ماذا يجب أن يفعل السياسي المرشح لقيادة حكومة بلده لكي يصل إلى موقع القمة الذي قد يبتغيه أو قد يسعى آخرون لإيصاله إليه؟
هذا سؤال يطرحه الكاتب البريطاني ستيف ريتشاردز في كتابه الذي صدَرَ مؤخراً بعنوان: «رؤساء الحكومة الذين لم نحصل عليهم».
الأمر الأهم، حسب رأي ريتشاردز في الكتاب، هو ان من الخطأ أن يبرز أحد الوزراء في أي حكومة أو وزارة على حساب رئيس حكومته إلى درجة مبالغ فيها لكي لا يشعر بأنه يفعل ذلك للتنافس معه (أو معها) على هذا المنصب الحكومي الأول قبل الموعد. وبالتالي، تجري عرقلة وإفشال طموحاته من جانب صاحب (أو صاحبة) القيادة خلال أو بعد انتهاء فترة الولاية.
وهذا ما حصل مع إثنين من أبرز وأنشط الوزراء في حكومة مارغريت ثاتشر في حزب المحافظين البريطاني في سبعينيات القرن الماضي، وهما مايكل هيزلتاين (على الأخص) وكينيث كلارك، بحيث حاربتهما ثاتشر وساهمت في وصول جون ميجور إلى زعامة حزب المحافظين وبالتالي رئاسة الوزراء من بعدها، وقد تم ذلك عن طريق دعم ميجور في انتخابات زعامة حزب المحافظين على حساب هيزلتاين.
وهذا الأمر انطبق أيضاً على رئيس الوزراء في حزب العمال غوردون براون الذي ترأس حكومة بريطانيا عام 2007 (بعد توني بلير) ولكنه لم يدعم ترشيح وزير خارجيته ديفيد ميليباند لخلافته، بل فضّل براون دعم شقيقه الأقل بروزاً إيد ميليباند لقيادة الحزب ولخلافته. ولكن، إيد خسر الانتخابات الاشتراعية عام 2015 لاحقاً أمام المحافظ ديفيد كاميرون.
هذا الشرط، الذي يطرحه ريتشاردز في كتابه، قد ينطبق في بلدان أخرى تحكمها حكومات ديمقراطية تتنافس الأحزاب فيها سعياً للحصول على الأكثرية في مجالس العموم، وبالتالي، فقد يفشل قياديون نجحوا في مناصبهم كوزراء، ويتمتعون بشعبية كبيرة في الوصول إلى قيادة بلدانهم سياسياً وكان بإمكانهم فعل ذلك لو كانت أنظمة الانتخاب المعتمدة فيها أنظمة رئاسية. ويذكر الكاتب في هذا المجال مايكل هيزلتاين وكينيث كلارك في حزب المحافظين وجيريمي كوربن أو أحد الأخوين ميليباند في حزب العمال الذين ربما كانوا فازوا في انتخابات رئاسية، حسب قوله. وفي الفصل ما قبل الأخير، الذي يتناول فيه صعود وهبوط كوربن في زعامة حزب العمال واقترابه من دفة الوصول إلى رئاسة الحكومة، يتطرق الكاتب إلى عوامل أخرى ساهمت في فشله في ذلك المجال.
أحد الأسباب الرئيسية الأخرى لفشل كوربن (برأيه) كانت الحملة التي شنتها ضده شلة من نواب حزبه (حزب العمال) المؤيدين لتوني بلير وأمريكا وإسرائيل، ودعمتهم فيها معظم الصحف البريطانية ووسائل الإعلام غير الموضوعية والمنحازة بالإضافة إلى المدونين على وسائل التواصل الاجتماعي بحيث تم نبش ماضي كوربن المؤيد للقضية الفلسطينية وقضايا قومية أخرى كقضية تحرير ايرلندا الشمالية من سلطة المملكة المتحدة. ويعتبر الكاتب انه بدلاً من ان يكون الحوار معه حول قضايا الساعة الداخلية والخارجية، تحول إلى اتهامات ضده حول مواقفه الراديكالية في سبعينيات القرن الماضي ومعارضته للديكتاتورية. والمشكلة (حسب الكاتب) أن شخصية كوربن المؤيدة للنقاش وللحوار، بدلاً من التصادم، لم تنجح في الإفلات من وتجنب هذه المصيدة بحيث لعب لعبة خصومه علماً بانه لم يكن في الأساس متمسكاً بالمناصب القيادية العليا، وكان يفضل البقاء في المقاعد الخلفية في حزبه، وفوجئ عندما اختير زعيماً لحزب العمال عام 2015 بأكثرية ساحقة وعندما حقق نتائج ممتازة في الانتخابات الاشتراعية لعام 2017.
وبما ان الناخبين البريطانيين يصوتون في العادة ضد الأحزاب المنقسمة على نفسها والتي قد يتردد قادتها في اتخاذ المواقف الحازمة، فإن كوربن خسر الانتخابات التشريعية البريطانية لعام 2019 أمام بوريس جونسون بعدما لعب الزعيم العمالي لعبة جونسون غير المناسبة له ووافق على الاستفتاء الشعبي الذي خسره حول «بريكست».
ويفسر ريتشاردز تردد كوربن في اتخاذ موقف واضح حول «بريكست» بانه، عندما كان نائباً في المقاعد الخلفية في الماضي، كان من المؤيدين بقوة لمواقف السياسي العمالي البريطاني الراحل توني بن الذي كان يفضل التريث وعدم إنغماس بريطانيا في المشروع الأوروبي الاتحادي ما قد يضر بمصلحة عمال ومزارعي بريطانيا.
كما تردد كوربن في إقالة نجل توني بن (هيلاري بِن) من منصب وزير الخارجية تحت قيادته في حكومة الظل العمالية عندما طالب هيلاري بن كوربن بموقف متشدد ضد تجاوزات النظام السوري (تأييد ردع سوريا عسكريا عام 2015) فيما فضّل كوربن التريث في هذا المجال.
ولم تتم إقالة هيلاري (أو استقالته) من منصبه القيادي إلا بعدما تصاعدت حدة هجوماته وتنديده بقرارات زعيم حزبه المترددة لأسباب خاصة.
هذا التردد في اتخاذ القرارات، يعتبره المؤلف، أحد الأسباب الرئيسية الأخرى لعدم وصول كوربن إلى منصب قيادة البلد. وقد ظهرَ في طريقة معالجة جيريمي كوربن للضغوط عليه لطرد أعضاء بارزين في حزب العمال بسبب حملات الجهات الصهيونية المؤيدة لإسرائيل في الحزب والإعلام وإدعاءاتهم بانهم من المعادين للسامية. وبين الذين تمت المطالبة بطردهم أصدقاء مقربين جداً من كوربن كعمدة (رئيس بلدية) لندن السابق كين ليفنغستون وغيره. وقد تم طردهم لاحقاً من جانب كوربن ولو على مضض.
ومن الأمور اللافتة في قيادة رئيسة الحكومة الراحلة مارغريت ثاتشر لبريطانيا أنها وعندما كانت وزيرة محافظة في حكومة ادوارد هيث لم تعارضه علناً وفضلت الصمت والتريث إلى ان وصلت لموقع القيادة حيث شنت وقادت حملة عنيفة ضده وضد سياساته.
كما أنها لم تتردد في اتخاذ مواقف خطيرة ومتسرعة نسبياً على الصعيدين الداخلي كالمواجهة العنيفة مع نقابات العمال وحرب الفولكلاند (المالوين) خارجياً. وهذا لا يعني بانها كانت على حق في مواجهاتها وحروبها، ولكن جمهور الناخبين يفضل متخذي القرارات الصعبة والواضحة ولا يشعر بارتياح إزاء القياديين المترددين (حسب الكاتب) وهذا الأمر ينطبق في بريطانيا وفي خارجها.
أخلاقياً ومبدأياً اتخذ كوربن مواقف جريئة بحق القضايا العربية عموماً، وخصوصاً بالنسبة للقضية الفلسطينية. وهذا الأمر ربما كلفه عدم الوصول إلى قيادة بريطانيا عندما كان على وشك الوصول إلى هذا المنصب عام 2017. وما زال كوربن يتخذ مثل هذه المواقف الجريئة خارج القيادة التي قد يتذكره التاريخ عليها. أما مارغريت ثاتشر والذين استمروا في سياساتها المؤيدة للتصعيد في حزب المحافظين، فمواقفهم كانت واستمرت مؤيدة لإسرائيل وتابعة لأمريكا برغم ان ثاتشر أتاحت المجال لسياسيين معتدلين نسبياً في بعض قراراتها احتلال المناصب الهامة في حكوماتها على شاكلة دوغلاس هيرد وغيره.
ويرفض الكاتب الاتهامات التي توجهها الأوساط المؤيدة للصهيونية بان كوربن يشبه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مواقفه، بل يؤكد بان كوربن (ومعلمه توني بن) كانا مختلفين عن بوتين (على عكسه) بحيث آمنا بمحاورة خصومهما سياسياً وديمقراطياً إلى أقصى الدرجات فيما يفضل بوتين إقصاء خصومه. والزعيمان العماليان لم يصلا ربما إلى قيادة بلدهما بسبب تمسكهما بالمبادئ الأخلاقية والترفع عن التنازلات في سبيل المناصب.
يقول الكاتب في الصفحة 264: «لا يوجد سياسي أبعد من كوربن عن بوتين في مجال إقصاء خصومه الداخليين والخارجيين».
ويشير المؤلف بأن الأخوين ديفيد وإيد ميليباند كانا ربما سيصلان إلى قيادة حكومة بريطانيا لو لم يختلفا مع بعضهما. فالاثنان مؤهلان لهذا المنصب، وهما يملكان جميع المؤهلات الأكاديمية والأخلاقية المطلوبة في هذا المجال، ووالدهما رالف ميليباند، كان من القياديين اليساريين الأكاديميين البارزين في بريطانيا رغم انه رفض فكرة «حزب العمال الجديد» التي اعتنقها نجلاه.
الفارق في السياسة الخارجية بينهما كان ان ديفيد أيدّ توني بلير في معظم مواقفه الداخلية والخارجية بما في ذلك (ولو بتردد) مشاركة بلير مع قيادة الولايات المتحدة (جورج بوش الابن) في غزو العراق عام 2003. أما أيد، فتضامن بقوة مع غوردون براون الذي تسلَم زعامته حزب العمال ورئاسة حكومة البلد بعد بلير وكان إيد متحفظاً ومعارضاً لانغماس بلير في حرب العراق ومتوافقاً مع سياسات براون الاقتصادية. ولكن (كما يؤكد الكاتب في فصول أخرى) فإن الجمهور البريطاني عموماً لا يحبذ الخلافات في القيادة، وربما شعرَ بان وصول واحد من أبناء رالف ميليباند إلى رئاسة الحكومة سيؤدي إلى خلاف مع الآخر ما قد يهدد مصلحة البلد.
في خلاصة الكتاب، يقول الكاتب ان ظهور منافسين أقوياء لأحد القادة أو الزعماء في بريطانيا (أو حتى في بعض البلدان الديمقراطية الأخرى) قد يؤدي لتقوية ذلك الزعيم أو القائد في موقعه بدلاً من إضعافه وإلى استمراره في القيادة إلى وقت أطول أو إلى عودته إليها بعد سقوطه. وهذا ما كان ربما سيحدث (أو قد يحدث لاحقاً) في وضع بوريس جونسون لو لم تشتد وتتصاعد حملة الإعلام البريطاني والإلكتروني في وسائل التواصل الاجتماعي ضده إلى الدرجة التي دفعته مكرهاً إلى الاستقالة رغم استمرار شعبيته في استطلاعات الرأي.
واللافت في هذا المجال ان المرشحة ليز تراس التي احتلت منصب جونسون تتفق مؤهلاتها وشخصيتها مع ما ذكره ريتشاردز في هذا الكتاب.
فليز تراس (وزيرة الخارجية السابقة) كانت الأقل انتقاداً لبوريس جونسون وبقيت إلى جانبه حتى الساعات الأخيرة السابقة لاستقالته من رئاسة الحكومة، خلافاً لوزراء آخرين بينهم منافسها الرئيسي وزير الخزانة السابق ريتشي سوناك، الذي ربما يفوقها خبرة في المجال الاقتصادي والمالي، ولكنه تحدى جونسون واستقال كوزير للخزانة من حكومته. ولعل جونسون يُحضّر نفسه للعودة إلى منصب بارز في القيادة البريطانية عن طريق ليز تراس وقد لا يناله عبر قيادة سوناك. وقد عبّرت تراس عن استمرار احترامها لجونسون بعد إعلان فوزها في منصب رئاسة الحكومة. أما إذا كانت تراس مترددة في اتخاذها لقراراتها، أو إذا اتخذت قرارات متسرعة قد تؤدي إلى انقسام حزبها، فإنها (وحسب نظرية الكاتب) لن تدوم طويلاً في منصبها. بيد انه من المتوقع بانها ستعتمد إلى درجة كبيرة على المشورة والنصائح التي سيوفرها ويقدمها إليها بوريس جونسون بعد الإطراءات التي وجهتها له في خطاب فوزها.
وقد يتوقف نجاحها كرئيسة حكومة على المدى الذي ستكون فيه تراس متمسكة بمنصبها وكيف ستقيّم وتختار تحالفاتها وإذا كان ماضيها خالياً من الأمور والفضائح التي يمكن للإعلام ان يضخمها إذا قرر إسقاطها ومواجهتها لسبب أو لآخر. والجدير ذكره بانها فازت على ريتشي سوناك بأكثرية ثمانين ألف صوت مقابل ستين ألفا، وهذا لا يُعتبر فوزاً ساحقاً حسب المصادر المطلعة.
وحتى الساعة، أهم ما بدرَ عنها في سياستها الخارجية تأييدها لأوكرانيا في حربها ومواجهتها مع روسيا، أي أن تراس اختارت السير في المسار «البايدني» الأمريكي التصعيدي ضد بوتين. وبالنسبة للشرق الأوسط، فقد أعلنت بشكل عام تأييدها لإسرائيل ومواقفها عموماً. وبالتالي لن تواجه تهمة العداء للسامية إلا إذا قامت بخطوات قد تقلق الإعلام البريطاني المؤيد (بدون تحفظ) لسياسات إسرائيل (بما في ذلك استمرار الاستيطان) والمتغاضي عن تجاوزات الدولة العبرية في مجالات أخرى.
لكن، يجب أيضاً الانتظار لمعرفة إذا كانت تراس تملك قوة الاقناع التي امتلكتها ثاتشر وأتباعها ومن بعدهم بوريس جونسون وأعوانه في تمرير بعض سياساتهم المجحفة بحق القضية الفلسطينية.
Steve Richards: «The Prime Ministers We Never Had»
Atlantic Books, London 2022
314 pages.