تونس ـ «القدس العربي»: احتضنت هذا الأسبوع وعلى مدى أربعة أيام شواطئ حلق الوادي والزهراء بتونس العاصمة، وشواطئ مدينتي الحمامات السياحية وبنزرت الواقعة في أقصى شمال البلاد، عروض مهرجان منارات للسينما المتوسطية. ويعود هذا المهرجان بعد غياب سنتين بسبب جائحة كورونا وفي جعبته 30 فيلما من 10 بلدان، كما يعود محمّلا بأسئلة الهوية المتوسطية في مجتمعات تحيط بهذا البحر الأسطوري، تتلاقى وتتنافر حول قضايا وملفات عديدة وهامة. وتكمن خصوصية هذا المهرجان السينمائي في عرضه للأفلام على شواطئ البحر، ولعموم المصطافين من كافة الشرائح المجتمعية، ليُترجم على أرض الواقع أهمية السينما المتوسطية وما تحمله من شجون وقضايا للمجتمعات التي تشترك في إطلالتها على هذا البحر بحوضيه الشرقي والغربي اللذين تفصل بينهما وتطل عليهما كل من تونس وإيطاليا دون سواهما.
سينما الشاطئ
وتكمن فرادة هكذا فعالية في ان السينما هي التي تأتي إلى روّاد الشواطئ في الموسم السياحي لتفسح المجال أمام عشّاق الفن السابع من التونسيين والسياح الأجانب الذين يزورون تونس لمتابعة أبرز الأفلام العربية والأجنبية التي تركت بصمتها في عالم السينما. كما تفسح المجال أيضا لمتابعة الأفلام الجديدة التي تعرض لأول مرة في هذا المهرجان على غرار فيلم «قدحة» للمخرج التونسي أنيس الأسود والذي عرض في الحفل الافتتاحي في قصر النجمة الزهراء بضاحية سيدي بوسعيد بالعاصمة بحضور مخرج وأبطال هذا العمل.
ويشار إلى أن هذا الفيلم التونسي قد حاز على عديد الجوائز في مهرجانات عربية وعالمية وتنطلق أحداثه من مأساة الطفل الكردي آيلان سنة 2015 لتعالج مسألة الهجرة السرية في بلدان الحوض الجنوبي للمتوسط وبلدان ما يسمى «الربيع العربي» ومنها تونس، والمشاكل الاجتماعية التي تؤدي إلى الهجرة السرية. كما يعالج هذا الفيلم قضية الإتجار بالبشر وما يمكن أن يطال الأطفال والمراهقين من مخاطر في ذلك العمر الحساس وهم القادمون من بلد مثل تونس يعيش أوضاعا استثنائية وغير مألوفة كثيرا على شعبه.
ويحلم القائمون على هذا المهرجان، الذي يشق طريقه بنجاح ويرسخ نفسه في خريطة المهرجانات السينمائية التونسية والأجنبية، بأن يصبح «منارات» قطبا سينمائيا ضخما ومتميزا يساهم في تطوير المشاريع والإنتاج والشراكة الاستراتيجية في مجال السينما. ويعود هذا التفاؤل بالنظر إلى أهمية الأفلام التي تعرض ويتم انتقاؤها بدقة. وفي هذا الإطار تحدث نضال شطا مدير الدورة الجديدة للمهرجان في كلمته قائلا بأن «الأعمال التي تعرض على شواطئ البحر هي أفلام قوية وملتزمة تترجم حيوية السينما المتوسطية». وأكد أيضا على أن إلغاء المسابقات والجوائز في هذه الدورة جاء في إطار توجه جديد لتحويل المهرجان إلى منصة لدعم المشاريع السينمائية لبلدان المتوسط. فتونس تفتح اليوم شواطئها المتوسطية ومناراتها المنتشرة على طول سواحلها ووسط جزرها الخلابة لأهل السينما من ضفتي المتوسط وهي مصرة على استعادة إشعاعها الثقافي وريادتها في محيطها في هذا المجال رغم كل التحديات.
ويشمل برنامج العروض 30 فيلما بين روائي ووثائقي وقصير من عشر دول متوسطية لدى أغلبها تجارب سينمائية هامة وباع في مجال الفن السابع منها تونس ومصر ولبنان وفلسطين، وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا. وقد كرّم المهرجان هذا العام شخصيات هامة في العالم السينمائي على غرار حسن دلدول الذي أنتج عددا من الأفلام التونسية والعربية مثل «عرائس الطين» و«الحلفاويين» و«السفراء» وكذلك السينمائية التونسية سلمى بكار مخرجة فيلمي «فاطمة» و«حبيبة مسيكة» وغيرها من الأعمال.
وتابع عشّاق السينما على شاطئ حلق الوادي الذي صورت فيه أفلام سينمائية تونسية وأجنبية كثيرة، وتغنى به كبار الفنانين ومنهم فريد الأطرش، فيلم «المماليك» للتونسي محمد العجبوني وبعده عرض فيلم للرسوم المتحركة من إسبانيا. كما تم عرض أفلام عديدة منها الفيلم الروائي القصير «وجهها» للفرنسيين كارولين وإيريك دي بوتيه، والفيلم الروائي «قدحة» للتونسي أنيس الأسود، والفيلم الوثائقي «بيروت في عين العاصفة» للفلسطينية مي المصري.
خصوصية السينما المتوسطية
ويوضح خالد العازق المكلف بتسيير المركز الوطني للسينما والصورة في تونس في حديثه لـ«القدس العربي» أهمية ان تكون هناك سينما متوسطية لها خصوصياتها بالقول: «تونس دولة متوسطية ضاربة في أعماق التاريخ. عمقها متوسطي وعربي وأفريقي شأنها شأن كثير من دول المتوسط، ومكانتها في المشهد السينمائي الإقليمي والدولي لا أحد يمكن ان يشكك فيها». ويتابع بالقول: «ونحن نعمل لأن يكون مهرجان منارات منصّة استقطاب وإشعاع للمشاريع السينمائية في الحوض المتوسطي، منها نبدأ وننطلق وإليها نعود، سواء على مستوى التطوير أو الإنتاج أو الشراكات. كما نعمل على أن تكون للسينمائيين التونسيين المشهود لهم بالكفاءة مكانة هامة، وأن يلعبوا دورا بارزا في هذه المشاريع».
أما عن المشترك بين هذه المشاريع والأفلام السينمائية فهو – حسب محدثنا- الصبغة المتوسطية للمعروض، فحوض المتوسط هو حوض التلاقي وتبادل الأدوار والانفتاح بين مختلف البلدان. وضفاف المتوسط في نهاية المطاف تكاد تكون وحدة متكاملة تقريبا. وقال: «نحن نحاول ان نرّكز على هذا العنصر وماذا يمكن ان يكون المشترك في هذه المرحلة، فهناك العنصر الاجتماعي المرتبط بمعطيات عديدة منها الهجرة، وهناك أيضا معطيات اجتماعية أخرى تتلاقى أو تتنافر فيها بعض المجتمعات. والأهم من هذا في تقديرنا هو المعطى الجيولوجي والطبيعي بالنسبة لحوض المتوسط الذي يعيش مخاطر كبيرة ودق فيه جرس الإنذار، وخلال الأعوام القادمة يمكن ان نصل إلى نقطة اللاعودة بالنسبة للوضع البيئي في ظل استفحال خطر التلوث، ويعتبر هذا المعطى من العناصر الذي ركزنا عليها في المهرجان وبات هدفا وموضوعا رئيسيا في عديد الأفلام السينمائية» .
ويوضح محدثنا ان أهم الأفلام التي تعنى بموضوع البيئة والتي عرضت خلال المهرجان هي أفلام وثائقية وأفلام قصيرة مثل الفيلم الفرنسي «الغوص للشفاء» أو Plonger pour guérir وهو يركز على الغوص كعلاج لعديد الأمراض ويحكي على حالات صحية لأناس يعانون من إعاقات جسدية أو أمراض مزمنة، ويتم علاجهم بالغوص تحت الماء. واعتبر محدثنا ان هذه الدورة هي دورة الإصرار على الاستمرار وأن هذا المهرجان يشتغل على الفضاءات المفتوحة، وأعرب عن أمله في أن تشّع المنارات السينمائية على مختلف مناطق الجمهورية لأن تونس كلها متوسطية والانتماء المتوسطي حكرا على منطقة دون أخرى.
وقال محدثنا أنه إضافة إلى الأفلام التي تم إنتاجها حديثا والتي قدمها هذا المهرجان لرواده في عرض أول، هناك أفلام قديمة تم عرضها لأنها تمثل محطات هامة في تاريخ السينما المتوسطية. فإعادة عرض هذه الأفلام القديمة، برأي المكلف بتسيير المركز الوطني للسينما والصورة في تونس، على غاية كبيرة من الأهمية للأجيال الجديدة وذلك لإيصال رسائل مهمة انطلاقا من مقولة أن السينما هي فن ورسالة. ويشار إلى أن أهم المواضيع التي تناولتها الأفلام المتوسطية المعروضة هي الهجرة النظامية وغير النظامية، وقضايا التلوث وتحديات المناخ وكيفية الحفاظ على متوسط آمن ونظيف. كما تناولت قضايا اجتماعية متنوعة وتأتي في طليعتها قضية الهجرة السرية بين ضفتي المتوسط من قارة أفريقيا إلى القارة الأوروبية.