جبل الرمل: البحث عن الأمل

جبل الرمل هو أحد مظاهر المكان في منطقة المندرة في الإسكندرية قديما حتى بداية الثمانينيات حين زحف العمران العشوائي إليها شيئا فشيئا، وكان فيه بيت جدها وجدتها المصريين.. رندا شعث فنانة جعلت التصوير هوايتها وعملها وحبها الكبير. عملت في الصحافة والنشر كمصورة أو مديرة قسم التصوير، ومصممة لكتب الأطفال في دار الفتي العربي. عرفت أعمالها معارض فنية كثيرة في مصر والخارج، وأصدرت من قبل ثلاثة كتب هي «وطني على مرمي حجر» و»مصر أم الدنيا» و»تحت سماء واحدة».
الكتاب صادر عن دار الكرمة في القاهرة، وهو سيرة لكنه أشبه برواية تتقاطع فيها الأزمنة والأماكن، فهي لا تتقدم بشكل متصاعد، لكن دائما تترك ما تتحدث فيه وتعود إلى بيت العائلة المصرية في الإسكندرية، أو بيت الأسرة لوالدها الفلسطيني في جاردن سيتي، أو بيتها وزوجها في ما بعد. تتنقل بك بين الزمان والمكان وكأنك في عمل فني وليس سردا متتابعا. ليس غريبا أن يحدث هذا منها وهي المصورة الفنانة التي رأت التصوير في الصحافة، كما ينبغي أن يكون. ليس مجرد عمل تقليدي أو زينة تشغل الصفحة أو الموضوع، لكن إضافة إلى معانيه، فالصورة لا بد أن تحمل معنى.
جدتها فاطمة المصرية هي والدة أمها صفاء، كيف كبرت هي وماذا كانت تقرأ وكيف كانوا يعيشون. السرد الجميل يتقافز باللعب حين تلعب، وبالصمت حين تتأمل، وبالفرح أو الحزن حين تتغير الأيام. كيف كان ميلادها في أمريكا حيث يدرس والدها الفلسطيني نبيل شعث ومعه أمها. في يوم عاصف بالثلوج. رحلة إلى بيروت عام 1969 فوالدها نبيل شعث الآن في منظمة التحرير الفلسطينية، ويعمل أستاذا في الاقتصاد في الجامعة الأمريكية في بيروت. ألحقها بالمدرسة الأهلية للبنات. في عام 1975 يقرر الأب العودة للقاهرة فالحرب الأهلية في بيروت تندلع. تعود ومعها صندوق صغير فيه كل ذكرياتها. ورقة صغيرة فيها عنوان ناقص. قطعة لبان أعطاها إياها ابن الجيران. خاتم فضي صغير مثل خواتم صديقاتها الثلاث دينا وهدى وليلى. رسائل بينهن. خصلة شعر بنية لدينا بادلتها معها بخصلة سوداء من شعرها. سوار معدني مكسور كان يخص جدة زميلتها كارون في المدرسة. بعض صور.
تقول «لم يخطر ببالي أن يصبح هذا الصندوق كل ما تبقى لي من سنوات طفولتي في بيروت، باستثناء ذكريات تومض في خيالي من حين إلى آخر وتظهر لي أحلاما لا نهائية». وهكذا فالطفولة مبشرة بروح الفنانة المتوثبة المتمردة. تصف لك بحميمية الأماكن حين تخرج من بيتهم في جاردن سيتي إلى شارع القصر العيني، لتركب الأوتوبيس الذي سينقلها إلى مدرستها في مصر الجديدة. عن سعادتها بخبث طفولي حين تسقط سنجة الترام الذي كان في الشارع فيتعطل الترام لدقائق حتى يشبك الكمساري السنجة، تكون هي فيها قد تطلعت إلى وجوه الركاب. تفاصيل مذهلة للمكان ولشارع القصر العيني بما فيه من محلات ومقاه، ولا تنسي دائما أن تعود إلى جبل الرمل في الإسكندرية. طالت الحرب الأهلية في لبنان وكبرت هي في مصر. تلتقي بلجان لمناصرة الشعب الفلسطيني اثناء الغزو الإسرائيلي. مسيرات احتجاج مثل مسيرة الأزهر. أسبوع فني وثقافي في قاعة النيل التابعة للآباء الفرنسيسكان في شارع محمد فريد، حيث عرض فيلم توثيقي لميشيل خليفي، المخرج الفلسطيني الذي سمعت به أمها فدعته إلى مصر لعرض فيلمه، وساعدها الناقد سمير فريد في ذلك. الليلة الأخيرة في الاحتفال حيث غنى الشيخ أمام وغنت هي فقرة صغيرة تقول عنها، كان صوتي مقبولا قبل التدخين. بعد حصار بيروت وخروج الفدائيين من لبنان إلى السودان واليمن، نقطع معها رحلة وغيرها الذين تجمعوا في السيارات من ميدان التحرير إلى طريق السويس، وعلم فلسطين يرفرف من نوافذ السيارات لتحية الفدائيين. ما حدث في الطريق من صعوبات بعضها أمني، وكيف قرر البعض الذهاب إلى بورسعيد بعد السويس، وذهبت معهم، وكيف قابلوا الفدائيين وأهداها أحدهم مشط الرصاص من بندقيته قائلا سنلتقي في القدس. تمشي مع القضية الفلسطينية التي شغلت مكانا حميما في الكتاب، سواء غزة أو القدس أو غيرها من المدن التي زارتها.

«لم يخطر ببالي أن يصبح هذا الصندوق كل ما تبقى لي من سنوات طفولتي في بيروت، باستثناء ذكريات تومض في خيالي من حين إلى آخر وتظهر لي أحلاما لا نهائية».

تقول مثلا: «حططت قدميّ على أرض مطار غزة لحظة الغروب. كان توهج الشمس قد انكسر، ونسمات الهواء البحريّة تداعب النخلات العالية على حدود الممر الفسيح، حيث تجثم طائرة واحدة صغيرة، يزيّنها العلم الفلسطيني. كان على الركّاب أن يرحّلوا بالحافلات من المطار في خان يونس إلى معبر رفح البري، حيث يجري التحقيق والتفتيش. لكني بقيتُ واقفة على أرض المطار الخالية إلا مني والطائرة، حتى آخر انكسارات الأشعة على البلح الأحمر». مطار غزّة كان يعمل لأوّل مرّة في 1998، بعد عامين من إنشائه كهدية من دولة المغرب. دمّرت إسرائيل مطار غزّة بعد ثلاث سنوات فقط من بداية عمله، وقطعت الطرق الّتي تصل بين شمال القطاع وجنوبه. رحلة بحثها عن خط السكة الحديد القديم، الذي كان من مصر إلى الشام مارا بفلسطين، رحلة بحث عن زمن يبدو أملا لا يغيب.
تأخرت كثيرا في الزواج ومحاولة أهلها في ذلك وفشلهم. قصة زواجها من المصور الصحافي الأمريكي توماس هارتويل الذي رأته صدفة عام 1994 حين خبط على كتفها برفق وهي تصور المؤتمر الشهير، أو اتفاق القاهرة، الذي رفض فيه عرفات في البداية التوقيع على الوثيقة بين الفلسطينيين وإسرائيل في إطار أوسلو. قال لها «حجم عظيم لصورة عظيمة». كان يقصد تصويرها لأول دفعة للشرطة الفلسطينية العائدة من مصر لغزة في الأسبوع السابق، الذي نشرته في جريدة «الأهرام ويكلي». طلب منها توم الزواج بعد سنة. تقول «لم يكن في كتالوج الزواج عندي خانة لـ»أعجمي» ولا لمن لا يسمع أم كلثوم والشيخ إمام. عرفت أنه يقيم في مصر منذ أنهى دراسته الجامعية، ويتحدث العربية، ويحمل فلسطين في قلبه، ويحب فيروز ويحبها». اعتنق الإسلام قبل أن يلتقي بأبيها واكتسب محبة الجميع فتزوجا.
تقف عند يوم ميلادها في يناير/كانون الثاني الذي تحبه ومظاهر احتفالها به. عام 1990 كان عيد ميلادها مميزا حيث نظمت احتفالية لفلسطين لثلاثة أيام في مسرح الجمهورية، وكانت فرقة «صابرين» المقدسية تغني في الليالي الثلاث. في أحد الأماسي حضر بعض أعضاء الفرقة إلى منزلهم للعزف والغناء في ليلة رائعة مفعمة بالبهحة الروحية. رحلتها إلى القدس وفي انتظارها أفراد من فرقة صابرين ومصاعب الوصول بسبب الجنود الصهاينة، ثم نجاحها في الوصول. تقول «أمشي فوق السور العتيق وكأنني عصفورة طائرة فوق القباب والمآذن وأبراج الكنائس أكاد ألمس قبة الصخرة الذهبية. أقرص نفسي عشرات المرات غير مصدقة أنني هنا».
رافقت زوجها توم في رحلة إلى الجزائر عامي 2005 – 2006. لم تكن تعرف عن الجزائر إلا الحرب الدامية أو العشرية السوداء في التسعينيات. كلمة فلسطين هناك تفتح كل الأبواب. عيد ميلادها هو عيد الشرطة المصرية ومفارقات ذلك مع ثورة يناير التي جرت وهي وزوجها في تكساس، وكيف عادا في يوم الأحد 30 يناير عن طريق لندن فالرحلات متوقفة، حديث عن الثورة وسلامة الصحافيين والمصورين الذين يتبعونها في جريدة «الشروق» والاشتباكات التي جرت وبعدها. وفاة أحمد سيف الحقوقي البارز والتأبين له في قاعة ايوارت في الجامعة الأمريكية. حضور ابنه علاء مع الأسرة. كلمته التي لا تنسي «مش ضروري تنتصر في انتصارك للحق. مش لازم تبقى جاهز للانتصار للحق. لكن ضروري تنتصر للحق» لحظات طلاقها بعد عشرين سنة من الزواج وبكاء زوجها. العودة دائما إلى المندرة وتغير المكان. ولن يتسع المقال لمن عاش أو رحل من العائلة والجيران والقصص الإنسانية بينهم. هذه المرة بيع منزل العائلة الذي انتهي الرمل حوله واختنق بزحام العمارات.

روائي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية