صور وظلال علي عبد الخالق في سينما تشدو بالأغاني الحزينة

لم يأخذ علي عبد الخالق المُخرج والمُبدع حظه من الشهرة والبروز كمخرجين كُثر أقل منه موهبة، ربما لأنه اتبع طريقاً مُختلفاً وانتهج نهجاً لامس القضايا الاجتماعية والسياسة، وابتعد عن الإطار التجاري بمسافة واسعة فظل محصوراً في الحيز الجاد لسينما لعبت دوراً معارضاً إلى حد كبير في فترتي الثمانينيات والتسعينيات، ومثلت مواجهة قوية ضد الفساد الاجتماعي، حيث كشفت أفلام عبد الخالق، «العار» و»الكيف» و»جري الوحوش» و»مدافن للإيجار» و»بئر الخيانة» و»أربعة في مهمة رسمية» و»الحب وحده لا يكفي» جانباً مهماً من سوءات المجتمع المصري على اختلاف التباينات والأشكال المُتضمنة في الأفكار والصور التعبيرية المُشيرة للأزمات الكبرى.
ورغم الحس النقدي الواضح في معظم الأفلام التي قدمها المخرج الراحل في سياق من التنبيه والتوعية، والتأثر بالمرجعية الثقافية اليسارية في عنفوان شبابه، إلا أنه لم يغفل الجانب الوطني ولم يُعف نفسه من الدخول في أغوار القضايا الشائكة ذات الطبيعة الخاصة، ولم يخش الاشتباك مع السُلطة في أول تجربة روائية طويلة له، فيلم «أغنية على الممر» المأخوذ عن مسرحية للكاتب علي سالم، حيث أجرى ما يشبه عملية التفتيش السينمائي عن أسباب نكسة يونيو/حزيران 67 بطريقة شاعرية حزينة اختلط فيها البُعد الوطني بالهم السياسي، على خلفية المأساة العسكرية التي راح ضحيتها خيرة الضُباط والجنود في مواجهة غير مُتكافئة مع العدو.
وفي هذا الفيلم لم يقف علي عبد الخالق عند حدود الهزيمة كنوع من الإدانة رغم منطقية ذلك، لكنه آثر أن يفصل مفهوم الهزيمة والانكسار عن معنى البسالة والبطولة الفردية التي تُمثل في حد ذاتها انتصاراً أقوى للجندية المصرية بكل المقاييس العسكرية والبطولية، فكل المجموعة القتالية التي كانت مُحاصرة لم تتخل قيد أنمله عن مواقعها، وظلت تُقاتل بشجاعة حتى الاستشهاد، وهنا برز المعنى الوطني المُستهدف من الفيلم.
ولأن القتال والذود عن الوطن والأرض عقيدة راسخة لدى المخرج الراحل الكبير علي عبد الخالق، فقد كرر التجربة بشكل عكسي في آخر أفلامه الحربية «يوم الكرامة» للكاتب جمال الدين حسين، فالاشتباك هذه المرة جاء داخل الممر الملاحي لقناة السويس بين قوات البحرية المصرية والقوات الإسرائيلية خلال معارك الاستنزاف، التي سجلت فيها القوات المُسلحة المصرية أجمل صور الانتصار فثأرت لنفسها وشهدائها، وهذا ما عمد مخرج الفيلم إلى توثيقه سينمائياً لتبقى المعركة شاهد إثبات على الملحمة البحرية التاريخية المدروسة.

ومن علامات التميز الأولى عند المخرج الراحل، التي أنبأت بموهبته الإخراجية في وقت مُبكر عقب تخرجه في المعهد العالي للسينما عام 1966 فيلم «أنشودة الوداع» الذي حصل عنه على عدة جوائز دولية كانت كفيلة بلفت النظر لميلاد مُخرج مهم.

وفي تجربة تسجيلية أخرى فارقة في المستوى والمضمون، جاء الفيلم التسجيلي «السويس مدينتي» عنواناً دالاً بقوة على ارتباط صاحب السيرة والمسيرة بالقضايا الوطنية، فالسويس كانت واحدة من مدن المواجهة طوال فترات الحروب المُتتالية على مصر في 56 و67 و 73، لذا رأى عبد الخالق أنها جديرة بأن تكون عنواناً لفيلم تسجيلي يتضمن بعض ملامحها وملاحمها فاعتنى برصد واقعها التاريخي والاجتماعي من زوايا مُختلفة ومتنوعة، حسب سياق الأحداث التي جرت على أرضها والوقائع البطولية التي شهدتها فجعلت لها خصوصية إبداعية وفنية وثقافية في مجالات عديدة، لاسيما الأغنية على وجه التحديد، فالسمسمية على سبيل المثال هي أحد ألوان الغناء الفلكلوري الذي ارتبط بالمقاومة الشعبية، وصار من السمات الأساسية للمدينة وبقية مدن القناة على الشريط الساحلي.
وعلى مستوى الإبداع السينمائي وبقية الأفلام الطويلة ذات الطابع الاجتماعي، ناقش المخرج الراحل جُلّ القضايا الإنسانية بحيثيات درامية بالغة الأهمية والحساسية، ففي فيلم «العار» وهو الأشهر بين أعماله طرح فكرة الصراع العائلي بين أفراد الأسرة بعد وفاة الأب الوقور المُهاب المُخادع الذي عاش طوال حياته بوجهين، وجه الرجل التقي الورع صاحب محل العطارة، ووجه تاجر المُخدرات الضالع في ترويج السموم والمُتعامل مع أرباب السجون وأصحاب السوابق، الأمر الذي وضع الأسرة كلها في مأزق اجتماعي شديد الحرج والخطورة، الأم والأبناء، وهو الدرس القاسي المُستفاد الذي استخلصه الكاتب محمود أبو زيد من التجربة الإبداعية الفنية الفريدة، وطرحه بمستويات إنسانية ونفسية مُتباينة ومُختلفة، وعمل المخرج على تعميق تأثيرها الدرامي بأدواته الفنية ونجح في ذلك إلى حد كبير.
واستمر التعاون بين علي عبد الخالق وأبو زيد في فيلم «الكيف» على الوتيرة نفسها مع الأبطال يحيى الفخراني ومحمود عبد العزيز وجميل راتب، فالموضوع اتصل اتصالاً مُباشراً بعالم المُخدرات ومخاطره وصراعاته القاتلة، وأوجه التورط في الجريمة، مع التعريج النسبي على قضية فساد الذوق العام وانتشار الأغاني الهابطة كأنها الخطر المُعادل لخطر المُخدرات. وكذلك جاء التناول أيضاً في فيلم «جري الوحوش» مُرتبطاً بصراع المال والبنون وعجز الإنسان عن كبح شهواته ورغباته وعدم رضاه بما قسم الله له من نعم وعطايا، وقد تمت المُعالجة على خلفية دينية وأسلوب إيماني موضح للفكرة بالأدلة العقلية والإثباتات الدينية المُستندة إلى حُجج قوية، وهي طريقة اتبعها الكاتب محمود أبو زيد ليقدم من خلالها الحلول، بما لا يدع مجالاً للشك في القرائن والبراهين المُبينة لعدل الله وحكمته.
ومن علامات التميز الأولى عند المخرج الراحل، التي أنبأت بموهبته الإخراجية في وقت مُبكر عقب تخرجه في المعهد العالي للسينما عام 1966 فيلم «أنشودة الوداع» الذي حصل عنه على عدة جوائز دولية كانت كفيلة بلفت النظر لميلاد مُخرج مهم.

‏كاتب مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية