جزيرة شكلي لؤلؤة بحيرة تونس وعينها الحارسة للعاصمة وضواحيها

روعة قاسم
حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي»:  تتميز جزيرة شكلي عن جزر البلاد التونسية الأخرى بكونها تتوسط بحيرة تونس الشمالية في مشهد قل نظيره على هذا الكوكب الأزرق، فيما بقية الجزر تنتشر في البحر المترامي من جهتي الشمال والشرق. فهي جزيرة داخلية تطوقها البحيرة من جميع الاتجاهات فيما هذه البحيرة محاطة باليابسة باستثناء قناة تم حفرها في القرن الماضي لربط البحيرة بالبحر وتحديدا بخليج تونس وذلك لضمان تجديد مياهها.

وتقع شكلي قبالة مدينة تونس العاصمة وكأنها حارس هذه المدينة والعين الساهرة على حمايتها رغم أنها كانت في عصر ما مصدر إزعاج لسكانها ومكانا لتمركز الغزاة الذين يأتون لحصارها راغبين في دك حصونها واقتحامها. ولا يمكن الوصول إلى جزيرة شكلي إلا بالمراكب، ولم يقع التفكير في ربطها مع اليابسة من خلال جسر بغاية تسهيل الوصول إليها للراغبين في زيارة حصنها الأثري والاستمتاع من خلاله بمشاهدة مدينة تونس وبحيرتها الجميلة.
فأغلب سكان العاصمة لم تتح لهم الفرصة لزيارة الجزيرة الحصن رغم إقبالهم على منطقة البحيرة حيث المقاهي السياحية وأماكن الترفيه وحيث يمكن رؤية جزيرة شكلي بالعين المجردة من دون التمكن من زيارتها. ولربما تخشى السلطات التونسية على هذه الجزيرة العجيبة وعلى حصنها التاريخي من التدهور البيئي ومن العبث بمحتوياتها وآثارها في حال تم فتحها للعموم وتقاطر عليها التونسيون وغيرهم من كل حدب وصوب.

أصل التسمية

تسمى الجزيرة شِكْلِي أو شِيكِلِي أو شِكْلَة، وقيل أن التسمية تعود إلى سينمائي تونسي إسمه ألبارت شيكلي دأب على تنظيم حفلات وسهرات فنية في البرج التاريخي المقام بالجزيرة. لكن هذه الرواية لا تبدو واقعية باعتبار أن المؤرخ ابن أبي دينار قد تحدث عن الجزيرة وسماها شكلي، وهو الأسبق في الزمن من السينمائي التونسي الذي نسب البعض الجزيرة إليه.
فقد جاء في كتاب «المؤنس في أخبار أفريقية وتونس» لأبن أبي دينار أن مدينة تونس «في بحيرتها جزيرة مقدار ميلين تسمى شكلي، تنبت الكلخ وبها آثار قصر خرب». كما جاء في كتاب «الأدلة البينة النورانية في مفاخر الدولة الحفصية» لابن شماع أن «دور بحيرة تونس أكثر من أربعة وعشرين ميلا وفي وسطها جزيرة تسمى شكلة في مقدار ميلين، تنبت الكلخ وفيها أثر قصر خرب» وهو ما يؤكد على أن التسمية قديمة جدا ولا علاقة لها بالسينمائي ألبرت شكلي.
وشيد الإسبان حصنا على جزيرة شكلي سموه «فويرتي دي سانتياغو» أي حصن سانتياغو، وذلك على أنقاض آثار رومانية وبيزنطية، خلال فترة حصارهم لتونس في القرن السادس عشر. وأصبح هذا الحصن يسمى اليوم قلعة شكلي نسبة إلى الجزيرة، وقد اتخذ شكله الحالي خلال الحقبة العثمانية حيث تم ترميمه واستغلاله لأغراض عسكرية باعتبار موقعه الهام في الإشراف على مدينة تونس.
وبالتالي فإن الحصن يسمى باسمه القديم ولم يحافظ على التسمية الإسبانية باعتبار أن الحقبة الإسبانية في تونس والتي تلت طرد المسلمين من الأندلس وملاحقتهم في بلدان المغرب العربي كانت عابرة ولم تنجح في تغيير الواقع رغم المحاولات التي حصلت لطمس عديد المعالم. فبقي حصن شكلي نسبة إلى جزيرة شكلي، ونسي الناس «فويرتي دي سانتياغو» كما تواصل التعليم الزيتوني في جامعة الزيتونة، أقدم جامعة في العالم استمر فيها التدريس منذ تأسيسها، وذلك رغم إصرار الإسبان على إيقافه عند وصولهم إلى الجامع الأعظم لمدينة تونس فاضطر سكانها وعلماؤها إلى نقله مؤقتا إلى أمكنة أخرى وحالوا دون توقفه.

محمية طبيعية

تم تصنيف جزيرة شكلي منذ سنة 1993 على انها محمية طبيعية، فصارت واحدة من أهم المحميات الطبيعية المنتشرة على كامل التراب التونسي وذلك رغم وقوعها في قلب العاصمة، فباتت حالة فريدة من نوعها بكل ما للكلمة من معنى. فمن يتأملها بمعزل عن محيطها تتراءى له وكأنها جزيرة نائية في أقاصي الأرض، وبالتالي من المنطقي تصنيفها كمحمية. لكن حين يمعن المرء النظر في محيطها يجد بحيرتها الشمالية في قلب مدينة تونس يحيط بها قلب المدينة التجاري والإداري من جهة الغرب والبحيرة الجنوبية التي تجاور أحياء مقرين ورادس من جهة الجنوب، وحي البحيرة السياحي الراقي من جهة الشمال وصولا إلى منطقتي حلق الوادي والكرم من جهة الشرق.
فأينما ولى المرء وجهه من هذه الجزيرة العذراء تتراءى له المدينة بمبانيها وطرقاتها وجسورها ومقاهيها وملاهيها وكل أوجه الحياة الصاخبة وإيقاعها السريع وذلك في جمع استثنائي بين المتضادات والمشاهد الغريبة. لكأن مدينة تونس العاصمة في عالم وجزيرة شكلي في عالم آخر، ولا رابط يجمع بين الإثنين، فقط هي البحيرة من تلعب همزة الوصل، فتتناسق وتتناغم مع جزيرتها وتساهم في جلب أنواع من الأحياء المائية والطيور إليها وتزيدها جمالا طبيعيا وبهاء وسحرا استثنائيا، وتندمج أيضا في مدينتها فتخلق لمتساكنيها متنفسا وأماكن للتسلية والترفيه تخفف عنهم تعب العمل وجهد التحصيل المعرفي.
ولعل ما ساهم في جعل شكلي محمية طبيعية بالأساس هو وجود عدة أصناف من الطيور المهاجرة التي يطيب لها المقام في ربوعها محاطة بمياه البحيرة التي توفر لبعضها غذاء راقيا من أشهى أسماك المتوسط التي تنفذ إليها عبر القناة التي تم حفرها سنة 1885 وتعبر منطقة خير الدين قرب حلق الوادي بالضاحية الشمالية للعاصمة التونسية. كما أن الحصن الأثري المنسوب إلى الإسبان رغم أنه بني على أنقاض مبان لحضارات قديمة وتمت العناية به في العهد العثماني، ساهم في إدراج شكلي في عداد المحميات باعتباره موروثا ثقافيا عالميا وشاهدا على تعاقب الحضارات والأحداث التاريخية على هذا البلد.
ومن أهم الطيور المتواجدة بالجزيرة، طائر الفلامنغو أو النحام ذو السيقان الوردية الطويلة الذي يمكنه منقاره الطويل أيضا من اصطياد الأسماك وسائر الأحياء المائية ببحيرة تونس. وتعيش هذه الطيور في أسراب وتشاهد من بعيد وسط البحيرة في حفل غدائها الجماعي في مشهد جميل قل نظيره تزيده طيور النورس وهي تحوم حول المكان باحثة بدورها عن قوتها، سواء في شاطئ شكلي أو في محيطه المائي، بهاء على بهاء.

مقصد الغزاة

باعتبارها جزءا من مدينة تونس العاصمة، فقد مرت جزيرة شكلي بكل المراحل والحقب التاريخية التي عرفتها مدينة تونس رغم انه لا يعرف إن كانت شكلي قد ظهرت على البسيطة في العهد القرطاجي أم لا، لأن تغيرات كثيرة حصلت في الجغرافيا التونسية منذ ذلك العهد إلى اليوم. لكن ما هو أكيد هو أن الرومان والبيزنطيين تركوا آثارهم في الجزيرة، فقد تم اكتشاف لوحات من الفسيفساء تعود إلى الحقبتين البيزنطية والرومانية والمعلوم أن روما بنت وشيدت كثيرا في شمال أفريقيا على أنقاض المباني القرطاجية أو البونيقية كما يسميها الرومان والإغريق، بغاية طمس إسم قرطاج وتاريخها بعد هزيمتها، كما نسب الرومان عديد المباني والمنشآت القرطاجية في شمال أفريقيا لأنفسهم . ولقد ازدهرت مدينة تونس، التي كانت قرية صغيرة، مع الهجرات العربية التي تلت الفتح الإسلامي وذلك على حساب مدينة قرطاج التي هدم القائد الأموي حسان بن النعمان القناة الكبرى التي كانت تجلب إليها المياه من مدينة زغوان المعروفة بجودة وعذوبة مياهها ومنابعها الصافية. ومع الوقت توسعت مدينة تونس على حساب مدينة قرطاج وضمتها فصار الأصل، أي قرطاج، جزءا من الفرع، أي مدينة تونس، التي ازدادت أهميتها منذ الفتح الإسلامي رغم وجود القيروان، حتى سمى الحفصيون والعثمانيون بعد قرون كامل البلاد بإسمها متجاوزين التسميات القديمة على غرار قرطاج وأفريقية.
ولم يتم الحديث عن شكلي في فترة حكم بني الأغلب في القيروان، ولا في فترة حكم الفاطميين في المهدية والقيروان قبل رحيلهم عن أفريقية (تونس اليوم وغرب ليبيا وشرق الجزائر) باتجاه القاهرة، ولا حتى في عصر الصنهاجيين الذين اتخذوا من القيروان أيضا عاصمة لحكمهم الذي أنهاه الغزو الهلالي. لكن ظهرت أهميتها في نهاية عصر الدولة الحفصية، التي تحولت معها عاصمة البلاد إلى مدينة تونس بعد تخريب مدينة القيروان من قبل قبائل بني هلال العربية، حيث غزاها الإسبان واحتلوا جزيرة شكلي سنة 940 هجري الموافق لـ1533 ميلادي.
وبنى الإسبان حصن شكلي المنيع، الذي بالإمكان أن يقصفوا منه مدينة تونس بالمدفعية، وذلك على أنقاض مبان سابقة يرجح أنها رومانية وبيزنطية، وخلال فترة الاحتلال الإسباني للجزيرة سميت شكلي سانتياغو. ويعتبر هذا الحصن مع حصن حلق الوادي غير البعيد أهم ما شيده الإسبان في تونس باعتبارهم كانوا غزاة يلاحقون الأندلسيين الذين فروا إلى شمال أفريقيا. كما أنهم رغبوا في السيطرة على إحدى ضفتي مضيق صقلية الذي تتقاسمه كل من تونس وإيطاليا، ويعتبر هذا المضيق الذي يفصل بين الحوضين الشرقي والغربي مفتاح السيطرة على البحر الأبيض المتوسط الذي كان يشهد صراعا عثمانيا إسبانيا مريرا في ذلك الوقت.
ولم تخرج شكلي عن سيطرة الإسبان إلا مع احتلال العثمانيين لتونس حيث شنوا حصارا على الجزيرة انتهى باستسلام القائد الإسباني خوان دي زاما قويرا ومن كان معه من الجنود المتحصنين بجزيرة شكلي. وقد بقي الحصن خرابا بعد رحيلهم إلى أن قام بترميمه الحاج مصطفى لاز، داي تونس العثماني وحاكمها الاستعماري الجديد، سنة 1070هجري الموافق 1659ميلادي.
وخلال فترة الحكم العائلة الحسينية التي خلفت المراديين في التربع على عرش تونس، والتي امتد حكمها من سنة 1705 إلى سنة 1957 أي تاريخ الإطاحة بالنظام الملكي وإعلان الجمهورية على يد الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة ورفاقه في الحزب الدستوري، استعمل بعض ملوك هذه العائلة حصن الجزيرة كسجن. وقد حصل الأمر ذاته مع حصن حلق الوادي المسمى الكراكة، وهو بدوره من آثار الهجمة الإسبانية على تونس وكثير من مدن شمال أفريقيا في تلك الحقبة من الصراع الديني بين إسبانيا المتخلصة من مسلمي الأندلس والشعوب المغاربية.

شكلي اليوم

تم تسجيل شكلي منذ سنة 1993 ضمن المواقع التاريخية بالنسبة لوزارة الثقافة التونسية، وهو ما جعل الدولة توليها الاهتمام اللازم لتقوم بترميم حصنها بداية من سنة 1994 وذلك بالتعاون مع الحكومة الإسبانية. وقد انتهت أشغال ترميم الجزيرة وأعمال تطهيرها وتنظيفها وكذلك أشغال الحفريات الأثرية مع بداية الألفية الجديدة وبات حصن شكلي جاهزا لاستقبال الزوار ولإقامة المهرجانات والعروض الفنية والثقافية على غرار العديد من المواقع الأثرية في تونس.
وبالفعل فقد أقيمت عروض فنية بحصن جزيرة شكلي وكانت تجربة فريدة وجميلة فيما مضى أبهجت من حضر تلك العروض، لكن لم يقع الاستمرار في ذلك ولم تستغل الجزيرة الاستغلال الأمثل خلال العشرية الماضية. واقتصر الأمر على بعض الزيارات من قبل بعض المسؤولين ومرافقيهم الباحثين عن إيجاد أماكن ترفيه واستجمام جديدة لسكان العاصمة وزوارها من السياح المحليين والأجانب.
كما تقوم السلطات المختصة في تونس بزيارات لتفقد الوضع البيئي باعتبار أن الأمر يتعلق بمحمية وجبت العناية بها حفاظا على التوازن البيئي وحفاظا على ما يتوفر بها وببحيرتها. وتنظم من حين لآخر زيارات يشارك فيها صحافيون وذلك لمزيد التعريف بالجزيرة الخلابة غير المستغلة سياحيا كما يجب، شأنها شأن كل جزر البلاد المنتشرة قبالة سواحلها والتي يؤكد خبراء السياحة على أنها ثروة تونس الحقيقية التي ستغير وجه الخريطة السياحية يوم يتم استثمارها.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية