كانت موهبتها الصادقة دليلها إلى عالم الشهرة والنجاح، فلم تعتمد رجاء حسين الطفلة الصغيرة على غير الموهبة في إثبات وجودها كممثلة منذ اختيارها في فرقة التمثيل بالمدرسة الابتدائية، فنبوغها في حفظ الأدوار وتجسيد الشخصيات كان هو الداعم الأساسي لها حتى بعد أن شبت عن الطوق وصارت حُرة في اختيار ما يناسبها من مجالات الإبداع.
اختارت الدراسة في المعهد العالي للفنون المسرحية لتأسس مسيرتها على المنهج العلمي فلا يؤخذ عليها وهي المُنحدرة من أصول ريفية بمحافظة القليوبية أنها أهملت دراستها وانخرطت في دنيا الهزل والغواية حسب الاعتقاد السائد آن ذاك.
حصلت رجاء على بكالوريوس معهد الفنون المسرحية لتلتحق بعدها بفرقة نجيب الريحاني، وهو انتقال ثاني لأكاديمية فن ممارسة التمثيل، ولعلها المرحلة الأكثر ثراءً في حياة الفنانة الموهوبة التي يصعب تصنيفها كممثلة، إذ لم يتم حصرها في أدوار الشر أو الخير، ومن ثم فلتت من مأزق التنميط الذي أهدر مئات المواهب من الرجال والنساء.
لقد أجادت الفنانة الراحلة كل الأدوار فجسدت الشخصية الطيبة بصدق مُتناهي وأقنعت الجمهور بطابعها الإنساني الرقيق بلا تكلف أو افتعال وساعدتها في ذلك ملامحها الحيادية وقدرتها الفائقة على التحول السريع ما بين أحاسيس الخير والشر في أقصر المساحات الدرامية وأقواها انفعالاً وتأثيراً.
ولم تعجز رجاء حسين عن تطويع موهبتها حسب الدور المطلوب في السينما أو المسرح أو التلفزيون، فقد كانت أسيرة للحظة التقمص، فحين تنتابها مشاعر الشخصية التي تؤديها تُصبح جزءا لا يتجزأ منها، لذا جمعت بين كل الأنماط والشخصيات، فكانت نعيمة صاحبة البنسيون الطيبة التي تتفانى في حُب إبراهيم الطاير «عادل إمام» وتعمل على تضليل العصابة التي تُطارده في مسلسل «أحلام الفتى الطائر» حفاظاً على حياته وأملاً في عودته إلى صوابه.
وهي أيضاً عوالي المرأة الغجرية الناشئة في بيئة المؤامرات والدسائس، فهي المُغرمة بإحداث الوقيعة بين أقطاب القرية وإفشاء الأسرار في مسلسل «مارد الجبل» مع محمود المليجي وتوفيق الدقن ونور الشريف وليلى حمادة وعايدة رياض، وهو العمل الدرامي الملحمي الكبير الذي صنع نجوميتها ووضعها على أول الطريق الصحيح كممثلة تمتلك قُدرات إضافية خارقة للعادة، وهي في نفس الوقت الاكتشاف الثري للمخرج الكبير نور الدمرداش الذي راهن على موهبتها وربح باكتشافها.
وبامتداد المسيرة جاء دورها المُتميز في مسلسل «الشهد والدموع» مع ممثل المسرح المُخضرم نبيل الدسوقي الذي جسد دور الرجل الطيب والزوج هادئ الطباع المغلوب على أمره في كثير من الأحيان، حيث أبرز الدسوقي بسلبيته وضعفه الدرامي المُتعمد قوة شخصيتها ليكون لها الحضور الطاغي في الأحداث والأثر البالغ في تفاعل الجمهور معها.
وللممثلة الراحلة أدواراً رئيسية في السينما، فهي إحدى بطلات فيلمي «عودة الابن الضال» و«حدوتة مصرية» للمخرج يوسف شاهين الذي أصقلها فنياً ومعرفياً وأفادها على مستويات كثيرة لتُصبح النجمة المُعترف بها جماهيرياً بدون دعاية مصروف عليها ومُبالغ فيها كنجمات أخريات أقل منها شأناً وموهبة.
وتتأكد الحيثية الفنية الكبيرة لرجاء حسين في فيلم «أفواه وأرانب» مع المخرج هنري بركات وفاتن حمامة، فقد أثبتت الأولى أنها قامة مُساوية لقامة البطلة، وربما إصرارها على أن تكون بطلة أخرى للفيلم بنفس الحجم والمقدار هو ما لفت إليها النظر وأثار قلق سيدة الشاشة العربية التي تعجبت من مهارة ومُثابرة المُمثلة الثانوية التي جاءت لتسرق منها الأضواء!
وهناك دور لا يُمكن إسقاطه من سلسلة الأفلام المهمة لرجاء حسين، خاصة في مرحلة مُنتصف العمر، هذا الدور قامت به في فيلم «أبناء وقتلة» مع نبيلة عبيد ومحمود عبد العزيز ومجدي وهبة وجسدت خلاله شخصية الأم البديلة الطيبة لأحمد سلامة وشريف منير والعمة الودودة، الداعية دائماً لفعل الخير ونسيان الماضي البغيض في رسالة ضمنية لنبذ العنف والتخلي عن الكراهية.
لقد حظيت الفنانة بنصيب وافر من التقدير، حيث تواجدت كبطلة حقيقية في حزمة من الأفلام والأعمال الدرامية والمسرحية المتنوعة ولم تخسر أي من رهاناتها في أغلب ما أبدعته وبرعت في تجسيده، فهي صاحبة الثراء النوعي والموضوعي بشهادة الجمهور برغم آلة النقد التي تجاوزتها في كثير من الأزمنة والمراحل ولم توفها حقها في الدراسات النقدية المطولة التي دُبجت لغيرها من الذين نجحوا في توطيد علاقتهم بالصحافة والإعلام فسبقوها بعدة خطوات فصاروا الأشهر كونهم عرفوا من أين تأتي الفرص!