غيب الموت الزؤام الكاتب القصصي الروائي والناقد الإعلامي فاروق وادي (1949- 2022) أحد المناضلين في صفوف الثورة الفلسطينية منذ عام 1970 وقد انخرط مبكرا في وسائل الإعلام الفلسطينية من صحف ومجلات وإذاعات، وانتهى به المطاف رئيس تحرير لمجلة صامد الاقتصادي. وبعد مرض عضال توفي في لشبونة في التاسع عشر من شهر سبتمبر/ أيلول 2022 وكان قد بدأ حياته الأدبية بنشر بواكير قصصه القصيرة، ومن أقدمها قصته القصيرة التي نشرها في مجلة «صوت الجيل» الأردنية عندما كان ما يزال طالبا في الجامعة، وعنوانها «الموت المحتم يكون بعد النهر»، التي تروي معاناة فلسطيني تردد في النزوح من الضفة الغربية إلى الشرقية من نهر الأردن، فكان حائرا بين أن يبقى فيتعرض للموت، أو يغادر إلى عمان، وبعد تردد طال أمده اقتنع بأن الموت هو في نزوحه، ومغادرة الوطن، لا في بقائه وصموده.
وفي عام 1976 صدرت أولى مجموعاته القصصية في بغداد عن وزارة الثقافة والإعلام بعنوان «المنفى يا حبيبتي». وفي عام 1980 صدرت روايته الأولى بعنون «طريق إلى البحر». وفي عام 1993 صدرت روايته الثانية «رائحة الصيف». أما روايته الثالثة فكانت بعنوان «عصفور الشمس» 2006، وصدرت في بيروت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر. وبعد سنتين صدرت روايته «سيرة الظل» 2008 أتبعها بروايات: «في براري التوت، وديك بيروت يؤذن في الظهيرة، ورائحة المانجا»، وصدرت روايته الأخيرة عن دار المتوسط بعنوان «سوداد.. هاوية الغزالة».
ولفاروق كتب أخرى يمزج فيها بين السيرة والرواية كـ»سيرة المشتاق»، و»متاهات الكتابة». وهو من أوائل من كتبوا دراسات في الرواية الفلسطينية تجمع بين روائيين في الوطن وروائيين في الشتات. وفي هذا السياق يتذكر القراء كتابه القيم «ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية» (1981) وقد توقف فيه مثلما هو معروف إزاء ثلاثة روائيين، إميل حبيبي من فلسطين المحتلة، وغسان كنفاني، وجبرا إبراهيم جبرا من المنفى. وقد صدر هذا الكتاب في زمن مبكر قبل الكثير من المؤلفات التي نشرت لاحقا عن الرواية الفلسطينية.
وبعيد اتفاق أوسلو، الذي يقول فيه سلمان أبو ستة إنه أسوأ على الفلسطينيين من وعد بلفور، تمكن من العودة إلى رام الله بتصريح كغيره من الكتاب: محمود شقير ومريد البرغوثي ومحمد القيسي ورشاد أبو شاور، وقد كتب كغيره كتابا عن زيارته لرام الله بعد غياب عنها دام نحو ربع قرن بعنوان «منازل القلب» 1997. ومن الواضح أن عنوان كتابه هذا عنوان غامض لا يعرف القارئ من الوهلة الأولى ما الذي يعنيه بمنازل القلب مع أنه يذكرنا بقول أبي الطيب المتنبي:
لك يا منازل في القلوب منازلُ
أقويتِ أنتِ وهُنَّ منكِ أواهلُ
لهذا نجده يضيف عنوانا آخر تحت هذا العنوان وهو «كتابُ رام الله» في هذا الكتاب ينحو فاروق وادي منحى كتاب السيرة، مذكرا بالطريقة التي نجدها سائدة في «البئر الأولى» لجبرا إبراهيم جبرا و»رأيت رام الله» للمرحوم مريد البرغوثي وكتاب «بيت النار» للشاعر الراحل علي الخليلي و»دروب المنفى» لفيصل حوراني و»ظل آخر» للمدينة لمحمود شقير و»ظل الغيمة لحتا أبو حنا» وكتاب إدوارد سعيد «خارج المكان» و»رائحة التمر حنة» للقاص رشاد أبو شاور وكتاب «الطرد من المكان» لمحمد القيسي.
وهذه الكتب، باستثناء كتابي جبرا وإدوارد سعيد، سير ذاتيّة، القاسم المشترك فيها الذي يحتاج لوقفة مطولة، ودراسة معمقة، أن المؤلفين جميعهم عادوا إلى فلسطين، إما عودة، أو زيارة محددة بوقت ما، بعد اتفاق أوسلو. واللافت للنظر أن فاروق وادي في «منازل القلب» أفاد من خبرته في كتابة القصص القصيرة والرواية، وقد فاجأنا من الفقرة الأولى باستخدام ضمير المخاطب لا ضمير المتكلم مثلما هي الحال في «خارج المكان» أو «غربة الراعي» لإحسان عباس، أو «دروب المنفى» لحوراني. ولا ضمير المفرد الغائب على طريقة طه حسين في الجزء الأول من سيرته المعروفة بعنوان «الأيام». فهو كمن يكتب رواية يتخيل فيها كاتبا ضمنيا يؤدي دور الشاهد، وبطلا هو المروي عنه، وعليه، بدليل أن الراوي يخاطب هذا البطل الروائي، الذي هو المؤلف، كما لو أنه شخصية سردية من اختراع الراوي. وهذا الأسلوب في «منازل القلب» أضفى على السرد فيها طابع التشويق، فبدا الكتاب كأنه سيرة حياة المؤلف بقلمه، وبرواية راو خفيّ، غير معلن. يقول في فقرة قصيرة مبينا هذه العلاقة بين الراوي والبطل المؤلف: «ها أنتَ ذا تتهيأ للخروج من رهافة النص. لتدخل جحر المدينة. فتطوي شعابها التي ظلت مستحيلة». سيكتشف القارئ في ما بعد أن الشخص الذي يخاطبه الراوي بأنتَ هو المؤلف نفسه فاروق وادي، وسيتضح ذلك أكثر فأكثر.
فهو يحدثنا عن محطات من حياته. أولاها المنزل الذي رأى فيه النور، وهو في أحد أحياء رام الله التي نزح إليها أهله عام 1948 من قرية المزيرعة. وفي موقف آخر يروي لنا كيف جرى تزوير شخصيته، وأدخل في أحد مستشفيات القدس باسم يونس، وهو اسم طفل آخر في الحي، لكي يتمتع بتخفيض الأجور التي يتمتع بها أبناء اللاجئين ممن يحملون بطاقة وكالة الغوث. واللافت أنَّ هذه الحكاية يكررها المؤلف في رواية «رائحة الصيف» 1993.
بعد 30 عاما تقريبا عاد المؤلف إلى البيت نفسه، والحي نفسه، وكان أول ما يتوق إليه هو زيارة المدرسة التي تعلم فيها حروف الهجاء. وما إن وقع بصره على تلك المدرسة حتى تذكر مديرة الروضة الست (عدلة) بما كان لها من أثر في نفسه، وفي نفوس أترابه. وتسلك الذاكرة مسلكا مطردا في استعادة منازل القلب، فإذا نحن القراء مع المؤلف في مدرسته الثانوية، التي تفتح فيها، وتبرعم، عطاؤه الأدبي المبكر. ومحاولاته التي لم تجد طريقها للنشر، لكنها وجدت طريقها لجمهوره من الأساتذة، والطلاب، عبر الإذاعة المدرسية، وطوابير الصباح. ويتذكر في موقف مشابه المكتبة التي كان بمقدوره استعارة الكتب منها للقراءة، إذ لا يمكنه شراء الكتب. فتذكر بعد ثلاثين عاما أنه في آخر مرة زارها استعار رواية «أبناء العم توم» للأمريكي ريتشارد رايت. يقول متذكرا على لسان الراوي: تدخلُ المكتبة، وبيدكَ هوية العضوية. المنتهية منذ ثلاثين عاما. ومعها كتاب أبناء العم توم. والمسجل على صفحته الأولى تاريخ استعارته يوم 4 حزيران/ يونيو 1967 وبهدوء تضع الكتاب، والهوية، أمام أمينة المكتبة،
آسف يا سيدتي كنت مضطرا إلى التأخر قليلا عن إعادته، لا بأس. فهي ثلاثون عاما فقط.
يتذكر في موقف مشابه لهذا محاولاته المبكرة في الرسم، والتنافس مع أصدقاء الطفولة في أي منهم يتقن استخدام الألوان، وإجادة البورتريه. أما البدايات في الكتابة فتذكره بصحيفة «الجهاد» المقدسية، وبصفة خاصة الصفحة الأخيرة التي تناوب على الكتابة فيها كتاب معروفون في زاوية باسم ثرثرة أدبية.
يتذكر في موقف مشابه لهذا محاولاته المبكرة في الرسم، والتنافس مع أصدقاء الطفولة في أي منهم يتقن استخدام الألوان، وإجادة البورتريه. أما البدايات في الكتابة فتذكره بصحيفة «الجهاد» المقدسية، وبصفة خاصة الصفحة الأخيرة التي تناوب على الكتابة فيها كتاب معروفون في زاوية باسم ثرثرة أدبية. وفيها تمكن من قراءة ملاحظات الكاتب المخضرم محمود شقير على قصته الأولى. أما مدرسوه ومنهم الكاتب الراحل خليل السواحري فقد شجعوه، وبعد ربع قرن استيقظ الكاتب الكامن في نفسه، وانطلق من الداخل إلى الخارج، حيث الدورياتُ والمجلاتُ ودور النشر التي لا تتردد في نشر قصصه القصيرة، ورواياته، وأعماله الأخرى. أما عن ثقافته، وفكره السياسي، فهو يؤكد أن هذا كله مرتبط بقصته الأولى.
على أن فاروق وادي يختلف عن غيره من كتاب السير الذين أشرنا لذكرهم، من جبرا إلى إحسان عباس مرورا بإدوارد سعيد، من حيث إنه يرفض التمركز حول الذات. صحيح أن السيرة لا يمكن تخيلها في معزل عن الذات، إلا أنه يقلل قدر المستطاع من هذا التركيز الذي يطغى على ما كتبه جبرا في «البئر الأولى» وفي «شارع الأميرات»، وعلى ما كتبه إحسان عباس في «غربة الراعي» وإدوارد سعيد في «خارج المكان». فهم يتحدثون عن العائلة، وعن كل فرد فيها، بيد أن فاروق وادي يغض النظر عن هذا الجانب، مقتصرا بصفة واضحة على انطباعات الراوي عن المدينة رام الله، وعن جارتها اللصيقة بها البيرة، مقارنا بين وضع كل منهما قبل الاحتلال 1967 وبعده.
ولا يخفي المؤلف الذي يتحدث الراوي نيابة عنه صدمته من التغيير غير الطبيعي الذي يلف المدينتين. يتجلى ذلك في التشويه الحضري الذي أحدثه الاستيطان، في ما يحيط بهما من أراض، وما في ذلك من طرق وشوارع التفافية، تم شقها وتعبيدها في مواقع غير ملائمة ليتحرك المستوطنون دون أن يجبروا على المرور من المدينتين. كذلك الأبنية الشاهقة، والعمائر السكنية، التي تشبه الأبراج القاهرية، تمنع عن المدينتين الشمس والهواء وتغيب الكثير من مغانيهما المكسوة شجرا وزهرا عن عيون الناظرين، ومرأى السياح المتنزهين. فالمنارة، وهي أحد أحياء رام الله الحيوية، تعج بالسيارات، وبالزحام البشري، الذي يحتاج معه المتحدث إلى ترجمان. يقول فاروق وادي في ما يشبه المونولوج: «عيناكَ تجوسان المكان، بينما تطلق الذاكرة بروقها التي تتسكع في الزمان. في الزوايا القصية منه، في فضاء الأمكنة. يمتلك الحجرُ خاصية إفراز الأحداث التي وقعت. وقدرة على استدعاء البشر الذين ترشح بهم شقوق الجدران. وشقوق ذاكرة مهيئة تقف دائما على استعداد».
ولا يخلو «منازل القلب» من ذكريات تعود بنا إلى ما قبل عام 1948 والحديث عن عمه المجاهد الذي تسلل بعد 1948 لقريته المزيرعة ولم يعد. صفوة القول هي إن «منازل القلب»، وهو كتاب صغيرالحجم (140صفحة) كتاب يمسك بأنفاس القارئ لا بسبب مروياته حسب، بل بسبب أسلوبه الذي جعل من السيرة سيرة بقناع قصصي أو روائي.
كاتب أردني