أرشي براون، مؤلف هذا الكتاب، مؤرخ بريطاني وأستاذ العلوم السياسية في جامعة أكسفورد ويعتبر بين أبرز المختصين بقضايا الاتحاد السوفييتي والحرب الباردة إجمالاً، وله في هذا المضمار مؤلفات كثيرة يُشهد لها بالأهمية والتبصر في حاضر النظام السوفييتي ومستقبله، وخاصة لجهة تثمين المبادرات الإصلاحية للزعيم السوفييتي ميخائيل غورباتشيف الذي رحل مؤخراً. في سنة 1996 أصدر براون «عامل غورباتشيف»، أتبعه في سنة 2007 بكتاب «سبع سنوات غيّرت العالم: البيريسترويكا في المنظور»، ثم «صعود وسقوط الشيوعية» سنة 2009، كما نشر «أسطورة الزعيم القوي: القيادة السياسية في العصر الحديث» سنة 2014. كتابه هذا، «العامل الإنساني: غورباتشيف، ريغان، ثاتشر، ونهاية الحرب الباردة»، يقترح تفسيراً جديداً لنهاية الحرب الباردة يثبت خطأ الفكرة التي سادت على نطاق واسع في الدوائر الغربية، والقائلة بأن قوة الغرب العسكرية والاقتصادية لم تترك أمام الاتحاد السوفييتي فرصة أخرى سوى الانهيار. كما يسلط المزيد من الأضواء الكاشفة على الأدوار التي لعبها كلّ من غورباتشيف ورونالد ريغان ومارغريت ثاتشر في وضع نهاية للحرب الباردة، ويشدد خصوصاً على أهمية ثاتشر كوسيط وعامل تأثير بين غورباتشيف وريغان.
يبدأ براون الكتاب باستعادة مفارقة ذات مغزى، بين خطاب الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريغان في آذار (مارس) 1983 أمام الإنجيليين الأمريكيين حين ابتكر عبارته الشهيرة في وصف الاتحاد السوفييتي بـ«إمبراطورية الشر»، وخطابه بعد خمس سنوات فقط في جامعة موسكو الحكومية أمام تمثال لينين حين خاطب الطلاب بأنّ «جيلهم يعيش في واحد من أكثر أزمنة التاريخ السوفييتي أملاً». وفي الساحة الحمراء، خلال تجواله مع غورباتشيف، سُئل ريغان إذا كان ما يزال يعتقد أنّ هذا البلد هو إمبراطورية الشرّ فأجاب: «كلا، ذاك كان زمناً مختلفاً، حقبة أخرى». وكانت صحافة الجيش الأحمر السوفييتي هي التي أطلقت على مارغريت ثاتشر لقب «السيدة الحديدية» من باب السخرية وذلك حين كانت زعيمة حزب المحافظين وقبل أن تصبح رئيس وزراء، ولكنها هي التي سوف تخاطب غورباتشيف هكذا في عام 1987: «لا ريب أنك انخرطت في مبادرة عظيمة وإننا بكلّ حسن نية نتمنى لك ولشعبك النجاح». وابتداء من ربيع 1983 كان غورباتشيف من جانبه قد أخذ يعطي إشارات متعاقبة على نزعته التجديدية، رغم تصريحه الشهير المبكر بأن «الفكرة الشيوعية والنظرية الماركسية اللينينية الظافرة تضيء طريقنا نحو المستقبل»، إذ بعد سنتين فقط حين تولى منصب الأمانة العامة للحزب الشيوعي بعد قسطنطين تشيرنينكو دشن مسارات الإصلاح الجذري والنأي عن مقولات الدوغما والجمود العقائدي. وهكذا في سنة 1988 سوف يقول: «نحن بالطبع أبعد ما نكون عن الزعم بامتلاك حقيقة لا منازعة فيها»، وما يهم هو «حرية الاختيار، والمبدأ الكوني الذي لا يتوجب أن يكون هناك استثناء منه».
ولكن، يتابع براون، لم يكن التغيير في اللغة والنبرة الخطابية هو العلامة الأولى على بدء انطواء صفحة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي الغربي والاشتراكي الشرقي، بل شهدت أعوام الثمانين من القرن الماضي تحولات جيو ــ سياسية جوهرية جعلت العالم يتحول تدريجياً، خاصة في العلاقة بين الكتلتين والقطبين، وكان انتقال النظام السوفييتي من سلطة التفرد المطلقة إلى طراز غير مسبوق من التعددية قد قابله أيضاً تحوّل في السياسة الخارجية، وكذلك في الدور المناط بالجيش الأحمر الذي مكث في ثكناته حين أخذت بلدان المعسكر الاشتراكي تشهد ثورات شعبية أسفرت عن انتقالات سياسية واجتماعية دراماتيكية. وفي أكثر من فصل في كتابه يناقش براون بأنّ الحرب الباردة انتهت، في بعدها الإيديولوجي أولاً، مع خطاب غورباتشيف أمام الأمم المتحدة في كانون الأول (ديسمبر) 1988. وكان طبيعياً أن تنتهي فعلياً على الأرض حين رفضت القيادة السوفييتية استخدام الجيش الأحمر لمنع بولونيا وتشيكوسلوفاكيا وهنغاريا ودول أخرى في أوروبا الشرقية من ممارسة حرية الاختيار بين المعسكرين، وحين سمحت لجدار برلين أن يتداعى من دون طلقة رصاص واحدة.
ويعترف براون بأنّ المغزى النسبي لكلّ من هؤلاء الزعماء الثلاثة الذين يتناولهم الكتاب يبقى أمراً قابلاً للخلاف أو الاتفاق، وثمة بالتالي تفسيرات عديدة لكيفية إنهاء الحرب الباردة، أو ما إذا كانت قد انتهت بالفعل (خاصة في أيامنا هذه، التي سجّلت رحيل غورباتشيف من دون أن يشارك الرئيس الروسي الحالي فلاديمير بوتين في مراسم تشييعه، وكذلك مع استعار نيران حرب باردة جديدة مع الغزو العسكري الروسي لأوكرانيا). غير أنّ اهتمام صفحات كتاب «العامل الإنساني» ينصبّ على شخصية الزعيم، في الحالات الثلاث لكلّ من ريغان وغورباتشيف وثاتشر، وأدوار السياسة الخارجية في صياغة مواقفهم وتقاربهم أو تباعدهم، وصولاً إلى محاولة الإجابة على أسئلة من النوع التالي: ما هي الحرب الباردة أصلاً وعلى وجه الدقة؟ وكيف ابتدأت لكي يُطرح بعدئذ السؤال الرديف: كيف انتهت؟ وكيف لنا أن نفسر الانتقال من حافة التنافس الخطير وتهديد المواجهة العسكرية، التي دامت منذ منتصف أربعينيات وحتى النصف الأول من ثمانينيات القرن المنصرم، إلى مستويات التعاون والوفاق والتفاهم أواخر الثمانينيات ذاتها؟
الكتاب ينقسم إلى ثلاثة أجزاء، يخصص المؤلف الجزء الأول منه لموضوع الحرب الباردة في عناصر متعددة، أبرزها مخاطر تلك الحرب (التي كانت افتراضية بالطبع، ولكنها ظلت ممكنة في أي لحظة أو منعطف)، وصعود غورباتشيف ثمّ اتساع آفاق نفوذه وموقعه، في مقابل صعود ريغان في رئاسته الأولى، ثمّ ثاتشر من حيث صناعة صورة «السيدة الحديدية» والتحوّل النوعي الذي دفع بها إلى الانفتاح على أوروبا الشيوعية. الفصل 8 من الجزء الثاني يحمل عنوان «كسر الجليد»، ويتناول سنة 1985 وما شهدته من متغيرات جيو ــ سياسية، أعقبتها سنة 1986 وكارثة شيرنوبيل حيث خيّمت الكوابيس النووية. عوامل أخرى تراكمت كي تسرّع بناء الثقة بين الزعماء الثلاثة، وتدشين طور انتهاء الانقسام الإيديولوجي تحت وطأة مصاعب الاتحاد السوفييتي الاقتصادية وضغوطات السياسة الخارجية. وأما الفصل 13 من هذا الجزء الثاني فيكرسه براون لمحاولة الإجابة عن السؤال المركزي: لماذا انتهت الحرب الباردة؟
الجزء الثالث يحتوي على ثلاثة فصول تتناول عواقب لم تكن مقصودة جراء انتهاء الحرب الباردة في سنة 1990، ثمّ تطورات تفكك الاتحاد السوفييتي في السنة اللاحقة واختتام سلطة غورباتشيف. والفصل 16، الأخير، يعقده براون لاستخلاص سلسلة من النتائج والتأملات، بينها على سبيل المثال يقينه بأنّ إنهاء الحرب الباردة كان في صالح الروس وشعوب بلدان أخرى، لأنّ الموارد الهائلة التي صُرفت على أسلحة الدمار الشامل كان يمكن إنفاقها لرفع مستوى المعيشة والمعايير البيئية، وكذلك تفادي أخطار نشوب حرب نووية. لكنه، كما يليق بمؤرّخ رصين يحترم دروس التاريخ، لا ينفي أنّ استمرار الحرب الباردة كان مخالفاً للمصالح المباشرة لدى القيادة السوفييتية، وكان ثمة أسباب جوهرية دفعت القادة السوفييت قبل غورباتشيف إلى عدم اقتفاء الطريق التي اختارها. لكنّ غورباتشيف كان قد أدرك وضعية العلاقات الدولية التي ورثها وأيقن بأنها بالغة الخطورة، ولهذا فقد استقرّ منذ البدء على وضع حدّ لتلك الأخطار من طريق طيّ صفحة الحرب الباردة. ويتابع براون: «لا ريب في أنه أساء تقدير المخاطر الكامنة في هذا الخيار على الاستقرار السوفييتي، ثمّ على سلطته ذاتها، رغم أنه خلال سنوات عديدة من قيادته للحزب كان إبعاد تهديد الحرب قد وطّد موقعه داخلياً وخارجياً». ورغم انحسار شعبيته تدريجياً، فقد بقي ملتزماً بإقامة علاقات ثقة وتعاون مع قادة العالم الغربي، مثلما أبقى على حال التعددية في الحياة السياسية السوفييتية، وهذا «أنتج عواقب غير مقصودة وأخرى مقصودة».
ولا غرابة في أن يستخلص براون أن غورباتشيف اعتُبر حالة فشل في روسيا، ولدى البعض في الغرب أيضاً، ومسؤولاً بالدرجة الأولى عن ذنب تفكيك الاتحاد السوفييتي، ففي نهاية 7 سنوات من صعوده إلى أعلى هرم القيادة فإنّ الدولة التي ترأسها أصبحت 15 بلداً مستقلاً، والاقتصاد ظلّ يترنح ويتردى، والولايات المتحدة خرجت من الحرب الباردة بوصفها القوة الكونية الأعظم. لكن السنوات الخمس الأولى التي أعقبت إطلاق البيريسترويكا أتاحت ولادة الكثير من الحريات التي رحّب بها الروس وسائر الجمهوريات السوفييتية، وكذلك لدى المجموعات القومية التي طمحت إلى مزيد من الحكم الذاتي أو حتى نزعات الانفصال. ويبقى السؤال، هل نقاط فشل غورباتشيف تتساوى مع، أو تتفوق على، نقاط نجاحه في شتى الميادين؟ لا يعلّق براون الإجابة في ذمّة التاريخ، ولكنه يسرد 12 ميداناً يعتبرها بمثابة إنجازات مرموقة تدين بالكثير من أسباب وجودها إلى غورباتشيف وليس إلى أي زعيم سوفييتي سواه. بينها إدخال الشفافية (الغلاسنوست) وتنمية حرية التعبير، وإطلاق سراح المنشقين من السجون ومن المنافي، والسماح بحريات دينية أوسع نطاقاً، وتمكين المواطن الروسي من الارتباط مع العالم الخارجي عبر وسائل التواصل والأقنية الإعلامية والإخبارية التي كانت محجوبة، وإدخال أنظمة الانتخابات الحرة للروابط والتشريعات الفدرالية الجديدة، وتشجيع ولادة مجتمع مدني قادر على النقد والمساءلة…
وأما خلاصة براون الأكثر إثارة فهي أنّ إنجازات غورباتشيف لبلده وللعالم بأسره كانت أعظم، في النوع كما في العدد، من تلك التي يمكن أن تُنسب إلى زميليه ريغان وثاتشر خلال الفترة ذاتها، وهذا أمر يتجاوز إنصاف الزعيم الروسي إلى توبيخ الزعيم الأمريكي وحليفته الزعيمة البريطانية.
Archie Brown: “The Human Factor”
Oxford University Press, Oxford 2020
528 pages.