تونس ـ «القدس العربي»: عادت الحياة إلى ركح المسرح الأثري في قرطاج بأعلى هضبة الأوديون بالمدينة القديمة وأطلالها الأثرية، وذلك بعد سنتين من التوقف والاقتصار على العروض المحلية بفعل جائحة كورونا التي فرضت التباعد وخنقت الحياة الثقافية ليس فقط في تونس بل في أغلب بلدان العالم. وعاد كبار الفنانين من تونس والعرب والعالم إلى المهرجان الذي شهد ميلاد كبار النجوم الذين أبدعوا لاحقا بفنهم الراقي وجابوا بلدان العالم بعد أن أعطتهم قرطاج شهادة ميلادهم الفنية وبطاقة عبورهم إلى العالمية.
وكم من نجم عربي وعالمي افتخر أمام الملأ بأنه صعد على ركح قرطاج ونال استحسان جمهور لا يعرف المجاملة منذ العصور الغابرة، ويجعل كل فنان مهما علا شأنه في امتحان عسير وضغط كبير إلى حين انتهاء سهرته وعبوره إلى بر الأمان. وكما صنع قرطاج نجوما فإنه ساهم أيضا في التأثير سلبا على مسيرة الكثيرين ممن فشلوا في نيل رضا جماهيره العاشقة في عمومها للفن الراقي والطرب الأصيل.
وتضمنت الدورة الحالية لمهرجان قرطاج عروضا منوعة محلية وعربية وعالمية حلّق خلالها الجمهور التونسي على أجنحة الإبداع في سهرات استثنائية لاقت في مجملها استحسان الحاضرين. في حين أثارت بعض العروض جدلا واسعا مثل عرض الفنان الكوميدي الأمين النهدي. وانطلقت العروض يوم 14 تموز/يوليو واختتمت يوم 20 آب/أغسطس.
سهرات عربية
ولعل النجاح الباهر لسهرتي الفنان السوري نور مهنا والفنان العراقي عازف العود نصير شما، في جعل مدارج المسرح تغص بالجماهير من مختلف الأعمار وتعبر لاحقا عن انبهارها بالعرضين، يؤكد على أن الرداءة التي برزت في السنوات الأخيرة لا مكان لها في هذا المهرجان العريق. وحدها فقط الحاجة إلى الربح المادي، بعد أن باتت للمهرجان ميزانيته الخاصة المستقلة عن ميزانية وزارة الثقافة التونسية، هي التي تفرض أحيانا دعوة بعض أشباه الفنانين الذين لديهم جماهير خلقها تدهور الذوق الفني لدى البعض.
ورغم بعض الانتقادات التي طالت بعض العروض فإن مهرجان قرطاج الدولي حقق هذا العام غاياته التي بعث من أجلها، وهي بالأساس إثراء المشهد الثقافي العالمي وخلق مجالات للإبداع ولبروز فنانين محليين وعرب وعالميين، ولمزيد إشعاع تونس في محيطها العربي والأفريقي والمتوسطي والعالمي باعتبار الثقافة رافدا من روافد التنمية وقوة ناعمة لها تأثيرها الذي لا يستهان به. كما يساهم المهرجان في إطلاع الجمهور التونسي عن كثب على آخر الإبداعات من مختلف أنحاء العالم وفاء لإرث قرطاج العالمي باعتبارها حضارة جمعت مختلف الثقافات والأعراق في الحوض المتوسطي وخارجه وانفتحت باكرا على الآخر في رحلات بحرية استكشافية كبرى في المحيط الأطلسي بداية من القرن التاسع قبل الميلاد، ومن خلال الود الذي جمع قائدها حنبعل أو هنيبعل في القرن الثالث قبل الميلاد بالإيبيريين في أوروبا غربا، وبلاد الأرمن والسلوقيين شرقا.
فمهرجان قرطاج لا يكتفي بالفنانين التونسيين والعرب على غرار أغلب المهرجانات العربية بل يتجاوزهم إلى مختلف أركان الكرة الأرضية، إلى القارتين السمراء والعجوز، والأمريكيتين، وأقاصي آسيا، وحتى أستراليا. فأينما وجد الإبداع إلا واستقطبه مهرجان قرطاج الدولي وهو ما جعل أسماء كبرى وعملاقة لا تحصى ولا تعد تعتلي ركحه، على غرار فيروز ونجاة الصغيرة وصباح فخري ووديع الصافي وشارل آزنفور وخوليو إيغليسياس وجيمس براون وداليدا ولويس أرموسترنغ وراي تشارلز وجو كوكر ويوسو ندور وألفا بلوندي وإيروس رامازوتي وراي تشارلز وسيرج لاما وجيرارد لينورمان وغيرهم.
ولا يقتصر مهرجان قرطاج على الغناء بل تعرض فيه المسرحيات والمسرحيات الغنائية الراقصة أو الأوبيرات، وزاره واعتلى ركحه كبار العالم في هذا المجال أيضا، وهو ما زاده ألقا ورقيا وإبداعا وتميزا على عديد المهرجانات الفنية الأخرى التي تقتصر فيها العروض على الغناء فقط. ومن هنا جاءت أهمية المهرجان وشهرته، والتي ساهمت فيها أيضا عراقته، وأسبقيته في الزمن، وارتباطه بواحدة من أهم حضارات العالم أي حضارة قرطاج وتأثير إسمها السحري على المتلقي في الشرق والغرب.
ومن بين العروض التي لاقت استحسان جمهور قرطاج هذا العام عرض الفنان العراقي نصير شما، الذي عزف من قرطاج بلد أعجوبة قناة المياه التي كانت تعد من عجائب الدنيا تحت مسمى قناة قرطاجنة، قبل أن يهدمها العرب مع الفتح الإسلامي، مقطوعة أهداها إلى حدائق بابل المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع. وزاد فعزف لتونس وانتشى بعوده وألحانه الشجية الحضور مستحضرين تاريخ الموسيقى العراقية وإبداعات إسحاق الموصلي وغيره من الموسيقيين، عائدين إلى الأزمان الغابرة لبلاد الرافدين التي لها إضافاتها الحضارية في كل الحقب التي مرت بها الإنسانية على مر التاريخ.
كما نجح عرض الفنانة الجنوب أفريقية نومسيبو زيكودي في جلب الانتباه، كيف لا وهي صاحبة أغنية القدس أو «جيروساليما» الشهيرة التي نجحت بشكل لافت في خلق حالة من التفاعل الاستثنائي مع جمهور المسرح الأثري بقرطاج. كيف لا تنجح بذلك الصوت الاستثنائي وبلغة الزولو الأفارقة وبتلك الكلمات التي تغنت بزهرة المدائن، القدس مدينة السلام وما أدراك، والتي لها في قلوب التونسيين عشق خاص وهي السليبة من أهلها.
لقد صدرت هذه الأغنية في ذروة استفحال وباء كورونا والعالم يائس من الحياة، فكانت رسالة أمل للشعوب من خلال القدس أو»جيروساليما» التي تعاني الأمرين تحت الاحتلال وتتوق إلى الحرية. وكأن الإنسانية جمعاء تتوق إلى التخلص من الوباء تماما مثل المقدسيين الراغبين في عالم جديد أجمل وآفاق أرحب بعد التخلص من الاحتلال الجاثم على الصدور، هكذا فهم القرطاجيون جيروساليما فكانت رسالة حب من قرطاج العريقة إلى المدينة المقدسة الموغلة في العراقة وإلى شعب فلسطين.
لقد كانت الفنانة الجنوب أفريقية متواضعة إلى أبعد الحدود وعبرت في ندوة صحافية عن تمنياتها بأن تكون عند حسن ظن الجماهير التونسية الذين تمنت الاحتفاظ بحبهم بعد السهرة وتمنت أيضا تشكيل ثنائي مع فنانة تونسية للغناء جنبا إلى جنب. كما أكدت زيكودي بأن تونس التي يجعلها موقعها الجغرافي وتاريخها ممرا بين الشرق والغرب هي بلد محوري تتمنى أن تفتح لها الباب إلى العالم العربي.
سهرات عالمية
ومن السهرات الناجحة أيضا في قرطاج حفل نجمة الأغنية الفرنسية إيزابيل جيفروي المعروفة اختصارا بإسم زاز، تلك الفنانة التي زارت تونس لأول مرة وعمرها 17 سنة وتحتفظ فيها بذكريات جميلة لتعود إليها هذه المرة وقد تجاوزت الأربعين رغم أنهاعرفت كيف تحافظ على روح الطفل الذي يتأمل ويبتسم إلى الحياة بكل براءة. لقد أضاءت زاز الشموع في ضوء القمر وولجت إلى المسرح بشكل مذهل «متسللة» بين المدرجات الممتلئة بالجمهور، وغنت ولفتت الانتباه بحضور رائع، في سهرة استثنائية ستبقى راسخة في الأذهان على غرار سهرتي مواطنتيها باتريسيا كاس وهيلين سيغارا في سنوات سابقة وكذا سهرة لارا فابيان التي بقيت في ذاكرة جمهور قرطاج رغم مرور السنوات.
ومن السهرات الناجحة أيضا سهرة السوبر ستار راغب علامة الذي يبقى معشوق جماهير الأغنية الرومانسية بامتياز والذي كانت انطلاقته الحقيقية منذ سنوات من ركح مسرح قرطاج الأثري، وقد عاد إليه نجما في سماء الأغنية العربية. والفنان هو من أهم الفنانين الذين أثثوا سهرات مهرجان قرطاج الدولي خلال السنوات الماضية وهو الذي يغني أمام مدارج ممتلئة تحقق الربح المادي المطلوب لإدارة المهرجان.
كما لفتت الانتباه سهرة الأخوين جاكسون من الولايات المتحدة اللذين عادت معهما ذكريات التونسيين إلى حفلة شقيقهما مايكل جاكسون في تونس سنة 1997 والتي كانت الوحيدة له في العالم العربي قبل سنوات من رحيله عن هذا العالم حيث اختار مايكل الخضراء لنقاء هوائها ونظافة بيئتها وانفتاح شعبها وتاريخها العريق. يومها خلق نجم البوب العالمي الحدث في تونس التي تقاطر عليها الزوار من إيطاليا ومالطا وفرنسا وبلدان عربية لحضور الحفل الذي احتضنه الملعب الأولمبي بالمنزه وحضره شباب ومراهقون، هم اليوم آباء وأمهات لجيل جديد نشأ بدوره عاشقا للفن، لم يشهد حفلة مايكل لكن الفرصة أتيحت أمامه لمشاهدة شقيقيه على ركح قرطاج.