كثيرون هم الجنود المجهولون في دنيا الفن وعالم الشهرة، يرافقون النجوم ويصنعون مسيرتهم الفنية ويجملون صورهم على الشاشة ليكونوا أكثر إبهاراً وجاذبية، الماكيير واللبيس، عنصران لا غنى عنهما بالنسبة لأي ممثل أو ممثلة فبدونهما لا تكتمل الوجاهة ولا يُمكن للموعود بالنجومية أو الشهرة أن يُصبح مؤثراً، وعلى ذلك فإن كلا الاثنين مهم وضروري في مشوار الفنان منذ صعوده الدرج الأول للسلم الفني وحتى بلوغه قمة النجومية.
وبرغم استمرار العلاقة التلازمية بين الأطراف الثلاثة، اللبيس والماكيير والممثل، تظل الأضواء مُسلطة على الممثل فقط باعتباره العنصر الذي يواجه الكاميرا ويعرفه الجمهور، بينما يبقى العنصران الآخران في الخلفية لا يعرفهما إلا أهل المهنة والدائرون في فلكها من الكُتاب والنقاد والمُتصلون بالعمل الإبداعي.
هذه المفارقة ربما تتكرر بشكل ما مع كثير من صُناع النجومية كالمصور والمونتير ومهندس الديكور ومهندس الإضاءة وواضع الموسيقى التصويرية وغيرهم من الفنيين والعمال، وبالطبع تزداد المفارقة وضوحاً في وظيفة المخرج والمؤلف وبعض المساعدين وإن كان لهؤلاء مدار آخر يدورون فيه ويتحققون من خلاله.
لكن الإشكالية الكبرى تكمن في العنصرين المباشرين المُختصين بتقريب الصورة الشكلية والظاهرية للممثل على الشاشة، والتي تُعد معياراً أساسياً في عملية التفاعل والقبول بين الممثل والجمهور، حيث تتحدد درجة الانسجام أو الرفض بناءً على الشكل العام والمكون الموضوعي للصورة النهائية التي يكون عليها النجم حال قيامه بالدور على شاشة العرض.
لذا فإن تأثير كل من اللبيس والماكيير يكون هو الأقوى في كثير من الأحيان، لاسيما بالنسبة لعين المشاهد العادي الذي يركز أكثر في شكل النجم ومظهرة وهندامه. فالمُشاهد البسيط لا يكترث كثيراً بالتفاصيل الفنية والتقنية المُتعلقة بالسيناريو والحوار والإخراج والإضاءة والموسيقى وغيرها.
كما أن مُتطلبات الدراما، خاصة في الأدوار النوعية التي تستلزم مهارة الماكيير في رسم الشخصية تُعطي أهمية قصوى للمكياج بوصفة الوسيلة المُثلى لإعطاء الشكل المطلوب لتحقيق مستوى الإقناع والمصداقية سواء في مراحل التطور العمرية للأبطال أو حدوث إصابات بالغة أو بسيطة حسب السياق، كل ذلك يُعزز من دور الماكيير وأهمية المكياج، ولعل الأشهر في هذا التخصص هو الفنان محمد عشوب الذي ساهم في صناعة مئات الشخصيات الدرامية على الشاشة، وبالطبع كانت له بصمة واضحة في مشوار الغالبية العظمى من النجوم والنجمات.
وهناك أفلام معينة ظهرت فيها مهارات الماكيير وتأثير المكياج بشكل واضح للغاية على الشخصيات كما في فيلم «الباطنية» وبالتحديد دور فريد شوقي، المعلم وتاجر المخدرات الضالع في المهنة.
وكذلك فيلم «الضائعة» لنادية الجندي ومن قبله فيلم «المرأة المجهولة» لشادية وكمال الشناوي وأيضاً فيلم «ناجي العلي» لنور الشريف وسلسلة أفلام «الحرافيش» المأخوذة عن رواية الأديب الكبير نجيب محفوظ وفيلمي «ناصر 56 « و«أيام السادات» وغيرها الكثير من الأعمال التي خطف فيها المكياج الأبصار ولعب دور البطولة.
وفي ما يتعلق بمهنة اللبيس ودوره في تحديد ذوق النجم وتأثيره الشعبي والجماهيري من الناحية الشكلية وقدراته الفنية والإبداعية في اختيار الأنسب من الملابس للممثل ونجم الشباك، فإن هناك فيلماً يحمل نفس العنوان «اللبيس» أنتج عام 2001 من إخراج أشرف فايق وعصام حلمي وبطولة شريف منير ومدحت صالح وأميرة فتحي.
وقد ناقش الفيلم الفكرة ذاتها ودارت أحداثه حول محنة اللبيس الذي يرافق النجم ويطمح في تحقيق حُلم النجومية والشهرة اقتداءً بمن يراهم ويتعامل معهم بشكل يومي ، وهي محنة حقيقية اقترب منها الفيلم وحاول المخرجان فايق وحلمي التعبير عنها وأوشك أن ينجحا في محاولتهما لولا الإخفاق في بعض الجوانب التي حالت دون نجاح الفيلم النجاح المرجو والمأمول.
ويكاد يكون فيلم «اللبيس» هو العمل الاستثنائي الوحيد الذي أبدى مؤلفاه عادل المغربي وخالد جمال الدين تعاطفاً مع من يمتهنون هذه المهنة، فلم يستنكر أي منهما حق اللبيس في أن يكون نجماً ويظفر بالحب والشهرة ويعيش حياة رومانسية تليق برجل طموح يمتلك قدرات فنية وذوقا رفيعا في اختيار الموديلات والملابس وموهوب في فن التعامل بلياقة وحساسية ورهافة، وهي صفات مؤهلة للنجومية وكفيلة بتحقيق الحُلم البعيد الذي يراود النازعين للارتقاء، الحالمين بواقع أفضل.