بسبب كوفيد والحرب الروسية شبح الفقر يهدّد الاستقرار المجتمعي في تونس

روعة قاسم
حجم الخط
2

تونس ـ «القدس العربي»:  «التنمية والفقر» هما مصطلحان متضادان يعكسان جوهر الاشكال المجتمعي في البلاد التونسية طوال العقود الماضية وذلك في خضم معركة القضاء على الفقر وتحجيمه ومعالجة أسبابه، فأينما غابت «التنمية» حلّ «الفقر» وهيمن. وكان ذلك لسنوات عديدة هو من أحد أهم أسباب تزايد نسب الفقر في تونس أو تقلصه تبعا لمنوال التنمية إضافة إلى عوامل أخرى مرتبطة بالبطالة والمستوى التعليمي وغيره. وحسب الإحصائيات الرسمية فغن محافظة القيروان تحتل المرتبة الأولى في معدلات الفقر بنسبة 34.9 في المئة ونسبة الفقر المدقع بـ10.3 في المئة. وتأتي محافظة القصرين في المرتبة الثانية بنسبة تناهز 32.8 في المئة و10.2 في المئة نسبة الفقر المدقع. واليوم دخلت عوامل أخرى زادت في نسب الفقر لعل أبرزها تداعيات الحرب الروسية على أوكرانيا والتي تسببت بأزمات غذاء وطاقة عالمية لا تقتصر على بلد دون آخر.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن نسبة الفقر في تونس مرشحة للارتفاع خلال النصف الثاني من هذا العام وذلك نتيجة عوامل لعل أهمها التضخم الكبير الذي تسببت فيه الحرب الروسية الأوكرانية في أغلب دول العالم وليس فقط في تونس. كما أن الاقتصاد المنهك نتيجة العشرية الثورية الماضية التي توقف فيها الإنتاج أو كاد، والتي زادت أزمة كوفيد طينها بلة، ألقت بظلالها على حياة التونسيين ومعيشتهم اليومية وقدرتهم الشرائية التي تدهورت بشكل لافت.
لقد زادت أزمة كوفيد في معدلات الفقر في تونس بأربع نقاط ليصل المعدل إلى 19 في المئة بعد أن كان في حدود 15 في المئة، ومن المتوقع أن تصل النسبة إلى 22 في المئة حسب البنك الدولي نتيجة تأثيرات الحرب الروسية الأوكرانية. ومن المتوقع أيضا أن ترتفع النسبة في المناطق الفقيرة والمهمشة إلى عشر نقاط بالتمام والكمال نتيجة استمرار التهميش وعدم التفات الدولة إلى هذه المناطق التي ازداد بؤسها مقارنة بما كان عليه الحال قبل سنة 2011.
وبالتالي فإن الزيادة بمعدل 2.2 في المئة في نسبة الفقر خلال النصف الثاني من هذا العام التي أعلن عنها البنك الدولي هي المعدل العام لكامل البلاد، لكن هناك ولايات ستسجل أرقاما مفزعة وهو ما سيجعل بؤر الفقر تتوسع في تلك المناطق بشكل سريع. ولعل السؤال الذي يطرح كيف سيكون رد فعل أبناء تلك الجهات على المصاب الجلل الذي سيطال جهاتهم وهم الذين انتفضوا مطالبين بإسقاط نظام بن علي في وقت كان فيه الظرف الاقتصادي والاجتماعي أفضل بكثير مما هو عليه الحال اليوم؟
يؤكد العارفون بالشأن التونسي على أن الاضطرابات الاجتماعية التي امتدت طيلة العشرية الماضية لن تتوقف في البلد ما لم تقم الحكومة بإجراءات ملموسة للحد من تداعيات أزمة كورونا والحرب الروسية الأوكرانية وما تمخض عنهما من تضخم ومن ارتفاع مهول وقياسي في نسب الفقر والبطالة. ويؤكد هؤلاء على أنه لا يوجد إلى حد الآن ما يوحي بأن الحكومة الحالية جادة في الاهتمام بالمسائل الاقتصادية والاجتماعية باعتبار ان الجهود منصبة بالأساس على تنفيذ ما ورد في خريطة طريق الرئيس قيس سعيد ومن ذلك الانتخابات التشريعية التي ستجرى يوم 17 كانون الأول/ديسمبر من هذا العام.
ويذهب البعض بعيدا إلى حد التأكيد على أن توقعات البنك الدولي تعتبر متفائلة باعتبارها قد وُضعت بالاستناد على استمرار منظومة الدعم الحالية وعلى ارتفاع الأسعار بالوتيرة التي ارتفعت بها خلال النصف الأول من هذا العام. وبالتالي لو قامت الدولة بإيقاف دعم عدد من المواد الأساسية، وارتفعت أسعار بعض المواد بوتيرة أسرع مما كان عليه الحال خلال النصف الأول من هذا العام، فإن نسبة الفقر ستزيد على المتوقع من قبل البنك الدولي.
ولا يخفى على عاقل أن صندوق النقد الدولي يشترط على تونس جملة من الشروط من بينها أن تراجع الخضراء منظومة الدعم حتى يوافق على إقراضها مبلغ الأربعة مليار دولار لتغطية العجز في الميزانية والذي قدر بذلك المبلغ قبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وبالتالي فإن الخضراء بحاجة أكيدة اليوم إلى أكثر من هذا المبلغ وهي التي لم يقرأ من وضع تقديرات ميزانيتها حسابا للحرب في أوروبا الشرقية والنتائج المترتبة عنها، وقد تدفعها هذه الحاجة إلى الرضوخ والتسليم تماما لصندوق النقد الدولي.
ويشار إلى ان ما تبقى مما كان يسمى «الطبقة الوسطى» قبل عقد من الزمان لديها شعور ان الأوضاع ذاهبة اقتصاديا نحو الأسوأ وأنها تنتمي فعليا إلى الطبقة الفقيرة منذ سنوات، وأن المعايير المعتمدة لتقدير نسبة الفقر وهي الدخل الفردي والقدرة الشرائية لا تعطي صورة عن حقيقة الأوضاع في تونس. فالمواطن عموما منفتح على العالم الخارجي، وما يراه البعض من الكماليات يراه أبناء الطبقة الوسطى في البلاد من الضروريات وينتابهم شعور الحرمان إذا عجزوا عن تحقيقه.
لذلك يرى كثير مما تبقى من أبناء هذه الطبقة، أن عدم تصنيفهم في عداد الفقراء فيه إجحاف بحقهم ومغالطة كبرى تحجب حقيقة الأوضاع في تونس، وأن الحياة قد تطورت وتطور معها مفهوم الفقر ولم يعد يقتصر الأمر على اعتماد الدخل الفردي والقدرة الشرائية. فعلى سبيل المثال يرى بعض هؤلاء أن العجز عن تدريس الأبناء في مدارس لائقة يجب أن يتم أخذه بعين الاعتبار، وكذا العجز عن توفير ما يكفي من المال لقضاء إجازة سنوية للراحة من تعب الحياة وتجديد الطاقة، وأيضا عدم التمكن من توفير المال الكافي للتداوي في مصحات خاصة توفر أرقى الخدمات الصحية في ظل تدهور القطاع الصحي العمومي، وغيرها من الضروريات ويجدون صعوبات جمة في توفيرها ويعتبرون أنه وجب تصنيف العاجز عن توفيرها في عداد الفقراء.

حلول آنية

ويرى البعض أن من بين الحلول الآنية المقترحة حتى لا تزداد الأوضاع سوءا، أن يتم البحث عن جهات أخرى مانحة غير صندوق النقد الدولي لا تشترط على الخضراء رفع الدعم عن شعبها حتى لا تؤول الأمور إلى ماهو أسوأ من توقعات البنك الدولي فيما يخص نسب الفقر. كما بالامكان أيضا التفاوض مع صندوق النقد وجعل رفع الدعم يقتصر على قطاعات محددة كالقطاع السياحي ويتجنب المساس بالقدرة الشرائية للمواطن البسيط باعتبار أن الأمر يتعلق بقرابة العشرة ملايين سائح يلجون أرض الخضراء سنويا. فالسائح في تونس يستهلك المواد المدعمة من الدولة ويقضي إجازته بأبخس الأثمان، أي أن الدولة التونسية تساهم في تكاليف إجازته من خلال الدعم لقطاع لا يدر العملة الصعبة بالشكل المطلوب.
ويؤكد العارفون على ان رفع الدعم عن المواد الاستهلاكية سيفضي إلى مزيد تدمير الطبقة الوسطى، وفيما يتعلق بالفئات الفقيرة من مستحقي الدعم والتي من المفروض أن تنال منحا كتعويض عن الدعم المرفوع، فإنه وبالنظر إلى التجارب السابقة يتوقع أن لا يصل إلى الكثير منها هذا التعويض. فقد وقع التلاعب سابقا بمنح كوفيد-19 ولم تصل إلى مستحقيها بعد أن تضمنت قائمات المستحقين أصحاب دخل محترم تم بالحيلة إدراجهم في قوائم المستحقين من ضعاف الحال.
كما يقترح البعض وعلى المدى البعيد مضاعفة الإنتاج والتصدير لجلب العملة الصعبة، ومن بين المواد التي يمكن الاستفادة من تصديرها الفوسفات الذي يعتبر من أهم ثروات البلاد. فسعر الفوسفات في الأسواق العالمية قد تضاعف ثلاث مرات مقارنة بالسابق بسبب الحاجة إليه في إنتاج الأسمدة الفلاحية، وبالتالي بالامكان من خلال تصديره وتصدير مواد أخرى الحد من الانعكاسات السيئة للحرب الروسية الأوكرانية.
فإنفاق العملة الصعبة لشراء القمح اللين (باعتبار إنتاج تونس للقمح الصلب) بسعره الجديد بعد الحرب الروسية الأوكرانية يجب أن يقابله جلب للعملة الصعبة من خلال تصدير الفوسفات وغيره من المواد. والغاية من ذلك حصول نوع من التوازن بين المداخيل والنفقات حتى يتم الحد من التضخم وبالتالي الحد من غلاء الأسعار والتخفيف من تدهور القدرة الشرائية للمواطن وهو ما يؤدي إلى التخفيف من حدة الفقر.

قيم التضامن

وفي هذا الإطار يرى علالة الجامعي الخبير الاقتصادي التونسي في حديثه لـ«القدس العربي» أن غياب الإنتاج والتصدير يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في بيئة اقتصادية تونسية عشوائية لا يتم فيها تحديد المتطلبات والتركيز على إنتاج مواد بعينها يحتاجها التصدير. فقد تسببت هذه العشوائية، حسب محدثنا، بوجود فائض في إنتاج بعض المواد ونقص في إنتاج غيرها، وهو ما يجعل البلد يلتجئ كثيرا إلى التوريد الذي يساهم في رفع الأسعار وغلاء المعيشة الذي يؤدي بدوره إلى تدهور القدرة الشرائية وازدياد نسبة الفقر.
ويضيف أن غياب قيم التضامن في المجتمع والإيثار والتكافل والتآزر زادت الأمور تعقيدا فيما يتعلق بالفقر باعتبار أن هذه القيم إذا ما توفرت في المجتمع يمكن أن تحد من معاناة وآلام الفقراء. وبالتالي يمكن لهذه القيم في حال تم تفعيلها أن تمثل حلا ظرفيا مع حلول أخرى لمعضلة الفقر خلال الفترة المقبلة في انتظار أن تتحسن الأوضاع بانتهاء عديد الأزمات وعودة الحياة إلى نسقها الطبيعي.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية