بغداد ـ «القدس العربي»: فرضت الأحداث الدامية التي شهدتها المنطقة الخضراء الدولية، وسط العاصمة الاتحادية بغداد، الأسبوع الماضي، تطوراً جديداً في المشهد السياسي المعقدّ بالأساس في هذا البلد المليء بالأزمات، وعقّدت مهمة استكمال إجراءات اختيار رئيسي الجمهورية والوزراء، وتشكيل الحكومة الجديدة، المعطلة منذ تشرين الأول/أكتوبر الماضي، ليحلّ «السلاح» محلّ «الحوار» الأمر الذي يُنّذر بتفاقم الأزمة وتجدّدها في المستقبل القريب، وصولاً إلى انهيار العملية السياسية وإسقاطها.
وخلّفت أحداث الخضراء عشرات القتلى ومئات الجرحى، الذين سقطوا جراء هجوم أتباع زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، «سرايا السلام» وجيش المهدي على المنطقة، وصدّ قوات الأمن في الداخل، ردّاً على قرار الزعيم الشيعي الانسحاب «النهائي» من العملية السياسية.
وبالتزامن مع تلك الأحداث الدامية، أقدم أتباع الصدر على إحراق مقرات تابعة لفصائل مسلحة، وأحزاب شيعية في مناطق شرق العاصمة- المعقل الأبرز للصدريين- ومحافظات وسط وجنوب العراق.
غير أن المواجهة المسلحة الأعنف كانت بين الصدريين و«عصائب أهل الحق» بزعامة قيس الخزعلي، في محافظة البصرة الجنوبية، والتي أدت إلى سقوط 4 قتلى من الطرفين.
ورغم تبنّي قادة «الإطار» دعوات للتهدئة وتجنّب الصدام العسكري والإعلامي، غير إن ابلاد لم تشهد أيّ حلّ فعلي من شأنه انهاء الأزمة لا احتوائها مؤقتاً.
وتُنّذر الأوضاع الحالية بـ«تأجيل الأزمة الحتميّة» بين أتباع الصدر وأنصار قوى «الإطار التنسيقي» الشيعي، الذي يصرّ على المضي بتشكيل الحكومة، رغم رفض الصدر.
رئيس مركز «التفكير السياسي» الدكتور احسان الشمري، يقول في مقابلة عبر الهاتف مع «القدس العربي» إن «مستقبل الأزمة الحالية يكمن في عدّة سيناريوهات، الأول؛ هو الذهاب نحو دعوة رئيس الجمهورية التي تحدثت عن انتخابات جديدة مع الأخذ بنظر الاعتبار التهيئة لها من خلال جمّلة اشتراطات تشمل إجراء تعديلات دستورية وقانون الانتخابات، فضلاً عن حزمة تشريعات تدعم متطلبات المرحلة الحالية».
وأوضح أن «السيناريو الثاني؛ يتمثل بالتصعيد وإنهاء هذه العملية السياسية» معتبراً أن ذلك مرهون بـ«تمسّك الإطار التنسيقي بتشكيل حكومة محاصصة من دون القبول بإجراء انتخابات مبكّرة».
ولم يستبعد الشمري عودة التيار الصدري مرة أخرى إلى الشارع و«إقحام قوى تشرين أيضاً» مؤكداً في الوقت عيّنه أن «هذا الأمر سيؤدي إلى مواجهة تُفضي إلى سقوط هذه العملية السياسية برمتها».
ويتوافق رأي الشمري مع إعلان حركة «امتداد» المنبثقة عن حراك أكتوبر الاحتجاجي، إنها ستنّضوي تحت أي خطوة أو مطلب يرفعه «الأحرار» في الاحتجاجات، مبينة أنه لا أمل في الخلاص من «هيمنة الفاسدين» إلا بتضافر الجهود مع خط الاحتجاج السلمي ولجانه التنسيقية.
وذكرت الحركة في بيان صحافي، نهاية الأسبوع الماضي، أنه «وبالرغم من محاولاتنا في مضي العملية السياسية لأجل مصالح الشعب والحفاظ على ثرواته، إلا إننا لم نجد آذاناً صاغية».
وأعلنت أن «لا أمل في الخلاص من هيمنة الفاسدين إلا بتضافر الجهود مع أخوتنا في الخط الاحتجاج السلمي ولجانهم التنسيقية، وسنكون مع أي خطوة أو مطلب يتبناه الأحرار، مع استمرار جهودنا السياسية ودعوة اخوتنا النواب المستقلين للعمل سوية لإنقاذ العراق وتحريره من المحاصصة الحزبية والدولية».
لكن في مقابل ذلك، رأى الكاتب والمحلل السياسي العراقي، علي البيدر، صعوبة اندماج «الصدريين والتشرينيين».
ويقول البيدر في حديث لـ«القدس العربي» تلك العوبة تتمثل بـ«وجود خلاف عقائدي. تشرين مدنية والتيار الصدري ديني وأن كانوا يتفقون على المبادئ والطروحات والرؤى نفسها بشأن مستقبل العملية السياسية في العراق».
وأشار إلى بعض المواقف بين الطرفين في أحداث أكتوبر الاحتجاجية، وتدخّل «أصحاب القبعات الزرق (الصدريين) وعدم وجود ضمانات صدرية، فضلاً عن بعض الطروحات التي تدعو إلى التحاق الصدر بتشرين إذا كان جادا بالتقارب».
وحسب البيدر فإنه «بعد أن استخدم السلاح أصبحت جميع حلول الأزمة ضعيفة. من الصعب تقبل الآخر لأي حلّ، في ظل رفض أغلب الأطراف تقديم تنازلات أو تغليب المصلحة العامة».
وبيّن أن «عقد جلسة البرلمان يعني تجدد النزاع المسلّح في البلاد من جديد، بكونها استفزّت الصدر سابقاً وستستفزه مستقبلاً، خصوصاً أن هناك دماءً ورغبة داخل الشارع العراقي بحمل السلاح».
ويبدو أن إصرار القوى السياسية العراقية على شروطها لرسم سياسة البلاد في المرحلة المقبل، يمكن أن يجرّ العراق إلى «الانهيار».
وعلى وفق تحليل لمؤسسة «الشرق الأوسط» للبحوث «میري» للباحثة دلاور علاء الدين، فإن «المستقبل يبدو قاتماً لأن عناد المنافسين يمكن أن يدفع العراق إلى فشل لا رجعة فيه، يمكن للشيعة تحمل درجة محدودة من العنف، ولكن تم بالفعل الوصول إلى أقصى ما يمكن تحملها قبل أن ينهار العراق بعدها، ومع ذلك، هناك طرق لتجنب الانهيار هذا».
ورجّح التحليل إنه «على المدى القريب، هناك فرصة ضيقة للجهات الفاعلة لوضع خطة لحل دائم، ومن الآن وحتى زيارة الأربعين (في 16 أيلول/سبتمبر) يضطر أمراء الحرب إلى الراحة والتأمل، وفي الوقت نفسه، ستظل التوترات قائمة ومن المرجح أن تؤدي إلى العنف المتقطع والمحدود، ولكن قد لا يؤدي إلى حرب شاملة مرة أخرى، ومع ذلك، إذا ترك الحال على الطبيعة، فالصراع لا يزال غير قابل للتنبؤ، وإذا حكمنا من خلال تبادل البيانات غير الدبلوماسية، فإن نفس الجهات الفاعلة قد تستأنف نشاطها بعد الأربعين وقد تدفع العراق إلى الهاوية».
وأضاف: «عاجلا أم آجلا، سيدرك الصدريون أن الاستيلاء على السلطة الكاملة ليس خيارا قابلا للتطبيق، وأن المسار غير الدستوري للسيطرة على العراق لن يؤتي ثماره، وتتمثل طريقتهم الوحيدة للعودة إلى الشرعية في السماح لمجلس النواب بالاجتماع والتشريع لإجراء انتخابات جديدة والتصويت على حل نفسه، وبالمقابل، يجب على الإطار التنسيقي أيضا أن تقبل أنها لا تستطيع تجاهل المعارضة، ناهيك عن حذفها. والخلاصة، هناك حاجة إلى المساومة من أجل الوصول إلى حل وسط من قبل الطرفين».
في الوقت ذاته، من المقرر أن يطرح، هذا الأسبوع، رئيس إقليم كردستان، نيجرفان بارزاني، مبادرة على بغداد والنجف أيضاً.
في هذا الشأن يقول البيدر: «مكانة بارزاني لدى الأطراف الأخرى كبيرة، ومن الممكن يسهم ذلك في تحقيق بعض التنازلات، لكن في مقابل ذلك، هناك أطراف محيطة بقادة الإطار التنسيقي قد لا يؤيدون التهدئة، وقد يسهمون في عرقلة الحل».
وبالإضافة إلى محاولة «الإطار» دفع عجلة البرلمان من جديد، تعوّل قوى منضوية تحت لواءه على «تغيير نظام الحكم» في العراق، كأحد الحلول الناجعة للأزمة.
واعتبر النائب المستقل، باسم خشان، أن تغيير نظام الحكم في العراق من برلماني إلى رئاسي هو مطلب «إطاري» لتكريس سيطرتهم على الدولة، مؤكداً دعمه لتمسك الأطراف الأخرى بالنظام الحالي.
وأشار في «تدوينة» له إلى أن «حركة عصائب أهل الحق جددت دعوتها إلى تعديل النظام من برلماني إلى رئاسي، وهذا ما تريده دولة القانون وكذلك منظمة بدر، لكن الكرد والسنة يرفضون هذا التعديل لأنه يسلبهم مكاسب التوافق وضمانات المشاركة المتوازنة في الحكومة، فهل نستطيع أن نقنعهم بالتصويت لتعديل دستوري يسلبهم هذه المكاسب؟ وهل يستحق النظام الرئاسي كل هذا العناء؟».
وأضاف أن «البعض يتصور إن النظام الرئاسي ليس فيه برلمان منتخب من قبل الشعب يقيد صلاحيات الرئيس، وهذا غير صحيح، فمن صلاحيات البرلمان في النظام الرئاسي التصويت على الوزراء والسفراء وأصحاب الدرجات الخاصة وقضاة محكمة التمييز، ويمكن للبرلمان أن يمنع الرئيس المنتخب من تشكيل الحكومة إذا لم يخضع لمطالب الأحزاب فيقسم الكعكة على الأحزاب وفقا للقواعد الحالية، فندخل في الانسداد السياسي، فلا يحل الانسداد إلا بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة».
وبين أن «قوى الإ طار تسعى إلى تكريس سيطرتها على الدولة من خلال النظام الرئاسي، وهذا مطلبها القديم الجديد، والتيار الصدري يرفض هذا التعديل لأنه يفقده أوراق التفاوض المهمة التي وضعها النظام البرلماني في يده، والشعب يريد التغيير فحسب، دون أن أدنى تفكير بطبيعة هذا التغيير ونتائجه!».
وأشار خشان إلى أن «هذا التعديل العظيم غير المنتج سيستغرق عمرا كاملا لتحقيقه، وحل الخلاف على صلاحيات الرئيس وصلاحيات البرلمان سيستغرق عمرين اثنين، وكل هذا الوقت سيمر من عمر الفقراء الذين يمكن أن يستردوا حقوقهم المسلوبة إذا تمسكنا بتطبيق الدستور النافذ، الذي ارى أنه من أفضل دساتير المنطقة!».
وأكد قائلاً: «أنا مع تمسك الكرد والسنة والتيار الصدري بالنظام البرلماني، وضد مطالب الإطار والحراك الشعبي بتغييره إلى رئاسي، لأن استقرار البلد في الوقت الراهن والمستقبل القريب مرهون بعدم المساس بالضمانات الدستورية لمكونات الشعب الاخرى».
ومن المحتمل أيضاً، أن يؤدي اضطراب الأوضاع السياسية والأمنية في العراق، وبلوغ الأزمة ذروتها، إلى «تدخل دولي».
ويمثل ذلك السيناريو الثالث الذي وضعه الشمري ضمن مسارات الأزمة في العراق، مشيراً إلى إنه «يتمثل بانخراط الأمم المتحدة، من خلال بعثتها العاملة في العراق، بوضع خارطة طريق ما بين الأطراف السياسية» مرجّحاً إمكانية ورود ذلك بالاستناد إلى بيان مجلس الأمن الدولي الأخير الذي دعا إلى حوار القوى وضرورة الاستقرار. «يبدو أنه رسالة تحذير وتمهيد لهذه المبادرة».
وعبّر مجلس الأمن الدولي، الجمعة الماضية، عن قلقه من الأحداث الدموية التي شهدتها المنطقة الخضراء، فيما دعم إجراءات الحكومة العراقية لاحتواء الأزمة.
وذكر المجلس في بيان صحافي، أن «أعضاء مجلس الأمن أدانوا أعمال العنف التي اجتاحت العراق يومي 29 و30 آب (أغسطس) وأعربوا عن قلقهم العميق إزاء أنباء عن سقوط ضحايا وجرحى، وأحيطوا علما بجهود الحكومة العراقية لاستعادة النظام».
ودعا المجلس الأطراف إلى «الهدوء وضبط النفس ورحب بدعوات الأطراف للامتناع عن المزيد من العنف».
وأشار البيان إلى أن «أعضاء مجلس الأمن دعوا جميع الأطراف إلى حل خلافاتهم السياسية سلميا، واحترام سيادة القانون والحق في التجمع السلمي، وتجنب العنف».
وختم الشمري بالقول: «المشهد الحالي هو ماضٍ نحو التصعيد، والأمر متوقف على مواقف (يمين) الإطار التنسيقي، المتمثل بدولة القانون وعصائب أهل الحق. ما لم يكن هناك تنازل فإن التصعيد هو سيد الموقف».