القاهرة ـ «القدس العربي»: شهد النظام التعليمي في مصر تغيرات واسعة، تحت مسمى عرف بـ”نظام التابلت”، وهو التطوير الذي نال انتقادات، في ظل ارتفاع معدلات عدد الطلاب في الفصول، والنقص في عدد المعلمين، وعدم تأهيل المدارس من حيث القدرة على متابعة التطوير الجديد، من حيث البنية التحتية، خاصة في مجال الإنترنت.
وشهدت نتائج الثانوية العامة تراجعا كبيرا في معدل الدرجات التي حصله عليها الطلاب، ما أثار استياء أولياء الأمور، واتهموا وزير التعليم السابق طارق شوقي، بالتسبب في هذه الأزمة، قبل أن تتم إقالته في التعديل الوزاري الأخير، ليحل محله نائبه الدكتور رضا حجازي.
ودفعت النتائج عددا من طلاب الثانوية العامة وأولياء أمورهم، للتظاهر أمام عدد من المقار المخصصة لتظلمات الثانوية العامة على مستوى الجمهورية.
وتداول رواد مواقع التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو تظهر تجمّعات كبيرة لطلاب وذويهم في المقر الرئيسي لتقديم التظلمات، وردّد الأهالي هتافات تطالب بحقوق أبنائهم.
وخلال تقديم التظلمات وقعت مناوشات بين أفراد الأمن والطلاب.
وصرحت وزارة التربية والتعليم آنذاك، في بيان نشرته عبر صفحتها الرسمية على “فيسبوك”، أن الأولوية في عمليات التظلم ستكون للطلبة الراسبين.
وأثارت النتائج سخطا عاماً وسط اتهامات بالتلاعب عبر الغش الجماعي وتسريب الامتحانات.
الجامعات الأهلية
مجانية التعليم عنوان آخر للانتقادات، في ظل اتجاه الدولة لتقليل عدد المقبولين في الجامعات الحكومية لمصلحة الجامعات الأهلية، وهي جامعات بمصروفات إضافة إلى الجامعات الخاصة.
وشهدت مصر خلال السنوات الماضية تأسيس 12 جامعة أهلية، التي تتراوح فيها المصروفات بين 65 و100 ألف جنيه سنويا.
ولم يكن التعليم الجامعي أو الثانوي هو الأزمة الوحيدة التي شهدها نظام التعليم المصري في السنوات الأخيرة، فتلاميذ الصف الرابع الابتدائي كانوا على موعد مع أزمة تطوير المناهج، التي اشتكى الأهالي من صعوبتها وعدم قدرة أبنائهم على تحصيلها.
هذه الأزمة دفعت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني، للتأكيد على أنها تجري بعض التعديلات على مناهج الصف الرابع الابتدائي للعام الدراسي الجديد، حتى تتناسب مع الخطة الزمنية، وبما لا يخل بتحقيق نواتج التعلم.
النائبة سناء السعيد، عضوة مجلس النواب عن الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، تقدمت بسؤال للدكتور رضا حجازي، وزير التربية والتعليم، عن قراراه بتعديل مناهج التعليم للمرحلة الابتدائية، في حين إنه صرح في شهر فبراير/ شباط الماضي، عندما كان يشغل منصب نائب وزير التعليم، أن تعديل مناهج التعليم للمرحلة الابتدائية تم بالفعل.
وتساءلت عن التضارب في القرارات والتصريحات من المسؤول نفسه واختلافها حسب المنصب الذي يشغله، فقرار الدكتور رضا حجازي عندما كان نائبا للوزير يخالف قراره الذي أصدره الآن بعد توليه حقيبة وزارة التربية والتعليم.
آثار العدوان على التعليم
الأزمات التي يشهدها التعليم دفعت الحركة المدنية الديمقراطية لتنظيم ورشة عمل حول التعليم، ضمن المحور الاجتماعي، في مقر الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، في إطار عمل الحركة المدنية على تحديد رؤيتها في مختلف القضايا، وصياغتها، وإعداد الأوراق، والملفات المختلفة، تمهيدا لتقديمها ضمن الحوار الوطني، إذ تنظم الحركة عددا من ورش العمل الأساسية والمتخصصة، يتم خلالها تجهيز هذه الأوراق على يد خبراء ومتخصصين.
ورشة
وذكرت الحركة في بيان، أن الروشة انقسمت إلى جلستين، ناقشت الأولى التعليم الأساسي، فيما ناقشت الجلسة الثانية التعليم الجامعي، بحضور خبراء ومتخصصين.
وحسب بيان الحركة: اتفق الحضور على أن التعليم له أهمية استراتيجية تصل أهميتها إلى اعتبارها أمنا قوميا، وأن التعليم سواء الأساسي ما قبل الجامعي والتعليم الجامعي يعاني من العديد من المشاكل.
كمال مغيث، الخبير التربوي، طالب بإزالة آثار العدوان لما حدث في التعليم.
وأضاف: لا يوجد وزير يقوم بمفرده بالعمل، ويوجه الحديث والنقد للمعلمين وأولياء الأمور. واستنكر عدم المحاسبة على الأموال التي يتم إنفاقها، بجانب غياب المنهجية في التعامل مع ملف التعليم.
وزاد: النظام أدار ظهره للتعليم، وما نحتاج إليه هو إعادة الاعتبار للتعليم.
مدير مركز الحق في التعليم، عبدالحفيظ طايل، قال إنه ينبغي الاعتراف أن التعليم حق للجميع غير قابل للتصرف أو التنازل عنه، وأن المعضلة الحقيقية تتمثل في عدم وجود لوائح منظمة للقانون، وهذه تعتبر مشكلة حقيقية في قانون التعليم الفني، وأن ثمة أربع أمور خاصة بهذا الأمر، وهي: الإتاحة، القابلية للوصول، المقبولية للمجتمع، وأخيرًا الحماية.
وأضاف: هناك عجز في المدارس يصل إلى 20 ألف مدرسة، جزء كبير منها في التعليم الفني، فهناك سياسات تمارسها الدولة تؤدي إلى حرمان عدد من الطلاب من التعليم والتعليم الفني، فضلا عن ضعف مهارات التعلم الأساسية لدى طلاب التعليم الفني ويصل الأمر إلى عدم إجادة القراءة والكتابة والحساب. وشدد على ضرورة التزام الدولة بحماية الطلاب من الانتهاك، وعدم تركهم نهباً للقطاع الخاص، حيث يوجد بعض المدارس غير المرخصة، وتضع لافتات تحمل اسم وزارة التربية والتعليم. كما تطرق إلى فكرة تشغيل طلاب التعليم الفني بالمصانع بمبالغ زهيدة، فضلًا عن المشكلات التي يتعرضون لها في التدريبات في المصانع والشركات.
وتناول فكرة التعليم المزدوج، والذي يتطلب تشريعا قانونيا لتنظيمه، وشدد على ضرورة الحاجة إلى رقابة تربوية، حقيقية، وشفافية في شراء المعدات والأدوات بالمدارس الفنية، إضافة إلى الحاجة إلى قانون منظم للتعليم الفني، يُوجد رقابة حقيقية على المدارس ومصانع المتدربين، وكذلك حد أدنى للأجور والمرتبات للمعلمين. وطالب بضرورة وجود وزير خاص للتعليم الفني.
عجز في المعلمين
طه أبو الفضل، رئيس لجنة التعليم في حزب المحافظين، تحدث عن العجز في المعلمين في المواد الأساسية، وقال: لا يوجد قانون ثابت يتناول أجور المعلمين، ومن ثم فهناك حاجة إلى قانون تعليم جديد وإضافة مواد خاصة لأجور ومرتبات المعلمين، كما تطرق إلى نقابة المهن التعليمية والتي تحتاج إلى ضرورة إجراء انتخابات نزيهة.
وأوضح أن حزب المحافظين لديه مشروع قانون كامل حول التعليم.
كما أكد محب عبود، عضو النقابة المستقلة للمعلمين، أن النقاش سياسي بالأساس، خصوصا أن الغموض الذي يكتنف السياسة التعليمية يعتبر أمرا مقصودا، وكل ما نريده أقرته الدولة في كل وثائقها، وثمة حاجة لضمان مجانية التعليم، والتي لم تكن فكرة يسارية، ولكنها فكرة أقرتها دول ليبرالية كألمانيا. كما تطرق إلى فكرة المساواة في التعليم وتمتع الطلاب بالرعاية.
ولفت إلى أن هناك دراسة لجامعة هارفارد كشفت أن الإنتاج يتأثر برأس المال البشري بنسبة 62%، في حين يتأثر بالأدوات والخدمات بنسبة 38%.
كما تحدث عبود عن نسب الكثافة في المدارس، والتي تعدت نسب الكثافة في دول أفريقيا جنوب الصحراء.
الدكتورة إلهام عبد الحميد، الأستاذة في جامعة القاهرة، قالت إن فكرة أن التعليم هو مدخل للتنمية البشرية، وأن التعليم في حالة أزمة، وهي ليست أزمة وزراء لكن سياسات، فالوزراء ما هم إلا مسؤولين تنفيذيين، ومن ثم فالمشكلة في عدم وجود رؤية محددة من الدولة.
وأكدت أنها مع فكرة التنوع والتعدد ولكن في إطار محدد يحفظ التماسك والتناسق الاجتماعي مع إعطاء الأولوية للتعليم الحكومي.
أما الجلسة الثانية فقد تناولت التعليم الجامعي، وتحدث خلالها الدكتور جمال شيحة، الأستاذ في جامعة المنصورة ورئيس لجنة التعليم في مجلس النواب سابقا، قائلا: ما نحتاجه هو إصلاح سياسي حقيقي، فالتعليم لا يخص أشخاصا ولكن النظام، ويوجد لدينا خبراء وحلول جاهزة ذات آليات واضحة للتنفيذ، ومن ثم ما نحتاجه هو اهتمام النظام السياسي بالمنظومة التعليمية” . أما الدكتور حمزة السروي، أستاذ الفلسفة في جامعة قناة السويس، فقال إن هناك ضرورة للفصل بين العلم والسياسة والدين، بجانب إعادة الاعتبار لدور المدرسة والمعلم، وتقديم الدعم المادي الكافي للأنشطة الطلابية، وتوفير المناخ الديمقراطي داخل الجامعة، وتطوير المناهج التعليمية، والعودة للتعليم والتقييم بالكتابة، وعودة النشاط السياسي للجامعة، إضافة إلى توحيد أطر التعليم ضمن إطار عام واحد، مع دعم التأليف والترجمة والنشر، والحفاظ على مجانية التعليم.