يرى ريموند وليمز في كتابه «الكلمات المفاتيح» أن كلمة المثقف أو المفكر عبر تطورها التاريخي احتملت معنى الشخص الأكثر ذكاء، كما حملت معنى الاستقلالية عن المؤسسة الحاكمة أو السلطة، ولاسيما خلال القرنين التاسع عشر والقرن العشرين، وهذا يأتي انطلاقاً من كون المثقف يمارس الدور الأهم بمعنى الإسناد الذي يقدمه على مستوى تشكيل الوعي في سياق المؤسسة الأكاديمية، والمجتمع؛ ولهذا يجب أن يحافظ على شيء من الاستقلالية بحيث يكون جزءاً من فاعلية اتخاذ القرار وتوجيه السياسات والاستشارة، ويمكن أن نلاحظ أن هذا لا يكاد يصدق على الدول النامية، أو الدول الأقل تقدماً على مستوى تحقق النموذج الديمقراطي الذي يعاني من اختلال واضح، ولا سيما مع غياب الثقافة المؤسساتية الحقيقية، فالمثقف في هذه الدول يكاد يقصر تعريفه على مشهدية الفنون والآداب، كما يمكن أن نضيف الأكاديمية، بيد أننا سنلاحظ بأن الدور الأكاديمي غالباً ما يعاني من الانفصال عن المفهوم الحقيقي للدور الثقافي، فهو أقرب إلى طابع تقني خالص، ويكاد يكون في معظم الأحيان غير منتج على المستوى الواقعي من حيث القدرة على استجلاب تغييرات بنيوية في القيمة الفعلية للبنى المجتمعية، ولهذا عدة أسباب ومعوقات.
لعل الجانب الوظيفي للمؤسسة يبقى جزءاً محورياً في فلسفة وجود المثقف، وتكوينه، لكن يبقى الدور الأكثر أهمية عبر تحقيق فاعلية التغيير على مستوى التفكير النقدي، وهذا الجانب قد يبدو محاصراً في الكثير من المواقع، نتيجة انحرافات في فهم العلاقة مع الفضاء العام الذي غالباً ما يبقى دور المثقف فيه مرتبطاً بطابع تقني، وهذا أنتج ثقافة أكاديمية عاجزة عن الاشتباك مع القضايا المحورية؛ ولهذا نرى أن أزمة الأكاديمية تكاد تبدو عميقة، كونها انعزلت أو شكّلت طبيعة انزلاقية على مستوى البحث العلمي، ففقدت الكثير من عوامل قوتها عبر تلك الأفعال من الاستنساخ والمراكمة وملامسة السطوح، إلى القدر الذي يقودنا إلى التسليم بوجاهة التمايزات لاستعمال كلمة المثقف بمعزل عن بعض الكلمات التي تقع في وسط البيئة الأكاديمية، فالمثقف يختلف عن المتخصص، أو المهني.
وما زالت هناك إشكالية تطوير الأفكار، وطرح الفرضيات، كما البحث عن القضايا، ففي قطاعات كبيرة من البحث العلمي نرى محاولة استنساخ لنماذج بحثية تستعاد، وتتكرر ضمن فاعلية التركيز النموذج والطابع الشكلي، مع خلوها من أي تأثير حقيقي في الواقع أو الفضاء العام، فتصبح البحوث والدراسات جزءاً من آلية تتعلق بالوظيفة، والعمل، وهذا ما يجعلنا نؤمن بأن التعالق البحثي ما هو إلا دور منفصل أو بعيد عن التبلور حتى يكون قادراً على الفعل والتغيير نتيجة قصور في توفر الأكاديميين والمثقفين الذين يسهمون في إنتاج هذا الشغف على مستوى الأداء البحثي المتصل بالواقع والمجتمع.
ومن الإشكالات الملاحظة قصور في الأداء التقني والنقدي على حد سواء، حيث نرى أن الكثير من البحوث والدراسات تعاني من تشوّهات على المستوى المنهجي، بما في ذلك الرسائل العلمية والبحوث التي تنشر في بعض المجلات العلمية، إذ نواجه بحوثاً تبحث في قضايا ما، غير أنها تكون مصابة بالضعف نتيجة محدودية المصادر والمراجع المركزية، وكأن الباحث لا يدرك أن وظيفته الفعلية، هي البحث بعمق لا الانتقاء أو الجمع عن السطح في سياق المتوفر، كأن يتجاهل المراجع أو المصادر المركزية التي تتصل ببحثه، ومؤخراً قرأت بحثاً يتناول نظرية نقدية نشرت في إحدى المجلات العلمية المرموقة، لم يتكلف الباحث فيها عناء العودة للمصادر الأساسية المشهود لها، التي يمكن أن يعثر عليها عبر عملية بحث بسيطة على الشبكة العنكبوتية، ولعل هذا نتج عن عدم التدرب على أبجديات البحث العلمي، كما لا يمكن أن نتجاهل شيوع السطو على الأفكار، أو اللجوء إلى الكتابة المأجورة، أو رفض بعض مسؤولي تحرير المجلات بعض الأبحاث كونها تتجاوز الرؤى والمناهج النقدية التي ألفوها، وبذلك فهو يختطف عملية تطوير الرؤى النقدية.
ومن أبرز إشكاليات المثقف الحقيقي عدم قدرته على أن يكون جزءاً من ممارسة النفاق، وبناء المنظومة من العلاقات القائمة على التبادل المصلحي، والتكيف مع ثقافة بدأ تشيعها النظم السلطوية تحت مقولة الذكاء الاجتماعي، التي لا تعني سوى تعميق الفساد على المستويات كافة، وبهذا فإن هذا السلوك يقود إلى بناء منظومة من التجهيل عبر بلورة هرمية السلطة.
كما يمكن القول إن المعضلة تكمن أيضاً في الأسباب التي أدّت إلى هذه التشوهات، حيث إن الاختلالات المؤسساتية هي نتاج المعضلة الثقافية على مستوى الإدارة نتيجة نقص في الوعي النقدي، مع شيوع ثقافة الاستسهال التي أفرزت هذا الضعف على مستوى العلوم الإنسانية، ومحاولة تحييدها، ربما لا على مستوى العالم العربي، إنما على مستوى قطاعات كبيرة من العالم، كون فعل الإنتاجية لهذه العلوم يبدو ضئيلاً، وغير مؤثر في تصنيف المؤسسات العلمية، غير أن مستوى البحوث العلمية التطبيقية الطبيعية ليس بأفضل حالا من العلوم الإنسانية، على الرغم من مستوى التمويل والاهتمام، ويعود ذلك إلى أنها تصدر عن الفلسفة عينها التي تسببت بقصور العلوم الإنسانية من حيث غياب قيم الحرية، كون الوعي الإداري متماثل في العالم العربي من حيث الارتهان لأنماط من الاختلال على مستوى التوظيف للكفاءات، وطغيان المجاملات، وتجنب الاقتراب من القضايا المهمة؛ فلا جرم، أن تبقى المخرجات متواضعة، أو أنها تتصل بأنماط بسيطة، غير ملموسة التأثير على مستوى البنية الكلية للدولة، ومن ذلك مستوى الدخل، ومعيشة الفرد، والبحث عن حلول لأزمات مستعصية، إذ تتخذ القرارات بشأن ذلك النخب السياسية، دون استشارة الكفاءات المعرفية.
ولعل المعضلة الأساسية للنتاج البحثي في العقلية العربية، يرتبط بالقدرة على توفير معايير التقدم والارتقاء على المستوى الوظيفي، ومن هنا، فإن أبرز مفردات البحث العلمي تخضع للاختراق؛ بمعنى أنه ينبغي للبحث أن ينطلق من مشكلة أو إشكالية، ومن ثم توضع فرضية ومعالجة وتفكير نقدي.. غير أن كل ما سبق يبقى في إطار ظاهري، على الرغم من أن الأكاديمي تحصل على تعليم تخصصي، غير أن ذلك لا يعني أنه قادر على أن ينطلق من وعي بالسياق الثقافي المحيط، ناهيك من وجود وعي أخلاقي بالقضايا التي ينطلق منها، فثمة الكثير من البحوث والرسائل التي تُختزل في طبيعة إجرائية غالباً ما تتستر تحت عباءة الجمالي الشكلي، أو تحت ظلال مناقشة قضايا إجرائية لا تمس حقيقة المشكلة، ومن ذلك على سبيل المثال الأبحاث التربوية التي تبحث في تدني مستوى طلبة المدارس، فيسارع الباحث إلى جمع العينات والمعالجة، لكنه يتجاهل أسباب المشكلة كونها تتطلب وعياً نقدياً وشيئاً من الحرية والجرأة، ومن ذلك نقد العوار المؤسساتي الذي أنتج منظومة التعليم التي تضررت نتيجة عوامل نسعى لتجاهلها، وهنا يكمن الفرق بين المثقف والأكاديمي، فالأول يتجاهل المشكلة، في حين أن الثاني يدركها، لكنه ربما يعاني من العزل والإقصاء.
ومن أبرز إشكاليات المثقف الحقيقي عدم قدرته على أن يكون جزءاً من ممارسة النفاق، وبناء المنظومة من العلاقات القائمة على التبادل المصلحي، والتكيف مع ثقافة بدأ تشيعها النظم السلطوية تحت مقولة الذكاء الاجتماعي، التي لا تعني سوى تعميق الفساد على المستويات كافة، وبهذا فإن هذا السلوك يقود إلى بناء منظومة من التجهيل عبر بلورة هرمية السلطة، حيث يكون التسلسل مبنياً لا على الكفاءة بمقدار ما يبنى على تحالفات، وعلاقات ورؤى نفعية، وبذلك فإن النتاج العلمي يعدّ أحد عوامل عدم القدرة على التقدم للأمام، بل ربما يسهم بالعودة إلى الخلف لأنه ينتج شيئا من الوهم، وربما إلى ما هو أبعد من ذلك.
كاتب أردني فلسطيني