ترصد السينما الروائية القصيرة تفاصيل الحياة اليومية وتوغل في أعماق الشخصيات فتتبدى الصور الإنسانية في الأفلام ذات الزمن المحدود واضحة قوية، ربما أقوى منها في الأفلام الطويلة، ذلك لأن الحالة الدرامية في الفيلم القصير لا تخرج كثيراً عن التجارب الذاتية لصانع الفيلم مهما كانت الإضافات. فالكاتب أو المخرج كلاهما يتأثر بما يصادفه في حياته من مواقف ومُشكلات وتجارب، ولو أن المخرج هو نفسه الكاتب والمؤلف فإن ميزة الاكتساب والاستفادة من الواقع المُعاش ستكون أكثر وضوحاً بالطبع كما هو الحال في فيلم «دوارة».
ولو بدأنا بتحليل العنوان المُلتبس سنجد أنه يؤكد فكرة التأثر التي أشرنا إليها، حيث يحاول المؤلف والمخرج عمرو مصطفى إثبات معنى إنساني درامي مفاده أن الحياة بأحداثها وأزماتها ما هي إلا كُرة دوارة تتحرك في دائرة مُغلقة، فكما تصل إليك تصل إلى غيرك، لذا رمز عمرو إلى فكرته الإنسانية السينمائية بعجلة السيارة التي تقطع أشواطاً ويستغرق دورانها أزمنة في رحلة السفر، كأنها المُعادل الموضوعي لدورة الحياة والأشخاص والأحداث، وهي فكرة فلسفية أكثر منها روائية يصدرها عمرو في فيلمه بوصفها محوراً للأحداث الدرامية وإشارة لحالة البطل الذي يعاني من تعسر في النطق ويواجه بعض المُنغصات جراء السخرية والتهكم من الصبية والسفهاء وأصدقاء السوء.
البطل في الحكاية القصيرة لفيلم دوارة يعمل في مجال إصلاح إطارات السيارات ويتسم بالود والرقة وحُسن المُعاملة، كونه مُختلفاً في تكوينه وثقافته ومستوى تعليمه ويجنح للسلم في كافة تصرفاته وسلوكياته، فهو يمد يد العون لمن يحتاج المساعدة، ويقدر معنى الصداقة ويحترم خصوصيات الآخرين، لكنه لا يجد في المُقابل مُعاملة مماثلة، بل على العكس يعاني ويلات الجحود والنكران وشُح المشاعر النبيلة من الغير، لذا يرى أن الوحدة خير من جليس السوء فيلوذ بها في مُعظم الأوقات مُكتفياً بسماع الموسيقى الهادئة التي تتوافق مع حالته المزاجية وطبيعته الرومانسية الرقيقة.
وتترجم العُزلة التي يبينها الكاتب والمخرج مدى انفصال البطل عن واقعه الخشن وانسجامه مع الواقع الافتراضي الذي يحتمي فيه كلما تعرض لأزمة ما، وهنا تكمن دلالات المعنى الإنساني، حيث لا وجود لحياة مُمتعة وسط ضغائن البشر المُتسمين بالغلظة والشراسة والتنمر.
ومن وحي الأحداث وممارسات الأبطال المُساعدين الذين قاموا بتجسيد الشخصيات السلبية وجميعهم من المواهب المُبشرة، تتبلور الفكرة الرئيسية بعد أن تدور الدائرة عليهم ويفقدون لياقتهم البدنية والصحية إزاء تعاطيهم للمُخدرات ودخولهم دائرة الإدمان فيصبحون أسرى للكيف وتتخلى عنهم الحياة وتعطيهم ظهرها وتُذيقهم من مرارة السخرية والتهكم جرعات، تماماً مثل ما صنعوا هم مع صديقهم الطيب المُسالم، كأنها دورة المحن والمصائب قد شملتهم وجعلتهم عبره لمن يعتبر.
لقد آثر عمرو مصطفى أن تكون المُعالجة الدرامية تراجيدية إلى حد ما للاضطلاع بالمضمون والفكرة والمحتوى، فما بدأ تراجيدياً لا بد أن ينتهي تراجيدياً أيضاً حسب شروط القصة والسياق العام للأحداث ومقتضيات الإخراج وإبراز المُعطيات الدالة على المُقابلة الفنية والإبداعية بين ما عانى منه البطل على المستوى النفسي وما قاساه بقية الأبطال المُتنمرين عليه بعد ذلك، وهو ما يُمكن اعتباره اكتمالاً منطقياً لدائرة الأحداث وإبلاغاً ذكياً بالنتائج الختامية لحياة المُتربصين بالغير والضالعين بالشماتة في نواقصهم الخلقية وإعاقاتهم النفسية والبدنية.
لقد اتبع المخرج أسلوباً فنياً متوافقاً مع الحالة الدرامية فجعل التصعيد الدرامي تدريجياً وغير مباشر، وفي نفس الوقت أتى بالحل من داخل السياق ذاته، فعجلة السيارة التي اتخذ منها رمزاً لدوران الحياة ومُبادلة الظرف بالظرف والألم بالألم والحالة بالحالة، هي محض ترجمة لعنوان فيلمه «دوارة» كتفسير مبدئي للمعنى المقصود وإحالة كاملة للفكرة العامة من محل المجاز إلى بؤرة الموضوع الواقعي الحقيقي، فالشخصيات المُشاركة فاعلة وناقله للحدث، وعلى اختلاف جنسهم وطبيعتهم متورطون في الأزمة النفسية للبطل، أي أنهم مُدانون طبقاً لأدوارهم الدرامية وما يهدف إليه تمثيلهم المُحكم والمُتقن بشكل كبير برغم أنهم من غير المُحترفين، وهذه ميزه يعود الفضل فيها للموهبة الفطرية والحضور التلقائي فائق الحساسية والدقة. غير أن اجتهاد المخرج والكاتب عمرو مصطفى في أن يضع المُمثل في الجو الانفعالي للشخصية قد ألهم الأبطال، مدحت مصطفى وعمر شريف وروان الغابة، القُدرة على التقمص وزودهم بقدر وفير من الخبرات فنجحوا في الاختبار الصعب لأداء الأدوار المُركبة. ومما لاشك فيه أن الإضافة الملموسة كانت للموسيقى التصويرية المُصاحبة للمشاهد الناطقة والصامتة وهي المأخوذة من بعض مؤلفات نصير شمة وأميمة خليل، الأمر الذي ضاعف من مستوى الإحساس بالمُشكلة الفردية للبطل التي تضمنها الفيلم القصير فخلق منها حالة إنسانية مؤثرة ومُدهشة ومؤلمة ومُركبة.