هل نفّذ رئيس الجمهورية الأمريكي السابق باراك أوباما التعهدات التي وردت في خطاباته التي أوصلته إلى الكونغرس وبعد ذلك إلى رئاسة بلده لولايتين متعاقبتين عامي 2008 و2012 بالنسبة إلى قضايا الشرق الأوسط الرئيسية؟
وهل أكمل الرئيس الأمريكي الحالي جوزف بايدن تنفيذ ما وعد به رفيق دربه في الحزب الديمقراطي الأمريكي أوباما، الذي عيّنه نائباً له سابقاً ودعمه للوصول إلى الرئاسة، في هذا المجال؟
هذا ما سنحاول إلقاء الضوء عليه من خلال مراجعة كتاب بعنوان «أرض موعودة» يُعتبر مرجعا عن فترتي أوباما الرئاسيتين كتبه الرئيس السابق بنفسه وأورد فيه الكثير من خفايا الأمور ومن مشاعره الوجدانية حول مواقفه عموماً.
أهم ما في القسم الأول هو أن ما أوصل أوباما إلى النجومية والقيادية في أوساط الحزب الديمقراطي الأمريكي وفي أمريكا عموماً كان خطاباً ألقاه في محاولته الحصول على اختيار حزبه له كمرشح لدخول الكونغرس في تشرين الأول (أكتوبر) 2002 حيث كانت طبول الحرب ضد العراق تُقرع في أوساط كبار قياديي أمريكا وفي طليعتهم الرئيس جورج بوش الابن ومعاونيه. وفي هذا الخطاب الذي ألقاه أوباما أمام مجموعة معارضة لشن تلك الحرب قال مفاجئاً الجمهور: «دعوني أوضح لكم بأنني لست معارضاً للحروب بالمطلق إذا كانت للدفاع عن بلدنا، ولكنني أرفض وأُعارض شن حرب غبية. إذ ان نظام الرئيس صدام حسين في العراق لا يشكل خطراً مباشراً على أمن بلادنا أو جيراننا، وأي حرب ضد العراق ستتطلب احتلالاً أمريكياً طويلاً ومكلفاً لذلك البلد، ولا تعرف نتائجه. وإذا كان الرئيس بوش يفتش عن معركة، فعليه مواجهة منظمة (القاعدة) وان يتوقف عن دعم الأنظمة القمعية في العالم من أجل نفط الشرق الأوسط». (47).
وبعد انتخاب أوباما سيناتوراً في مجلس الشيوخ قام بزيارات إلى بلدان عديدة عام 2005 برفقة رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، حيث استُقبل استقبالاً حافلا وخصوصا في بلدان أفريقية ظن بعض سكانها بأنه أصبح رئيساً لأمريكا منذ ذلك الحين. ويؤكد أوباما انه وبعد تحدثه مع عراقيين عن الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003 «أصبح أكثر قناعة بان بوش الابن وديك تشيني (نائب الرئيس) ودونالد رامسفيلد (وزير الدفاع) ارتكبوا أخطاء فادحة في الحرب العراقية آنذاك أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من العراقيين وحوالي ألفي جندي أمريكي من دون أن تحقق نتائج مفيدة للمصالح الأمريكية». (ص 64).
كما يشير إلى ان تيد كينيدي، شقيق الرئيس الأمريكي الراحل جون كينيدي الذي كان سيناتوراً بارزاً في الحزب الديمقراطي الأمريكي نصحه بالترشح للرئاسة قائلاً له: «الوقت المناسب للترشح يختارك ولست أنت مَنْ تختاره».
وخلال حملة أوباما الرئاسية، تعهد بانه سيلتقي كرئيس بأي قائد في العالم حتى مع قادة الدول المتخاصمة مع أمريكا إذا كانت مثل هذه اللقاءات ستفيد مصلحة البلد (ص 98).
ففي مقطع مؤثر في الفصل الخامس والعشرين يقول الرئيس السابق: «ان أكثرية دول العالم (وحتى جميعها تقريبا) اعتبرت وتعتبر استمرار احتلال إسرائيل للأراضي الفلسطينية مخالفاً للقوانين الدولية. ولكن وجدنا أنفسنا (كقيادة أمريكا) ندافع عن ممارسات إسرائيل في هذا المجال على الرغم من اقتناعنا بالأخطاء التي تُرتكب، وذلك في وقت كنا نضع الضغوط على بلدان كالصين وإيران في مجال ممارساتهم المناهضة لحقوق الإنسان وسجلاتهم في ذلك الحيز. كما أننا لم نظهر قلقنا إزاء تجاوزات حقوق الفلسطينيين. واستمرت إسرائيل في ممارسة الاستيطان ما أوقد مشاعر الجماهير العربية وزاد الكره لأمريكا في العالم الإسلامي». (ص 627 و628).
ويضيف: «ان هذا الوضع أثّر سلبياً عليّ كإنسان بسبب تربيتي وقيمي الأخلاقية كما تعلمتها من والدتي».
كما يشجب الحملات التي شنتها وسائل الإعلام الأمريكية واللوبيات المؤيدة للصهيونية في أمريكا عليه بسبب صداقاته واتصالاته مع شخصيات أكاديمية وفكرية كان قد ارتبط بعلاقات معها قبل وصوله إلى الرئاسة وبينها الدكتور رشيد الخالدي الذي يحتل كرسي إدوارد سعيد في جامعة كولومبيا الأمريكية والذي كتب كتباً عديدة قيّمة متعلقة بالشرق الأوسط وفلسطين.
ولكن، وبرغم كل ذلك، فإن يهود أمريكا صوتوا (في أكثريتهم) له في الانتخابات لكونهم يؤيدون تقليدياً الحزب الديمقراطي الأمريكي. غير أن أوباما يشير إلى أن شخصية بعض القادة تؤثر على قراراتهم سلبياً في كثير من الأحيان. وبالتالي، وجد صعوبة في التعامل مع رئيس الحكومة الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو الذي كان مصراً على المضي في عملية الاستيطان ورفض تجميده وساهم في تنشيط الحملات ضد أوباما حيثما استطاع وخصوصاً في أمريكا.
أما عن تعامل الرئيس أوباما مع نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي تم التطرق إليه في الفصول الأخيرة من الكتاب، فيُظهر بعض نقاط الضعف في قرارات أوباما الرئاسية وفي قرارات لاحقة اتخذها خليفته بايدن. إذ اتكل أوباما في هذا المجال على مجموعة رئاسية يسميها في الكتاب «مجموعة الأزمات» تضم جناحاً مخضرماً انتمى إليه بايدن ووزيرة خارجيته هيلاري كلينتون ووزير دفاعه روبرت غيتس ومدير استخباراته ليون بانيتا، بالإضافة إلى مجموعة شبابية شملت وزير الخارجية الحالي انتوني بلينكن ودينيس روس وسامنثا باور وسوزان رايس.
وكان موقف المجموعة الأولى انه يجب الضغط على الرئيس مبارك ولكن من دون دفعه إلى الخروج من الحكم، فيما أصرت المجموعة الثانية «الشبابية» على الحاجة إلى إقالة مبارك. وبالرغم من ان أوباما تأرجح بين الموقفين فإنه اختار مكالمة مبارك هاتفياً وإبلاغه بشكل شبه تهديدي بضرورة خروجه من السلطة، ولما لم يمتثل الرئيس المصري للأمر، ودفع باتباعه إلى مواجهة المتظاهرين في الشارع، اتخذ القرار بإسقاطه من قِبل أوباما.
وهكذا فعل أوباما بالنسبة إلى القائد الليبي معمر القذافي، وبالنسبة للقرار باغتيال مؤسس منظمة «القاعدة» اسامة بن لادن بعدما كان في أوج مرضه وتحت مراقبة الاستخبارات الباكستانية. كما فعل بايدن مؤخراً أمراً شبيها لدى اغتيال نائب بن لادن أيمن الظواهري الذي كان بدوره تحت مراقبة حلفاء لأمريكا في النظام الطالباني الجديد في أفغانستان.
إذن، فمثل هذه القرارات من أوباما ومن بايدن فيها بعض من الشعبوية والدوافع الانتخابية برغم تبريرها بانها اتُخذت لمنع استغلال الإسلام وللانتقام لذوي الضحايا. أما بالنسبة إلى تعطيل التفاوض مع إيران أو مبادرات بايدن لتوسيع مدى انتشار «حلف شمالي الأطلسي» ليشمل دولاً كأوكرانيا وأخرى محاذية لروسيا ما تطور إلى مواجهات عسكرية مع نظام بوتين، فقد يندرج في هذا السياق.
كما ان تعامل نظامي أوباما وبايدن في قضايا أخرى ذات أهمية كبيرة مثل قضية انهيار لبنان اقتصادياً ومالياً وقضية سوريا والملف الإيراني النووي فيثير الاستغراب في كثير من الأحيان.
فلماذا مثلاً تستمر سفيرة الرئيس السابق دونالد ترامب هي ومستشاروها في التدخل في القرارات اللبنانية المصيرية ما ربما ساهم ويساهم في انهيار لبنان اقتصادياً في وقت يتم فيه في العادة تغيير السفير أو السفيرة الأمريكية ومعاونيهما عندما يتم انتخاب رئيس أمريكي جديد يُصرح بانه يختلف جداً في قراراته في السياسة الخارجية عن الرئيس السابق، كما تعهد بايدن؟ ولماذا لا يتدخل أوباما ويتشاور مع بايدن في هذا المجال وفي مجالات مصيرية أخرى لتبديل سياسة «الفوضى الخلاقة» في العالم الثالث ولبنان علماً انه ما زال لديه النفوذ الكبير في أمريكا ولدى بايدن وفي الحزب الديمقراطي بالتحديد؟
وماذا عن المواقف «الجديدة» الأمريكية بالنسبة إلى الوضع في سوريا؟ وما هي الإفادة الكبيرة لمواقف بايدن «الجديدة» في أفغانستان وأوكرانيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة ومصالحها؟
قد يتساءل البعض إذا كانت القرارات في «مجموعة الأزمات» في إدارة بايدن الأمريكية تُتخذ، كما اتخذت في عهد أوباما، بترجيح «كفة الشباب» التي قد تضم بعض الشخصيات المنحازة التي ربما لديها أجنداتها الخاصة (على شاكلة دينيس روس وسامنثا باور) التي تنتقل من نظام حكم إلى آخر حسب ما تتطلبه أجندتها، كما فعل دينيس روس وباور سابقاُ ومن قبلهما هنري كيسنجر بين إدارتي ريتشارد نيكسون وجيرالد فورد.
كتاب أوباما فيه الكثير من الإشارات إلى ان هذا الرئيس الأفريقي المسلم الأصل من جهة والده، كان بالفعل يتفاعل مع الشعوب المسحوقة، وبينها الشعب الفلسطيني، ولكن قراراته التنفيذية الفاعلة في هذا المجال لم تحقق النتائج المرجوة في السياسة الخارجية واستمرت إسرائيل في قمعها للفلسطينيين وتجاوزها لحقوقهم في عهده. وربما بايدن، الكاثوليكي الايمان والمتأثر بالبابا فرانسيس وبقيمه الأخلاقية ومواقفه النابذة للعنف والداعية للسلام، والذي واجه أزمات عائلية مؤلمة، هو بدوره من المؤمنين بالديمقراطية والمساواة وبحقوق الإنسان، ولكننا لم نشاهد حتى الساعة مواقف فعالة منه ولا من غيره في القيادات الديمقراطية الأمريكية السابقة إزاء اغتيال الصحافيين والكُتاب أو اعتقالهم وتعذيبهم من جانب الأنظمة العربية والأخرى القمعية. فقط نسمع ونرى تنفيذياً تصريحات رنانة وتبجحات إزاء اغتيال مؤسس (القاعدة) اسامة بن لادن من باراك أوباما، وتصريحات مشابهة حول نجاح خطة اغتيال أيمن الظواهري من بايدن. والقائدان الإسلامويان لم يُغتالا خلال تنفيذهما وتحضيرهما لعمليات خطيرة، بل بعد مرض الأول واعتكافه مع عائلته واعتزال الثاني وخضوعهما لمراقبة من حلفاء أمريكا السياسيين في باكستان وأفغانستان. كذلك، فإن الأنظمة الديكتاتورية ما زالت منتشرة في العالم العربي، وبقيت في مواقعها خلال فترتي أوباما وبايدن. كما تعززت خلال فترة قيادة الرئيس السابق دونالد ترامب. ولكن يبدو ان القيادات الأمريكية حتى لو تغيرت بالاسم فإن ذلك ربما لا يشكل أكثر من تغيير قناع طالما لم يتم العثور على خطط فعالة وعادلة وقابلة للتنفيذ لمعالجة المآسي الفلسطينية واللبنانية والسورية وغيرها من مآسي العالم العربي والإسلامي التي ترتكبها دول «الاستعمار الجديد» وتنفذها تحت ستار الرغبة في نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان.
كتاب مذكرات أوباما مكتوب بطريقة جيدة من ناحية أسلوبه السردي السلس غير المثير للملل وبعض اعترافات كاتبه الوجدانية الصادقة.
ولكن فصوله الأخيرة تفسر لماذا لم يتم التوصل حتى الساعة إلى التطبيق الفاعل للاتفاقية الإيرانية النووية مع الدول الغربية بما فيها الولايات المتحدة الأمريكية بالإضافة إلى روسيا والصين واستمرار ارتكاب الأخطاء في السياسة والمبادرات الخارجية الأمريكية في أماكن أخرى من العالم.
Barrack Obama:
«A Promised Land»
Crown Random Housen, New York 2020
751 pages.