كان الكاتب الساخر محمود السعدني في الكويت، عندما حل السادات ضيفاً عليها، إذ كان قد غادر مصر بعد فترة قصيرة من سجنه في القضية المعروفة بمراكز القوى، وحرص عثمان أحمد عثمان، الصديق المقرب من السادات، ووزير الإسكان والتعمير لفترة قصيرة، على أن يجمع الشتيتين بعد أن ظنا كل الظن ألا تلاقيا!
التقى عثمان بالسعدني في الكويت وأقنعه بزيارة السادات في مقر اقامته وبالعودة لمصر، فلا داع لأن يقضي سنوات عمره في الغربة، وكال السعدني اللعنات للسادات، فقد ترك له الجمل بما حمل، لكنه حرص على أن يأتي خلفه للكويت، ثم إنه لا رغبة له في العودة، وكيف له أن يذهب اليه وقد يتعمد اهانته، وتقديمه على أنه جاء معتذراً، ذليلاً، وقد رفض اعتذاره، لكن عثمان وعده بأن شيئاً من هذا لن يحدث!
وفي الغد، وفي الموعد المضروب جاء السعدني، بينما السادات والوفد المرافق له يجلسون على الأرض على الطريقة العربية، وهو أمر محرج حقاً، فالمؤكد أن السادات لن ينتصب واقفاً ليصافح السعدني، ثم إن السلام التقليدي على هذه الهيئة سيقلل من قدر الداخل، وحلها السعدني على طريقته، بأن اندفع في اتجاه السادات، وضغط على يده وكتفه وهو يقسم عليه ألا يقوم له، بما يوحي بأن السادات قد هم بالوقوف فعلا، ولأن الجميع أدركوا حجم التمثيل في المشهد، فقد انخرطوا في الضحك، وأعجب الموقف السادات فضحك أيضاً! ليواصل السعدني حديثه، بما يفيد أنه تورط بحسن نية في علاقته بمراكز القوى، فعقب اعتقاله في عهد عبد الناصر سأل من اعتقله؟ فقالوا له وزير الداخلية، فعمل على أن يكون صديقاً للوزير، ليسأل في دهشة، وهل يعقل يا عالم أن يُعتقل وزير الداخلية؟ وكان الوزير شعراوي جمعة من بين الذين اعتقلهم السادات في هذه القضية، ومرة أخرى يجد الحاضرون أنفسهم بمن فيهم السادات، على موعد مع الضحك على هذه المفارقة التي تحدث عنها السعدني!
ولا شك أن الكاتب الساخر كان يخفف من أزمة موقفه، فلم تكن مشكلته، كما رواها وقلل منها، ولم تكن صداقته بشعراوي جمعة هي السبب في القبض عليه، لكن تسجيلات القضية أثبتت أن اتصالاً هاتفياً جرى بين السعدني وأحد المتهمين الكبار فيها، وصف فيه السعدني السادات وصفاً مسيئاً، لم يدونه في مذكراته لأنه جارح للغاية!
لقد طفت الواقعة على سطح الذاكرة، عندما زار السيسي الدوحة، لا سيما مقولة السعدني لعثمان أحمد عثمان، أكلما ذهبت الى بلد جاء السادات خلفي؟ قالها جاداً مع أن الأمر لا يخلو من فكاهة، وذلك مع اختلاف الأطراف، فلا أنا في رشاقة السعدني، وفي تقليله من قيمة موقفه، ولا أحد في الوفد المرافق للسيسي للدوحة كعثمان، ولا السيسي هو السادات، فالرئيس الراحل هو ابن الحياة بحلوها ومرها، والحالي ابن المعسكر، والسادات ابن القرية، حيث البراح، والسيسي ابن النشأة المغلقة، فتجاوز السادات عن وصفه بأوصاف لا تليق، بينما يُروى عن السيسي في تبريره لعدم قبوله وساطة محمد حسنين هيكل بالإفراج عن الناشط السياسي علاء عبد الفتاح «لقد شتم والدي»!
أزمة الأذرع الإعلامية للسيسي:
ولهذا رغم أن السادات كان يشتبك مع خصومه اشتباكاً حاداً، إلا أن هناك مراعاة للحد الأدنى من الأصول، واسفاف إعلامه لم يكن إلا في مواجهة القذافي، لأن الزعيم الليبي هبط في الأداء إلى حد التجريح والخوض في الأعراض، ولم يحفظ التاريخ اسفافاً سوى الذي كان يحدث في جريدة «أخبار اليوم» من حيث الرسومات الكاريكاتورية للقذافي، لكن السيسي جعل من موقفه وموقف أذرعه الإعلامية صعباً، لأنه لم يعمل حساب خط الرجعة!
الأزمة أن إعلام السيسي خاض المعركة على قواعد «الردح»، و»فرش الملاية»، والحط من كرامة الخصم، ولم يراعوا موقف المصريين العاملين في قطر، فذهب أحد الأبواق يطلب منهم أن يحاصروا الديوان الأميري وقناة «الجزيرة» ، مع الاتهام بأن قطر مولت الإرهاب، وقتلت الجنود المصريين في سيناء، وهذا ما وضع القوم الآن موضع السخرية، من رواد منصات التواصل الاجتماعي، فكيف يقدم السيسي على المصالحة، بينما دماء شهداء مسلسل «الاختيار3» لم تجف، وقد يحدث التجاوز عن كل الموبقات التي قيلت، لزوم الخلاف السياسي، لكن ما لا يغفر هو التطاول على الأسر، والتعريض بالنساء، فالسادات مع كل خلافنا معه لم يتبادل الرد مع القذافي بالخوض في سيرة أهل بيته، كما فعل القذافي في تعريضه بجيهان السادات!
والأمر ليس بحاجة لدراسة أنثروبولوجيا شعوب الخليج، فالقبائل العربية حاضرة في مصر، والوقوف على مفهوم (الأصول) في ثقافتها كان يمكن أن يجنب الدخول في الدائرة المحرمة، من الذين تصدروا المشهد السياسي أو تخطوا الرقاب في اعلام المرحلة، وقد فوجئنا بحملات «الردح»، وكأننا في مشاجرات شارع محمد علي أيام مجده!
والأزمة التي كان النظام السبب فيها أنه لم «يراع الأصول»، فلم يجد من يسانده في مرحلة التحول، فأبواقه الإعلامية مدانة مثله، وبعضهم سعى منذ بداية المصالحة ليقفز على ما حدث، وكان أولهم عمرو أديب، الذي قال إنه لا توجد مشكلة له مع قطر، وأن له أصدقاء فيها، ويتمنى زيارتها وأن يلتقيهم، لكن الرد كان حاضراً بفيديوهات قديمة، وانبعثت المذيعة بسمة وهبة لتردد نفس أسطوانة عمرو أديب، بعد زيارة السيسي الأخيرة للدوحة، ربما اعتماداً على أن برامجها خاصة بالجانب الاجتماعي، فلا يكترث بها أحد، لكن فيديوهاتها السابقة ضد قطر أذيعت للرد عليها، الأمر نفسه فعله خيري رمضان، وكان الرد عليه حاضراً!
نشأت الديهي، كان الأكثر رعونة، عندما أضحك الناس، بأنه مع موقف بلده، فقدم الدليل على أنه إمعة!
حقائب الوثائق
ولم يكن السيسي نفسه بريئا، ففي لقاء قديم، وقت أن كان مرشحاً رئاسياً لأول مرة، وفي لقاء تلفزيوني جمع لفيفا من الأساتذة المذيعين، أكد على خروج وثائق تخص الدولة المصرية من رئاسة الجمهورية إلى قطر، وكيف أنها كانت في حقائب كثيرة، وكان يتألم وهو يرد على الأسئلة، ويؤكد على تهريب هذه الحقائب في عهد الرئيس محمد مرسي، ولم ينس الناس أن قضية أدين فيها مرسي وعدد من أركان حكمه وآخرين بتهمة التخابر مع قطر، وكان هذا التخابر بمدها بوثائق خاصة بالرئاسة.
وهكذا طعنت الزيارة في مصداقية السيسي وإعلامه، فلم تمكن أذرعه الإعلامية من الترويج للمصالحة أو تبريرها، ولم يجد هو ما يقوله، لا سيما وأن قطر لم تستجب لشرط واحد من شروط دول الحصار لرفعه وعودة المياه الى مجاريها، ومن بين هذه الشروط إغلاق قناة «الجزيرة» بالضبة والمفتاح! وإذا كان التعريض بالأسر بدأ في عهد مبارك، فان مبارك كان يمكنه القول إن هذا الخطاب لا يخصه، لأنه لم يصدر من التلفزيون الرسمي، ومن هنا عندما زار «الجزيرة»، وقال مقولته الشهيرة كل هذا يصدر من علبة الكبريت هذه؟! لم يبكته أحد، وإذا كانت هذه المقولة سبباً في تبني صفوت الشريف لحملة ضد «الجزيرة» في تلفزيون الدولة، فقد كانت ضد القناة، وليست ضد الدولة القطرية، كرر في اللقاءات نبيل زكي كيف أنهم في مرة أغلقوا في وجهه الاتصال قبل أن يكمل حديثه مع أنهم يقولون إنها قناة الرأي والرأي الآخر!
وكان معلوماً أن مبارك لا يخوض معركته بعداً وصلحاً، ولكنه يدور مع السعودية، حيث دارت، تماما كما هو معلوم أن السيسي يخوض معارك الغير، الذين حاصروا فحاصر، وتصالحوا فصالح، لكن لا يمكن أن يقدم تبريراً، ليس فقط لأنه شارك بنفسه في الأمر عن حقائب الوثائق، التي هربت الى قطر، ولكن لأن الإعلام قبضته!
اللافت أن الإعلاميين والكتاب القطريين الذين كانوا ضيوفاً على «الجزيرة» في الدفاع عن بلادهم لم يجد أحد منهم نفسه مضطراً لنصب الأفراح والليالي الملاح ابتهاجاً بهذه الزيارة التاريخية. وتقول حكمة أهل القرى في مصر: «ليس بعد حرق الزرع جيرة». فبعد أن يحرق الجار زراعة جاره، فلا معنى بعد ذلك للحديث عن حقوق الجار!
إني أشعر بالحرج من أجلهم!
*صحافي من مصر