تعود العراقيون على سماع أسطوانة الرجوع إلى المحكمة الاتحادية العراقية في كلّ أزمة سياسية تطفو على المشهد السياسي في البلد، حيث تتجه الأنظار وتُفتح الأذان في كل مرة لاستشارة رأي المحكمة الاتحادية العليا، على الرغم من معرفتهم الكاملة بطبيعة هذه المؤسسة القضائية المسيسة من قبل صقور العملية السياسية الطائفية وخلوها من الموضوعية الوطنية في تفسير الإشكاليات والألغام التي تضمنها الدستور العراقي، نتيجة لتبعيتها لأسس النظام الطائفي الذي جاء به الاحتلال الأمريكي للعراق، وتسترها خلف بنود هذا الدستور الذي قسم العراقيين وجعل من العراق بلدا للمكونات وللطوائف.
مرة أخرى تفشل مسيرة الانتخابات البرلمانية في الخروج بحكومة تقبل بها جميع الأطراف، حيث أصبح من المستحيل التغاضي عن الإشكالية السياسية والعقائدية، التي تحملها أحزاب السلطة، التي وضعت مصالحها المذهبية والفئوية فوق المصلحة المشتركة العليا. ومرة أخرى تطالب الأحزاب بالرجوع إلى قرارات المحكمة الاتحادية العليا، نتيجة لاستمرار حلقات مسلسل الصراع على السلطة في العراق، بعد ان أثارت الاشتباكات الأخيرة، المخاوف من اتساع رقعة الصراع، نتيجة للتباين في قراءة وتطبيق نتائجها والتشكيك في نزاهتها، وبالتالي الذهاب إلى أبعد من ذلك بالرجوع إلى العنف وسقوط العديد من الضحايا، نتيجة اقتحام أتباع ومؤيدي السيد مقتدى الصدر للمنطقة الخضراء وخلَّق أزمة خطيرة يُراد منها في النهاية ان تُحل من قبل نفس هذه المحكمة، في الوقت الذي ما زال التشكيك في نزاهتها وموضعيتها قائما لحد الآن.
وهنا لابد من التذكير بان المحكمة الاتحادية العليا هي مؤسسة ضمنها دستور العراق الجديد بموجب المادة 93 لعام 2005 وأريد منها ان تُمارس مهامها بشكل مستقلّ عن طريق تطبيقها لبنود القانون التي كفلتها بنود الدستور بإشكالياته وألغامه، وهذا ما زاد وساهم في التشكيك في تفسيراتها ونتائجها، التي شملت العديد من القرارات المتعلقة بموقف هذه المؤسسة القانونية من أحزاب إيران في العراق، ودورها في رسم خريطة المشهد السياسي في البلاد إلى حد ما، من خلال تفسيرها للكتلة الأكبر وتجيير هذا المفهوم المُبهم لجهة معينة داخل البرلمان، للوصول إلى التلاعب في نتائج الانتخابات وإرساء حالة دائمة من الغموض لبنود الأسس الديمقراطية التي ترتكز عليها العملية السياسية التي أظهرت للعيان، الإشكالية بين الواقع السياسي الجديد للعراق ونصوص البنود الدستورية. وهذا ما قد وضعها في حالة من التشكيك والغموض حيث يُفسر البعض عملها كأداة سياسية تعمل لطرف ضد آخر.
التوظيف السياسي
في المقابل، تعد السلطة القضائية ركنا أساسيا من أركان الدولة العادلة، فهي المسؤولة عن تفسير القوانين وتطبيقها، وفي فضّ المنازعات المدنية والسياسية بموضوعية وطنية، وإلزام الطبقة السياسية باحترام القوانين، وعدم تجاوز صلاحيتها الدستورية لتحقيق مآرب شخصية أو فئوية على حساب الصالح العام. ويُفترض وكما هو الحال في العراق أن تكون مؤسّسة مستقلّة، بعيدة عن التوظيف السياسي، أو الديني، أو المذهبي، وان لا تكون مرتبطة بالسلطتين التشريعية والتنفيذية بعلاقات هيْمنة أو احتواء، حتّى يعمل القاضي في كنف الاستقلالية، ويصدر أحكامه في تمام النزاهة والشفافية على نحوٍ يضمن تحقيق العدل وبناء دولة المواطنة. وهذا ما لم يلمسه العراقيون منذ كتابة الدستور. حيث لم يسلم القضاء من سطوة التوظيف السياسي الطائفي، وهيمنة الدول المارقة المؤثرة على النظام السياسي العراقي.
يبدو ان تفسير المحكمة الاتحادية العائق لفوز «التيار الصدري» في الانتخابات الأخيرة كان السبب في سقوط العديد من الجرحى والقتلى في المنطقة الخضراء ووصول العملية السياسية لهذا المربع الخطير. حيث يرى كل من له بصيرة وطنية في المسؤولية التي يتحملها «الإطار التنسيقي» المدعوم من إيران في منع التيار الصدري والأكراد والسنّة الذين فازوا بأغلبية مقاعد مجلس النواب، من اختيار رئيس الوزراء وتشكيل الحكومة، نتيجة لاستغلال الأحزاب المدعومة من إيران نفوذها على المؤسسة القضائية لتغيير قواعد اللعبة.
لا شك ان قرار «المحكمة الاتحادية العليا» وتصورها في أن الأغلبية البسيطة لم تعد تكفي لتشكيل الحكومة، ومطالبتها بضرورة الاعتماد على الأغلبية المطلقة من ثلثيْ النواب شرطاً لذلك، كان بمثابة الانقلاب القضائي الذي أغلق الأبواب أمام كتلة مقتدى الصدر المؤلفة من 73 نائباً عن بلوغ هذا النصاب الجديد.
الخروقات القانونية
ثمة من يرى في ان الإشكالية الكبيرة التي يمر بها البلد، تتمثل في علاقة القضاء العراقي مع زعماء الأحزاب المتنفذة، حيث باتت الخروقات القانونية لمجلس القضاء والمحكمة الاتحادية، تمثل أخطر أنواع تهديد الحياة السياسية، ولعل أبرز دلائل هذه الإشكالية، هي العلاقة المميزة بين هرم سلطة القضاء العراقي وزعماء القوى التي تضم الإطار التنسيقي، وهو ما يثير استغراب الشارع العراقي الذي يتهمه بالانحياز لرؤى تحالف «الإطار التنسيقي» الحليف لإيران، وغض النظر عن الفضائح التي جاءت بها التسريبات الأخيرة وما سمي بفضيحة التسريبات الخاصة لرئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي، بعد مطالبة «التيار الصدري» باستدعاء المالكي والتحقيق معه. وهذا ما يعطي لقرارات «المحكمة الاتحادية العليا» صبغة سياسية بعيدة كل البعد عن استقلال القضاء وقراراته التي كفل الدستور مهامها بشكل مستقلّ ماليا وإداريا، وان لا سلطان عليها غير القانون.
من هنا يمكن القول في ان العلاقة بين السياسة والقانون في العراق لا يمكن أن تُفهم من قبل الشارع العراقي المنتفض إلا من خلال انتماء وولاء السياسيين والقضاة للوطن وثقافته وتاريخه، وهي قيم لا تقبل المساومة أو المناورة، وأن يتم الفصل بين فهمنا للولاء السياسي والانتماء الوطني.
لا شك ان القرارات القانونية قد تخضع في بعض الأحيان للنفوذ السياسي في الكثير من الأنظمة الديمقراطية، ولكن قد تكون بدوافع تتعلق بالسيادة والأمور الحساسة التي تتعلق بأمن الدولة التي هي الخط الأحمر للدول المستقلة والدفاع عن مصالحها ضد التدخلات الخارجية وليس العكس وكما نراه من التدخل الإيراني الواضح في مؤسسات النظام السياسي في العراق.
وبانتظار تفسير المحكمة الاتحادية العليا الذي سيعلن الأربعاء المقبل أو احتمال تأجيله مرة أخرى، فإن أكثر ما نحتاجه اليوم هو تخليص القانون من سطوة السياسة وهيمنة السياسيين ومن يقف من خلفهم من أجندات خارجية، لتصحيح المعادلة من خلال وضع مرتبة السياسة بعد القانون، وبمعنى آخر إعادة بناء أسس الدولة، لكي تستطيع أن تحصل على ثقة الشعب ومن يمثلها في البرلمان عن طريق الرقابة على دستورية القوانين وشرعيتها، وتفسير نصوص ما تضمنه الدستور، والفصل في القضايا التي تنشأ عن تطبيق القوانين الاتحادية بعيدا عن التدخل الخارجي الذي قد يؤثر على هذا الطرف أو ذاك.