاط ضعف في النظام الروسي الحالي.
القسم العاشر في الكتاب، يتناول قضايا أمريكا اللاتينية وانتهاء هيمنة الديكتاتوريات العسكرية على أنظمة تلك القارة ويركز في عرضه للأوضاع على أكبر دولتين في تلك القارة: المكسيك والبرازيل.
وكما أشرنا في مطلع هذه المراجعة فالقسم الثاني عشر المتعلق بالأزمات والصراعات في العالم العربي والقضية الفلسطينية ربما هو الأهم بالنسبة للقارئ العربي وخصوصاً ان تحليلات بونيفاس فيه تتسم بالموضوعية وعدم الانحياز لتجاوزات إسرائيل وحلفائها في فلسطين.
وفي خلاصة الكتاب وعنوانها: «هل سيتقدم العالم؟» يقول الكاتب إن تطور تكنولوجيا المعلومات جعل الشعوب أكثر انفتاحاً على التجاوزات التي يرتكبها قادتهم في معظم أنحاء العالم.
كما يرى بأن دخول الصين وروسيا ساحة التعددية الاقتصادية والسياسية العالمية يشكل أمراً إيجابياً خلافاً لما تراه جهات أخرى في قيادات العالم الغربي المرتبط بالقيادة الأمريكية الحالية.
ويرى كثيرون بعض الجهات في العالم تحاول تعطيل أي تطور لتعاون دول العالم في المجالات الاقتصادية والإنسانية عن طريق افتعال الحروب وتصعيدها ميدانياً وإعلامياً.
وبدون شك لا ينتسب بونيفاس إلى هذا التوجه التصعيدي.
هذا الكتاب مفيد جداً علمياً بالإضافة إلى شموله مواقف جريئة وعميقة بالنسبة إلى قضايا العالم عموماً، وخصوصاً القضية الفلسطينية وأوضاع العالم العربي الرديئة حاليا، فهو يصلح أيضاً أن يُستخدم ككتاب يُدرّس أكاديمياً في جامعات العالم وفي دوائر العلوم السياسية والعلاقات الدولية فيها لأنه بالفعل يساهم في فهم العالم (كما يشير عنوانه) بطريقة مختصرة ومباشرة للطلاب الجامعيين الذين يدخلون إلى هذه الحقول والمواضيع للمرة الأولى أو يريدون التخصص فيها.
لعل الأسلوب السهل والمباشر الذي يستخدمه بونيفاس في هذا الكتاب من أفضل الوسائل التربوية الجامعية، فلا عجب ان يكون هذا المؤلف قد وصل إلى أعلى المراكز التربوية الجامعية في فرنسا وأوروبا وحظي بالاحترام من سائر جامعات العالم والأساتذة في حقله.
Pascal Boniface: «Comprendre le monde»
Armand Colin, Paris 2021
336 pages.