بين المحاور الأبرز في هذا الكتاب ثمة تأكيد مؤلفه د. إدريس حمادي، الباحث والأكاديمي المغربي، أن الإسلام «في بعده البياني» وفي «بعده التاريخي» هو «دين كلّ الأنبياء والرسل، دين نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد». وبالتالي، ومن خلال القرآن «الممثل لما استقر عليه الإسلام في مسيرته الكبرى»، يتضح أنّ هذه الشرائع الخمس المتتالية كان «اللاحق منها ينسخ السابق، فشريعة إبراهيم تنسخ شريعة نوح، وشريعة موسى تنسخ شريعة إبراهيم، وهكذا إلى أن جاءت شريعة محمد (ص) ناسخة لجميع الشرائع، إذ فيها تم إكتمال الدين وإتمام النعمة».
والحق أن أطروحة الدراسة هذه لا تحتل مكانة مركزية وناظمة لفصول الكتاب فقط، بل تستقر في نهاية المطاف كمنطلق للمؤلف في توجهه نحو السجال بأنّ الإسلام «في وضعه الأحكام، لم يقيد الناس بتشريع معين في كل شيء، وإنما نصّ وفوّض، نصّ على أحكام ما لا تستقل العقول بإدراك الخير فيه، وما لا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص»، وفوّض في المقابل لأرباب النظر الاجتهاد، وبذلك «حقق الإسلام للعقل الإنساني كرامته وصانه في الوقت نفسه من الاضطراب والفوضى».
ومما يؤسف له أن هذه الفرضية الكبرى وشبه الحاسمة، التي تقتبس الشيخ محمود شلتوت للإيضاح المفيد، لا تتجسد على نحو وافٍ وكافٍ في الكتاب، كما ينبغي لها، وإنما يلجأ المؤلف غالباً إلى خلاصات منشورة أو معلنة لعدد من المشايخ والمفسرين والباحثين. ولا ينجلي في الخلاصة أنه يقترح جديداً ملموساً ومتميزاً، أو يدخل في سجال معمق مع الآراء التي يمكن أن تسير على نقيض من افتراضاته حول النصّ الديني والإنسان وإشكالية القرآن، وضمن ما يطلق عليه المؤلف صفة «ماهية التغيير».
ويؤخذ على الكتاب، كما جاء في مراجعة الباحث الأردني وليد عبد الحي مثلاً، وجود فجوة كبيرة بين ما يعلن من أغراض وما يتحقق منها في فصول الكتاب، أو على الأقل تلك التي التزم بها حمادي منذ المقدمة: الرد على دعاة تغيير الأحكام الدينية قياساً على تغير الأزمنة، ودعاة التغيير لأن المجتمع الحالي يختلف عن مجتمع الإسلام، أو أن تغيير الأحكام الدينية مناط بالله وحده، فضلاً عن تحديد ما لا يتغير في النص والتفويض في ما يجوز تغييره طبقاً للمصلحة، وما إلى ذلك من أغراض.
ينقسم الكتاب إلى ثلاثة أبواب و12 فصلاً، يطرح الباب الأول سؤالاً محورياً: كيف عرف القرآن ماهية الدين؟ وعلى مدى صفحات هذا الباب تتعاقب أبحاث متنوعة، مثل أن الدين عند الله هو الإسلام، في أبعاده اللغوية والتاريخية و«المضامينية» والبيانية (عند الرسول والعلماء)؛ ثمّ القواعد التي تجب مراعاتها في التعامل مع القرآن: المعرفة، فهم الخطاب في اللسان العربي، فقه مراد الشارع من الخطاب، وتنزيل الأحكام على الواقع. وفي فصول أخرى يناقش المؤلف الإسلام في مسيرته الكبرى، كنصوص في عهود نوح وإبراهيم وموسى، وعيسى والرسول؛ ثمّ الإسلام في مسيرته الصغرى (اليوم أكملت لكم دينكم)، وما بعد الإكمال (معنى الشهادة، وخاصة شهادة الأمة المسلمة على نفسها).
الباب الثاني يذهب إلى مناقشة أسس التغيير عند الإنسان، حيث يضطر المؤلف إلى الإمعان أكثر فأكثر في تجريد القضايا بعيداً عن مضامينها الملموسة، حتى حين تتناول الفصول مسائل مثل العلاقة بين القرآن والإنسان، والعلم والتغيير من المنظور القرآني، والعمل والتغيير من المنظور القرآني أيضاً، وصولاً إلى الإنسان في طريقه نحو الكمال، حيث جملة «الموجهات الهادية إلى الصراط المستقيم». وهذه أبحاث تقود إلى الباب الثالث، حيث يستعرض حمادي مظاهر تجلي «الكمال الإنساني»، بمعنى الإنسان في أبعاده العقدية والتشريعية والسياسية وما يمكن أن يُقال في علاقة الدين بالدولة، فالإنسان في ظلّ العدالة الاجتماعية وأهميتها من منظور العقل ومن منظور الإسلام.
ولا يخفي المؤلف أن السبب الرئيس الذي حمله على وضع هذا الكتاب هو «ما وجدناه يتردد من مزاعم على ألسنة كثير من الناس كقولهم مثلا: ان تفاوت النسبة بين هذا العصر وعصر نزول القرآن الكريم، توجب النسخ لشرائع الإسلام ووضع قوانين ثانية قابلة للانطباق على مقتضيات العصر الحاضر». ولقد اعتبر أنّ دراسته هذه بمثابة جواب على تلك «المزاعم»، تحمل شعار «الفهم-الفهم للقرآن»، وتتصدى لتحديات كثيرة منها: «أن هذا الدين فطرة». وأن «هذا الدين جامع بين نور العقل ونور الوحي وجامع أيضا في أحكامه». وأن «هذا الدين ثابت خالد الى يوم الدين». وأن «من مقاصده العليا: المناداة بوحدة الأمة بل حتى بوحدة الإنسانية القائمتين على التعارف والعدل وتجنب الجهل والظلم».
ولعل هذه الجمل المتتالية تعكس بعض خصائص لغة المؤلف، في أنها تفضّل صياغات تعميمية أو تفتقر إلى دقّة القصد، مثل قوله إنّ القرآن الكريم «مصدّر كل هداية وتغيير في كنه الإنسان وإسعاده دنيا وآخرة»، مقابل «المعرضين عنه الذين اتخذوا هذا القرآن مهجورا». العرض، في المقابل، يعاني من التداخل النصّي بين اقتباسات الآيات القرآنية وشروحات المؤلف وتعليقاته عليها، وأما المصطلح فاستخدامه محدود، ومعظمه يتسم بالطابع الفقهي والتفسيري. ولعل بعض السبب يعود إلى أن المؤلف لا يصدر عن منهج نقدي محدد، أو جملة منهجيات متكاملة، وثمة خيار مركزي يقوم على تفسير الآيات واستخلاص القضايا منها، ثم الاعتماد بدرجة كبيرة على آراء عشرات المشايخ والمفسرين والكتّاب.
ومن اللافت أن المؤلف، وهو أكاديمي يُفترض أنه على مراس كافٍ بالأصول البحثية، لا يشير إلى مصادره إلا من خلال الهوامش، فلا يفرد لها قسماً مستقلاً في نهاية الكتاب، ولهذا يحدث في بعض الأحيان أن يتجاهل توثيق المصدر من حيث التاريخ ومكان الطبع، بالنظر أيضاً إلى اعتماده في الأساس على الآيات القرآنية وأعمال التفسير المختلفة. وقد يُسجّل في مثالب الكتاب أن حمادي لا يلجأ إلى مراجع بلغات أجنبية، مع استثناءات قليلة للغاية تنطوي على استخدام مرجع مترجم إلى اللغة العربية (يتناول تاريخ الإسلام مثلاً، أو العقلانية، أو الليبرالية). جدير بالذكر هنا أن حمادي يعتمد منهجاً استقرائياً للآيات القرآنية، بهدف استخلاص الأحكام والمعايير والأدلة الداعمة لأفكاره، وبالتالي فإنه يميل بدرجة أقلّ إلى أي منهج تحليلي يسمح بوضع ما يستخلصه على محك التدقيق النقدي، أو المساجلة مع أطروحات أخرى متوفرة في ميادين البحث ذاتها ولدى كتّاب آخرين.
وكانت أطروحة الدكتوراه، التي تقدم بها المؤلف إلى جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء سنة 1993، قد حملت عنوان «الخطاب الشرعي وطرق استثماره»، وتوجهت نحو مساجلة ما وجده حمادي من «خلط بين ما هو دليل مثمر للأحكام، وبين ما هو منهج أو قاعدة تتخذ وسيلة للاستثمار، في الكتب الأصولية، قديمها وحديثها». كذلك وجد الباحث مساواة «بين الكتاب والسنّة والإجماع من جهة، وبين القياس والاستحسان والعرف والمصالح المرسلة… من جهة أخرى».
وبذلك فالأرجح أنّ قيمة هذه الدراسة تنبثق أولاً من أنها تتابع جهد المؤلف مطالع تسعينيات القرن المنصرم، وتنطوي على جهد كبير في تفسير، أو بالأحرى الاستشهاد بأعمال تفسير، الكثير من الأدبيات القرآنية بهدف البرهنة على أطروحة الكتاب المركزية، أي تقريب النصّ الديني من الإنسان ومعايير التغيير. ومن المؤسف، في هذه النقطة أيضاً، أن الكتاب لا يفي أطروحته هذه حقوقها المطلوبة في الحدود الدنيا، ورغم أن الكثير من التوثيق متوفر في الكتاب، فإنه الدراسة في الحصيلة يعيد إنتاج الكثير من خلاصات التأويل التي سبق أن توصّل إليها شرّاح ومفسرون كثر.
خلاصة القول إن المؤلف جهد لاستكمال مسعى سابق عكف عليه في كتابه «الإنسان الخليفة في القرآن الكريم»، وأن «هذا الدين فطرة، فطر الله الناس عليها»، وأنّ القرآن «نور جامع بين نور العقل ونور الوحي، يتجلى ذلك في كونه يجمع بين العلم الكوني، والعلم الشرعي»، وأنّ مبدأ العدالة الاجتماعية يحتل «الرتبة الثانية بعد التوحيد في القرآن». ومن المؤسف أنّ مقداراً محدوداً من هذه الأغراض تحقق في الدراسة من جانب أوّل، وأنّ مقداراً غير قليل من خلاصات المؤلف إنما يرجّع أصداء سابقة لدى كتّاب وشرّاح ومفسرين من جانب ثانٍ.
د. إدريس حمادي في «القرآن وماهية التغيير: النص الديني ــ الإنسان»
ابن النديم للنشر والتوزيع،
الجزائر 2020
304 صفحة.